أحكام الفقهاء لا تصلح لكل زمان ومكان

عصام الزهيري



 أحكام الفقهاء لا تصلح لكل زمان ومكان



أظن أن كل ما نعانى منه من بضاعة فقهية وتراثية فاسدة تقدم للناس باعتبارها الدين والإسلام فى مصر والعالم الإسلامى مردها إلى تصور شمولى تأسيسى خاطئ للدين والفقه.

ولتتأكد من ذلك ضع نفسك أولا فى مكان أى فقيه مصرى فى أى مجال من مجالات العمل الفقهى، بدءا من إمام المسجد وخطيب الجمعة حتى منصب الإفتاء لمصر كلها، لترى أنك مثل كل متخصص فى أى ميدان: الطب، الهندسة، الحسابات، التجارة، أو أيا كان، فإن الشرط الأول الذى يتحقق به وجودك الوظيفى فى حيزك الاجتماعى هو أن تعطى الناس خبرة مفيدة حول ما يهمهم من ميدان تخصصك، أى أن المعرفة فى مجال التخصص هى البضاعة التى يعمل عليها المتخصص، لكن الفقه -بخلاف كل مجال تخصصى آخر- لا توجد له دائرة محددة يتخصص فيها من يمارسونه، بمعنى أن الفقه تأسس على قاعدة معرفية قديمة كانت سائدة من قبل وقت تأسيسه فى العصور القديمة، ولم يمارس عليها المتخصصون الفقهيون أى تجديد أو تطوير مواكب للتطور العلمى والمعرفى والعقلى الإنسانى.

والقاعدة التى أقصدها هى قاعدة العلم الكلى، فالفقه طبقا لتعريفه الأكاديمى المعتمد السائد حتى اليوم هو «العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من الأدلة التفصيلية»، والمقصود أدلة الكتاب والسنة طبعا، لكن التعريف كله يتسم بكل ما فيه بالإطلاق كما ترى، ولا يحدد لذاته مجال تخصص صريح، فالعلم مطلقا يمس كل شىء، والأحكام الشرعية أيضا مطلقة تخص كل شىء، وطبقا لكتاب «المهارة الأصولية» فإن: «الطريق الموصل إلى الفقه ظنى، ولكنه ينتهى حتما إلى نتائج قطعية وليست ظنية لأن الفقيه المجتهد إذا درس الأدلة التفصيلية –المقصود من الكتاب والسنة– حصل عنده ظن بالحكم الشرعى من دليله التفصيلى، وحصول هذا الظن يكفى لوجوب العمل به، فتكون النتيجة: هذا الحكم المظنون يجب العمل به، وكل ما وجب العمل به فهو حكم الله قطعا».

والتضارب الظاهر المؤسس والمجازفة الخارقة الكامنة فى تحول الظنى، أى البشرى والناقص والنسبى، إلى يقينى، أى إلهى نهائى مطلق، كما أتى فى الفقرة السابقة، كفيلان فى حد ذاتهما بتوضيح الأزمة الفقهية العميقة التى لا يجد فقهاؤنا الأفاضل طريقا لحلها اليوم، لكنه على أى حال كان الطريق الذى اتخذه الفقه منذ زمان تأسيسه القديم ليحقق المهمة المستحيلة، مهمة العلم الكلى الشامل الذى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وعلى كل فقيه فى هذه الحالة أن تكون لديه إجابة فى كل ما يسأل عنه، وليس هذا فقط، بل وأن تنتسب إجابته إلى الدين والإسلام، صحيح الدين والإسلام، بل وأن يكون حكمه الفقهى هو حكم الله قطعا.

 

والآن، بما أنك الفقيه المتخصص فتصور هذا الاحتمال المبسط للغاية، وهو أن امرأة ما طلبت منك الحصول على استشارة، تطلبها المرأة المصرية كثيرا من كل متخصص فى أى مجال، فى مسألة ما مثل أن زوجها رجل شحيح فهل عليها ذنب لو أخذت من ماله سرا؟ وهو نفس السؤال الذى تنقل كتب الأحاديث أن هند بنت عتبة قد وجهته للنبى صلى الله عليه وسلم.

فماذا تتصور أن يكون ردك -رد الفقيه- عليها؟ أظن أن الإجابة من وجهة نظرك –ومن وجهة نظر الفقيه نفسه– لن تتعدى أبدا أنه يجب أن يرد عليها بمثل ما رد النبى فى المروية الحديثية الواردة فى البخارى ومسلم وأبى داوود والنسائى وابن ماجه وأحمد وغيرهم، وهو أن قال لها: «خذى أنت وبنوك ما يكفيكم بالمعروف».

وبهذا يكون دورك أو دور الفقيه، وظيفتك ووظيفته، قد انتهى وانتهت وكفى الله المؤمنين شر القتال.

 

لكن -ومن منظور تجديدى- لا يمكن لفقيه حق، ولا لمسلم يخشى الله، أن يعمم ما روى فى مدونة الحديث على كل الحالات الأخرى ويكتفى به، أولا لأنه يكون قد أجاز السرقة فى حال الاحتياج عقلا، وثانيا لأنه قد يتسبب بكل بساطة فى فساد حياة السائلة، وربما طلاقها، فى حال أن يكتشف زوجها أمر سرقتها، ويكون قد جلب عليها وعلى أولادها شرا أكبر بكثير من حيث أراد دفع شر أصغر.

وثالثا لأن مدونة الحديث كذلك مليئة بما يناقض هذا الحديث، منه قول منسوب للنبى أيضا: «لا تنفق امرأة شيئا من بيت زوجها إلا بإذن زوجها.

قيل: يا رسول الله ولا الطعام؟ قال: ذاك أفضل أموالنا».

وذاك رواه أبو داوود والترمذى وابن ماجه وأحمد والبغوى وغيرهم.

رغم أن هناك أيضا فى مدونة الحديث –من جهة ثالثة– ما ينقض نقضه، بل ويجيز مع سرقة الزوج رشوة خازن ماله كذلك، وهو حديث ورد فى الصحاح الستة منسوب فيه للنبى قوله: «إذا أعطت المرأة من بيت زوجها بطيب نفس غير مفسدة، كان لها مثل أجره، لها ما نوت حسنا وللخازن مثل ذلك».

 

الآن، بعد أن وضعت نفسك مكان فقيهنا الذى يملك أدوات العلم المطلق، فأظن أنك وضعت نفسك فى مأزق كبير إذا كان المنوط بك أن تتحدث باسم العلم الفقهى الكلى وأن تنطق بحكم الله الذى يستوعب كل شىء، ويعرف كل شىء، ولا يغادر كبيرة ولا صغيرة دون أن يكون له حكم فيها، ويجد لكل حالة مهما كانت إجابة، فماذا يقول فقيهنا لو أحب أن يتكلم، وماذا يقول لو أحب أن يصمت؟!

 

الله ورسوله أعلم.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...