معركتنا القادمة

طارق أبو السعد



 معركتنا القادمة



من لم يتعلم من التاريخ فلا يلومن إلا نفسه، والتاريخ هو وقائع تمت فى الماضى وتسكن فى خبايا الذاكرة، وذاكرتنا للأسف الشديد تالفة بفعل فاعل؛ حتى لا نتعلم ولا نستفيد من تجاربنا، وللأسف الشديد هناك من يصر على أن تمتد ذاكرتنا إلى التاريخ القديم الموغل فى القدم والمشوش وغير المضبوط تاريخيا ولا وقائعيا ولا نستطيع أن نقترب منه إلا ونحن نعلن التقديس، ويقدم لنا هذا التاريخ على أنه هو كل تاريخنا، ولأن أستاذنا الكبير نجيب محفوظ كان يحذرنا من هذا المصير إذ قال قولته الخالدة «آفة حارتنا النسيان» وحتى لا ننسى تاريخنا وحتى نستفيد ونتعلم، أرجوك عزيزى القارئ ارتحل فقط معى إلى بدايات القرن الماضى؛ فأحداث هذا القرن فى بداياته ربما تتشابه كثيرا مع بدايات القرن الماضى، فقط لا أريد أن أنتقل بك إلى آلاف السنين، فقط مئة سنة واحدة، فى العام 1900 ميلادية، حيث كانت أحوال العرب كالتالى:

 

فى الجزيرة العربية كانت هناك بقايا دعوة وهابية التصقت مع حاكم سعودى وأقام بها دولة، ثم انهارت الدولة السعودية الأولى أمام ضربات الجيش التركى العثمانى، ردا على خروج الدولة السعودية عن الطاعة، وبمهارة فائقة قام محمد على وبقيادة ابنه الرائع إبراهيم باشا بإنهاء الوجود للدولة السعودية، بل وقتل زعماءهم وقتل أيضا كبراءهم، واصطحب معهم أمير الدولة السعودى، وظنا منه أن الأمر قد انتهى، مكث الحاكم السعودى فترة فى مصر، وأطلق سراحه، وبعضهم تم ترحيله إلى الأستانة ومات هناك، وانتهت الدولة السعودية.

 

لكن لماذا لم تنتهِ الدعوة الوهابية؟ فقد بقى دعاتهم يحملون أفكارهم كما هى، كما بقى زعماء الفكر التكفيرى والمتشدد يمرحون بحرية فى الجزيرة العربية، فلم يكلف أحد نفسه عبء التصدى لهذه الأفكار، لذلك بقى الداء الذى استفحل فى الجزيرة ومهد الأرض لصنع دولة تحمل فكرا مشوها منسدلا عن الفكر الكلاسيكى للمسلمين، لم تحمل الدعوة الوهابية فكرا متطورا بقدر ما كانت تحمل طموحات مراهقة تحلم بمجد ضائع، وتحلم بملك لم يتحقق مطلقا فى التاريخ للمسلمين، فلا دولة عدل أقيمت ولا دولة رفاهية تحققت؛ كلها أوهام روجها كل من أراد أن يكسب أنصارا له فى صراعات الوجود فى القرن التاسع عشر، وفى منتصفه كانت هناك بعض المحاولات القصيرة لم تكن موفقة ولم تنهض كفاية، إلا أن الدولة السعودية الثالثة التى بدأت من عبد العزيز فى العام 1902م استمرت، لا يشكك أحد من المؤرخين فى أن بدايات الدولة السعودية الثالثة لم تكن مبشرة بقوة إلى أن تكون بهذه القوة ولا بهذه الطموحات من الأساس، فقد ارتحل الأمير الشاب عبد العزيز من منفاه ومعه أربعون رجلا من رحالات الحروب الذين يتم التعاقد معهم من أجل بعض العمليات القتالية هنا أو هناك، وبدعم لا محدود من الكولونيل وليم شكسبير الراعى الرسمى للأمير عبد العزيز الذى كان والده ما زال موجودا ومقيما فى البصرة، تمكن فى ظل هذه الرعاية من أن يقيم دويلة صغيرة.

 

