رشيد رضا السلفى الذى مجَّد الاستعمار البريطانى ودعا المصريين للخضوع له

عصام الزهيري



رشيد رضا السلفى الذى مجَّد الاستعمار البريطانى ودعا المصريين للخضوع له



لا يسع الإنسان مهما حاول أن يعتبر السلفية تيارًا فكريًّا مثل سائر تيارات الفكر والثقافة، أو نظرية دينية متداولة، أو نشاطًا ذهنيًّا ونفسيًّا بنائيًّا أو منتجًا بالعموم، إذ إنها لم تتجاوز خلال تاريخها كله نطاقها الضيق المحكوم دائمًا برد الفعل، ولا يمكن إدخالها دائرة التحليل بعيدًا عن هويتها كظاهرة اجتماعية ارتدادية، والشاهد الرئيسى على ذلك أنك مهما تباعدت فى قراءة اتجاهات الأصولية بين الحاضر والماضى، ومهما تعمقت فى قراءة مدونات رموزها، إن كان للمنتج الأصولى الفكرى عمقٌ، فإنك لا تجد أكثر من موضوع منفعل، لا ذات فاعلة لحركة بناء حضارى، ولا منتج لفكر محدد الاتجاه. لا تجد أكثر من ظاهرة تكرر ذاتها عبر آلية اجتماعية شبه عمياء، انتشارًا وانحسارًا، عبر فترات التاريخ المختلفة فى كل مجتمعات الأرض.

 

ومردُّ الأصولية فى كل ما تحققه من انتشار وانحسار دائمًا كان علاقتها بالحداثة، فهى ظاهرة تنشأ كرد فعل على تحديث المجتمعات، تزدهر فى حالات فشل التحديث أو تباطُئه وحالات عجز مؤسسات المجتمع عن التعاطى الكفء معه، وتنحسر وتتلاشى فى الحالات العكسية عندما تنجح المجتمعات فى ممارسة حركة تحديث ناجح وشامل لكل مرافق الحياة والمجتمع. وعلى هذا لا يمكن للعقل مهما حمل صاحبه من حسن النيات ونزعات التعاطف أن يرى فى الأصولية أكثر من نزعة نفسية عميقة، تأخذ شكل ظاهرة اجتماعية ذات مدٍّ وجزرٍ، نزعة تكون إيجابية وعنيفة عندما تأخذ شكل واتجاه الكراهية والعداء السافر المعلن ضد التغيير والتحديث، ومحاولة لإيقاف عجلة دوران الزمن بالقوة والإكراه والاستبداد، وتكون سلبية وانسحابية عندما تأخذ شكل واتجاه الرفض الرومانسى لتغيير الواقع، والانسحاب إلى حضن عالمها الساكن الجامد المتوهم، والرغبة المستحيلة المعذبة بالعودة إلى الماضى.

 

الدليل الجيد، المادى والملموس، الذى يمكن لكل عقل أن يعاينه ليثبت ذلك، هو اختبار الحالة الأصولية فى أجزائها ومفاصلها، وفى عصورها المختلفة، فى مواريثها الماضية والحاضرة. وسوف يدهش العقل دائمًا التماثل اللا زمنى بين المقولات والاتجاهات، والتحركات والممارسات التى تنسب للأصولية، مهما كان المناخ الذى تتشكل فيه أو العصر الذى يكونها.

وسوف يذهلك دائمًا هذا الاستنساخ بين «النظريات» والمقولات الأصولية، رغم اختلاف الأماكن والأزمنة، والاستنساخ بين الشخصيات والرموز الأصولية، مهما اختلفت أوضاعها وبلدانها، والأحداث المؤثرة فيها.

لن تستطيع تفسير هذا الاستنساخ الواقعى المحسوس الذى تلمسه رأسيًّا فى شخصية مثل جمال الدين الأفغانى، وشخصية مثل حسن البنا، رغم كل ما يفرق بين زمن القرن التاسع عشر الذى ظهر فيه الأول، وزمن القرن العشرين الذى عاش فيه الثانى، كما لن يمكنك تفسير الاستنساخ أفقيًّا بين شخصية مثل أبو الأعلى المودودى، وشخصية مثل سيد قطب، عاشا فى نفس العصر ولكن فى مجتمعى الهند ومصر، اللذين لا يتشابه سياقهما الثقافى والسياسى، ولا مكوناتهما الطبقية والطائفية، ولا ظروفهما التاريخية، حتى إنه يعزى للأخير سرقة أفكار الأول أو اقتباسها. والاستنساخ الواقعى بين هذه الشخصيات الأربع رأسيًّا وأفقيًّا يتجاوز كل التشابه الظاهرى فى الفكر والسلوك، إلى تشابه أعمق فى وحدة الدوافع والنزعات المحركة لهم جميعا، الدافع والنزوع الأصولى الواحد، وهو العداء للتحديث ومحاولة الحفاظ على الأوضاع القائمة، سواء جرى ذلك تحت لافتة الصراع الحضارى الإسلامى الغربى، كما عند الأفغانى، أو لافتة المحافظة على الهوية، كما عند البنا، أو لافتة الحاكمية كما عند المودوى وقطب.

