نهر الدم المتديّن ما زال يغمرنا

أحمد الشوربجى



 نهر الدم المتديّن ما زال يغمرنا



وما زالت دماء المسلمين تسيل عبر جداول التاريخ وبين صفحاته، وعلى جنبات طرقاته جراحات وقتلى على مر السنين وطول القرون لا تريد أن تنتهى ولم يأذن لها أن تحقن منذ ذلك اليوم الذى خرج فيه مجموعة من الناس معترضين على بعض سياسات سيدنا عثمان بن عفان، رضى الله عنه، ولم يجدوا طريقة يحسمون بها هذا الخلاف سوى السيف، فقتلوه رضى الله عنه، ومن يومها ولعنة دمائه تطاردنا نحن المسلمين فى كل وقت وكل زمان وأوان ومكان وكأنها لم ترضَ بعد، من يومها وقد فتح هؤلاء القتلة على الأُمة باب الشر الأعظم على مصرعَيه فاقتتل أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الجمل، يوم أن خرج طلحة والزبير وعائشة، رضى الله عنهم أجمعين، يطالبون بالقصاص من قتلة عثمان، فنجا قتلة عثمان واقتتل المسلمون بيقادة الإمام علِى بن أبى طالب، رضى الله عنه، من جهة، وطلحة والزبير وعائشة من جهة أخرى، فجرح خلق كثير وتطايرت الأيدى والأرجل والأطراف، وقتل عشرة آلاف رجل منهم، وعلى رأسهم أفضلهم طلحة والزبير، رضى الله عنهما، حتى ضم الإمام علِى، رضى الله عنه، ولده الحسن إلى صدره وكأنه يضم الأُمّة اليتيمة المعذبة كلها من بعد هذه الأحداث إلى صدره، وقال «إنا لله يا حسن، أى خير يرجى بعد هذا، يا ليتنى مت قبل هذا بعشرين سنة».

 

ثم يأتى اللقاء الثانى بين أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فى موقعة «صفين» بين الإمام علِى ومعاوية بن أبى سفيان، رضى الله عنهما، ليُقتل فيها من أصحاب رسول الله وتابعيهم سبعون ألفًا، ثم يخرج الخوارج على الإمام علِى ويؤسّسون أول فرقة فى الإسلام، ويقاتلهم الإمام علِى ويقتل منهم الآلاف، ثم ينتقمون فيقررون اغتيال الإمام علِى، رضى الله عنه، فيقتلونه، وما زالت فرقهم تخرج على الحكام من بعده وتقاتلهم، هذا فضلاً عن قتال المسلمين بينهم وبين بعضهم بعضًا.

 

كل ذلك القتل والقتال كان بسبب ولأجل وحول الخلافة والحكم والخليفة ومَن يكون خليفة علينا، مَن يكون؟! بما يعنى أن  كل ذلك كان بناء على خلاف سياسى، فمن أجل السياسة وعلى السياسة تقتتل الأمة وتختلف وتفترق ولا تأتلف، لماذا؟ لأن  هذا الخلاف السياسى يحوله المختلفون إلى خلاف شرعى ودينى وعقدى، فتطلق أحكام الكفر والضلال والإيمان ويقع القتال والقتل، وهذا ليس كلامى أنا فقط، بل اقرأ كلام الشهرستانى (هو أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستانى، ولد سنة 1086م وتوفى سنة 1153م) فى كتابه «الملل والنحل» حين يقول: «ما سل سيف فى الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة فى كل زمان»، أدّى هذا المبدأ إلى قتال وفرقة الأمة، وكرست الفرق الإسلامية المختلفة طوال التاريخ كله لهذا المبدأ وكانت أولى الفرق فرقة الخوارج التى خرجت على الإمام علِى، رضى الله عنه، والتى انقسمت إلى عدة فرق كبرى، وكل فرقة انقسمت إلى فرق صغرى (لذلك فطبيعى جدًّا أن ترى أى جماعة من الجماعات الإسلامية الكبرى اليوم تنقسم إلى مجموعات أو تخرج منها طوائف متعددة).

 

أما الفرق الكبرى من الخوارج فكانت فرقة الأزراقة والنجدات البيهسية والعجاردة والثعالبة والإباضية، وكل هذه الفرق انتهت تنظيميًّا ولم يبقَ لها وجود وإن كان بعض الجماعات الإسلامية اليوم يتبنى بعض أفكارها، كما سنوضح ذلك فى حينه، ولكن الأصل أن هذه الفرق انتهت ولم يبقَ منها إلى اليوم سوى فرقة الإباضية، لذا فمن المهم أن نعرف مَن هم الإباضية؟ وأين يوجودن؟ وما أفكارهم التى بها يتّصفون؟ فالإباضية هم أتباع عبد الله بن إباض، وكان واحدًا من زعماء الخوارج الأُول، والذين يطلق عليهم أيضًا المحكمة الأولى، ولكنه تميّز بالاعتدال فى فكره مقارنة بأصحابه من المحكمة الأولى مع الشجاعة والبسالة والجرأة فى وجه السلطان مع صوب الفكرة وعمق المقالة، وإن كان لا يعد ممن أسس المذهب من الناحية الفقهية، ففقيه هذه الفرقة المؤسس لها هو جابر بن زيد، لكن لزعامة عبد الله بن إباض عرفت الفرقة باسمه، والإباضية لا يحبون هذا الاسم كثيرًا وإن كانوا يقبلونه، لكنهم لم يتّسموا به إنما سمّاهم به مَن خالفهم تمامًا مثل اسم الخوارج، فالخوارج سموا أنفسهم الشراة، أما غيرهم فسماهم الخوارج والإباضية، كذلك يسمون أنفسهم «أهل الحق»، ويغضبون جدًّا إذا نسبهم أحد إلى الخوارج، فهم يقولون نحن أهل الحق أو الإباضية مذهب فقهى مثل الأحناف والشافعية والمالكية، وقد ألّف أحد أتباعهم المعاصرين كتابًا بعنوان «أصدق المناهج فى تمييز الإباضية عن الخوارج»، ويقولون نحن مذهبنا هو مذهب ابن عباس وأبى هريرة وأبى سعيد الخدرى وعائشة وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص والخلفاء الراشدين، رضى الله عنهم أجمعين، ومن ثَمَّ فنحن لسنا خوارج، بل إنهم يرون أنهم وحدهم هم مَن حافظوا على تعاليم الإسلام الحقة وأنهم أول مَن دوّن الحديث، وهذا صحيح، وكان أول من جمعه إمامهم جابر بن زيد فى ديوان مفقود، لكن لديهم مسند الربيع بن حبيب، والحقيقة أنهم متقاربون مع أهل السُّنة جدًّا ومتباعدون عن فرق الخوارج كثيرًا، إذ يقولون ويعتقدون نفس عقائد أهل السنة تقريبًا، غير مسائل علّقت من فكر الخوارج أبرزها أنهم لا يحبون عثمان بن عفان، رضى الله عنه، ويقولون عنه إنه صاحب بدع، ولكنهم لا يلعنون علِى، رضى الله عنه، وإن كانوا يعتبرون إمامته باطلة بعد قبوله التحكيم، ولا يشترطون فى الإمام أن يكون قرشيًّا وأن الإمام إذا انحرف وجب خلعه، أى يؤمنون بوجوب الخروج على الحكام المنحرفين، وللإمام السلطتان الدينية والدنيوية، والإمامة بالوصية باطلة، ويجوز تعدُّد الأئمة فى أكثر من مكان، والحاكم العادل يغنى عن وجود الإمام حتى لو كان هذا الحاكم ملكًا (لاحظ معى الخلاف كله على السياسة والسياسات والساسة)، والإباضية لا يكفرون مَن خالفهم، ومرتكب الكبيرة فى نظرهم موحّد وليس مؤمنًا أو هو كافر كفر نعمة.

 

بقى أن نعلم أن الإباضية موجودون بيننا الآن فى العديد من الدول، بل ويحكمون أيضًا، فأين وما هذه الدول؟ نكمل ذلك غدًا إن شاء الله.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...