 

وسوف يتوسع هذا المقال بعض الشىء فى تقديم شاهد إضافى على الحالة الأصولية، من حياة وآراء محمد رشيد رضا، الذى بدأ تلميذًا يرفع شعار الاستنارة للشيخ المجدد محمد عبده، ونجح إلى حد بعيد فى قهر نزوعه الأصولى خلال حياة أستاذه وبفعل تأثيره عليه، لكنه ما لبث بعد أن رحل محمد عبده أن انتصرت أصوليته، ليصبح رشيد رضا صاحب أوسع محاولة التفاف على تعاليم أستاذه التجديدية الإصلاحية المنحازة للعقل والحرية، والمضادة للنزوع الأصولى، بماضويته وسلفيته، واتجاهه إلى إلغاء العقل، فى مقابل انتماء رضا لتبعية كاملة لقراءة عصابية موروثة وجامدة ومقحمة ومفروضة ولا تاريخية للنصوص.

 

أظهر ما يمكن أن يرصده المرء من السمات الفكرية فى الظاهرة الأصولية هو سمة التناقض والانقسام على ذاتها، انقسام يتجاوز حالة التضارب بين مقولتين أو فكرتين لا يمكن الجمع بينهما، ليكشف عن حقيقته كشرخ بنائى عميق كامن فى صميم النزوع الأصولى، شرخ يستمد مظاهره الكثيرة فى ممارسات وأفكار الأصوليين من معِين واحد هو الكذب على الذات، بإيهامها بواقعية المستحيل وإمكانية غير الممكن، أى بوهم العودة إلى الماضى وكف عجلة الزمن والتغير عن الدوران، وإيقاف حركة التحديث والتغيير الاجتماعى والتقدم البشرى الطبيعى. وأول ما يمكن أن يلحظه قارئ تاريخ الشيخ رشيد رضا حالة الانقسام والتراوح المذهل فى علاقته بالاستعمار البريطانى، نفس حالة الانقسام والتراوح التى نلحظها إلى اليوم فى مواقف كل الحركات الأصولية تجاه مؤسسات القوة والسلطة فى المجتمع، وهو توتر تمتد جذوره إلى عقدة التناقض ما بين رغبة الأصولى فى التسلط وفرض أفكاره بالقوة لوقف حركة التغيير ومصادرته، وبين وعيه -أو لا وعيه- باستحالة ما يرمى إليه.

 

عندما تحاول تلمُّس أبعاد هذا التناقض فى حالة رشيد رضا -كما يمكن أن تلمسها فى الحالات السابقة المشار إليها الأفغانى والبنا وقطب والمودودى، وغيرهم- فسوف تفاجأ بأن حجم التناقض يتجاوز نطاقات السياسة، ليصل إلى درجة من درجات الازدواجية والفصام والشرخ النفسى.

فقد بلغ تأييد الشيخ السلفى للاحتلال الإنجليزى حدَّ ممارسة الدعاية السافرة له، ومطالبة المصريين والعرب بالخضوع و«الاستفادة» منه والحياة فى ظله، وإدانة جهود كل من يقاوم الوجود البريطانى فى مصر والمنطقة العربية، وصولاً إلى حد إطلاق السباب وإلصاق التهم الأخلاقية الشائنة بكل من قاوم «حق الإنجليز» فى السيادة على العالم بقواهم الأخلاقية والعلمية، على حد تعبير الشيخ.

وقد كان حاصل ما طلبه رشيد رضا من الإنجليز المحتلين كأنه بصدد شركة مساهمة لا وطن وشعب: «أن يعاملونا معاملة الإخوة، فيتركوا لنا ديننا وآدابنا ولغتنا وحرية العلم والتربية وشؤون الاجتماع، ويساعدونا على الارتقاء فى جميع شؤون الاقتصاد والكسب والعمران، ويشاركونا فى الربح مشاركة الأخ لأخيه، ولو أجابت الدول القوية المستعمرة هذه الدعوة آمنت كل دولة على مستعمراتها وزادت فى خيراتها وبركاتها».

هنا لا يجد رضا حرجًا وهو يتحول لسمسار أو دليل استعمارى، يدل على أنجع الطرق لإثمار شجرة الاستعمار المغروسة بالقهر والقوة، وطالما أن المستعمر سوف يحافظ على حالة التخلف الاجتماعى الذى يحيا فيه المجتمع، ويترك لنا حرية التخلف والانصراف عن التحديث ورفضه، والعزوف عن البحث عن وسائل القوة والتحرر والاستقلال.

 

لم يكن هذا هو كل موقف الشيخ رشيد رضا على العادة الأصولية، التى لا تنجو أبدا من التناقض والفصام والانقسام، فبدءًا من عام 1912 بدأ الشيخ حملة دون كيشوتية معكوسة على صفحات مجلته «المنار»* ضد الاحتلال الإنجليزى.

وحدث ذلك بعد أن اتضح عدم ممانعة الإنجليز فى أن تتحقق رغبة المصريين فى الاستقلال عن الخلافة العثمانية.

عند ذلك تراءى له أن يحذر العالم الإسلامى من أن يساق إلى الذبح، ولاحظ أن البريطانيين يخشون الإسلام ويضطهدونه، كما أصبح الانصياع للاستعمار والحياة فى ظله كفرًا صريحًا وردة عن الإسلام، ودون تحرج أو تحسس لموقفه السابق كتب: «إننا نفضل الموت بالحرب على الحياة السافلة المهينة التى تريد أوروبا أن تتفضل بها علينا، وهى إبقاؤنا أذلاء إلى أن تنقسم بلادنا من غير سفك قطرة دم من الجسد الأوروبى المقدس».

ولم تكن مفارقةً أن رضا نفسه كما يتضح من كلماته السابقة على ثقة من أن مواجهة الأصولية، ليس للاحتلال، ولكن للتغيير والتحديث، محاولة انتحارية يائسة.

 

نفس التناقضات والمواقف الانقلابية يمكن أن نلتمسها فى موقف رضا من الخلافة العثمانية والباب العالى التركى، الذى كان له فى زمنه سيادة اسمية على غالبية دول العالم الإسلامى، والذى شهد الشيخ سقوطه، أى الباب العالى، وسقوط الخلافة عام 1924.

فالمعروف أن رشيد رضا كان أحد المهاجرين الشوام الكثيرين الذين بدأ تدفق هجرتهم لمصر منذ حكم الخديو إسماعيل، وتوسعت بعد الاحتلال البريطانى، لما تمتعت به مصر من حريات نسبية فى القول والنشر والكتابة وفرها الإنجليز، مما يعنى أن هجرة الشيخ أتت فرارًا من سياسة العثمانيين الاستبدادية والدموية، التى اشتهروا بها فى كل مستعمراتهم العربية والأوروبية، وقد أخفى قراره بالهجرة خوفًا من أن يطوله عسف السلطة العثمانية ومنعها، حتى تمكن من الهرب من بيروت على متن باخرة نمساوية فى صحبة صديقه فرح أنطون، ووصلا إلى الإسكندرية بداية يناير سنة 1898.

لكن، وعلى عكس كل ما يمكن أن يتوقعه المرء فى حال كهذا، توالت بعد وفاة محمد عبده دفاعات رضا العنترية عن الخلافة العثمانية، حتى وصل إلى اعتبارها أصلا من أصول الإسلام، ووصمَ من أجله الوطنيين من أنصار الاستقلال عن الباب العالى بتهم العمالة والتغريب والعداء للإسلام.

والأبعد من ذلك أن الشيخ فى مرحلته الثانية، بعدما أعلن العداء للاستعمار البريطانى فى مصر، أخذ يكيل المدح للفتوحات الإسلامية والاستعمار الإسلامى، ومنه الاستعمار التركى الذى فر بنفسه من ملاحقة قمعه واستبداده وظلمه.

 

أخيرًا، يستحيل تقريبًا أن يتوقف تعداد التناقض الأصولى فى حياة محمد رشيد رضا عند حد أو مرحلة من مراحل حياته، بدءًا من تأثره التكوينى فى مرحلة شبابه بتصوف أبو حامد الغزالى، وصولاً إلى هجمته التكفيرية الشرسة بعد ذلك ضد التصوف والمتصوفة، ولا فى موقفه الداعم حتى آخر حياته، باسم العدالة والحريات الإسلامية للحكم الوهابى القبلى، القمعى والدموى، فى الجزيرة العربية.

فالتناقض -كما سلف- ليس فى رشيد رضا، ولا فى كل الأصوليين عن بكرة أبيهم، إلا حتمًا مفروضًا، لأنه تناقض بنائى وشرح بطول عظم الأصولية نفسها.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.