كانت كل طموحات عبد العزيز وأبيه ومعاونيه من المكتب البريطانى أن تكون إمارة تابعة لهم تؤمن مرور التجارة والأسلحة من وإلى الهند عبر الممر الثانى وهو الخليج العربى، وتم تكوين جيش الإخوان «الذى نصحه وليم شكسبير بتكوينه» والذى قوامه أفراد وقبائل تؤمن بالفكر الوهابى المتشدد الذى يميل إلى التكفير والذى يحمل السلاح من أجل مكاسب مادية لكن بخلفية إسلامية!! كانت هذه الخلفية الإسلامية تحرك هذا الجيش قيادة وأتباعًا بقوة فى أثناء المعارك وكانوا أفضل بكثير من هؤلاء المرتزقة الذين يتحركون لأغراض دنيوية بدون خلفية إسلامية، فهم من الممكن فى أى لحظة أن ينفروا من حول القائد، وفى هذه الظروف لا يمكن أن يكون هناك أفضل من البعد الإسلامى «الحرب مع الكفار» كشكل تسطيحى للمهمة سهل الفهم سهل التطبيق بدون وخذة ضمير واحدة فى أنهم ربما يقتلون مسلمين لا يحق لهم قتلهم، هنا اختار عبد العزيز بإشارة من وليم شكسبير غطاء دينيا لحركته جعله يمد أتباعه بالمال والسلاح ليحقق ما يريد تحت ستار الدعوة الوهابية، هنا كانت مهمة الدعاة «علماء الوهابية – السلفيين» حيث كان يتلقى فيه التربويون من جيش الإخوان -رجال آل سعود- أفكارا لا هَمّ لها إلا إثبات كُفر من يريدون حربه!! فكان أنصار هؤلاء من الإخوان بعد تلقى هذه التربية يخرجون حاملين أسلحتهم تحت دافع الدين والرغبة فى الدخول إلى الجنة ويندفعون فى المعارك وهم يقتلون المسلمين ظنا منهم أن هذا انتصار للإسلام وانتصار لله ورسوله والإسلام والرسول والله أبرياء من سفك دم امرئ مسلم حرام، وعلى الرغم من أن القصة صراع سياسى أو اقتصادى على بعض المراعى وبعض الإبل كما سيأتى بعد ذلك.

 

إلا أنه من جانب آخر يتفق المؤرخون أيضا أن من أسباب قوة آل سعود فى مواجهة الشريف غالب حاكم الحجاز آنذاك اعتناق قلة من القبائل الحجازية المسبق للوهابية، فأتاح لآل سعود فرصة الهجوم والتمدد والتوسع.

 

وكانت مبادئ الدعوة السلفية قد تسرّبت إلى الحجاز واعتنقها بعض الأعراب، ولذا خشى الشريف غالب أن تصبح خطرا يهدد بلاده، وكان عبد المحسن السرداح حاكما على الأحساء آنذاك.. ومن جهة أخرى أخذ الشريف غالب بشن حملاته العسكرية الفاشلة فى مجملها على القبائل التى دخلت سلك الدعوة الوهابية، فلم يستطع أن يمنع انتقاص ملكه الذى بدأ يخرج عن طاعته من بين يديه.. مرة أخرى عندما أراد شريف مكة وأمير دولة الأدارسة مقاومة عبد العزيز لم يتمكنا بسبب أن شعبه (شعبه) أصبح يؤمن بالفكر السلفى الوهابى.

 

هنا المشكلة، وهنا يجب أن ندق ناقوس الخطر ألف مرة.. هذه أيها الناس هى معركتنا القادمة والمعركة القادمة ليست سهلة ولكنها ليست مستحيلة، هى شاقة بقدر تخلى الفقهاء ومجددى الدين عن القيام بواجباتهم والاستسلام للفكر الوهابى والمتشدد عندما سقطت دولة الوهابيين لم تسقط دعوتهم لأنهم وبكل بساطة وبدون فذلكة اكتفوا بسقوط الدولة وأبقوا الأفكار كما هى، أو مواجهة الأفكار بكثير من السطحية والاكتفاء بالقول إن هذه أفكار ضارة وخطرة، ولم يقل أى أحد لماذا هى خطر ولماذا هى غير صالحة وأين يكمن السم فى العسل فى كل فكر الدعوة الوهابية.

 

هذه المعركة التى غفل عنها مفكرو العرب والمسلمين فى مطلع القرن العشرين وأواخر القرن التاسع عشر فبقيت الدعوة وبقيت أفكارها، ومتى توفرت الظروف تمكنت مرة أخرى بعد انتشارها بين قطاعات كثيرة، مع زعم كل دعاتهم بأن ما قام به الباشا التركى مع محمد على باشا بالحرب عليهم إنما هو حقد على الشريعة الإسلامية فهم متغربون جدا، أما هم «أى السلفيون الوهابيون» يحبون الله ورسوله، ولذلك سيعملون على أن يعيدوا دولة الإسلام على المحجة البيضاء التى تركها الرسول الكريم لنا، فتركوهم ينشرون فكرتهم، وتركوهم يتملقون المجتمع أمام أعينهم، وكان ضمير الحكومات العربية يقول «طالما لم تتمكنوا من حمل السلاح على الدولة فلا ضير منكم»، هذا هو البلاء بعينه؛ فهذه الأفكار هى عين البلاء وأصل الداء، وإن لم ننتبه إليها ونقيم خط دفاع قوى وقوى جدا، ويتفق المجتمع على خطورة استعادة هذه الأفكار مرة أخرى فى ثنايا أى فكرة إسلامية قادمة، فإننا متعرضون ولا شك إلى حروب قادمة سينهمك فيها الجميع وسيراق الكثير من الدماء وستنهى كثير من الدول والحدود، من هنا أدق ناقوس الخطر، من هنا أصرخ محذرا، الخطورة ليست فى دولة تقيمها فكرة، الخطورة فى طبيعة هذه الفكرة، ما زلنا لا نرغب فى مناقشة هذه الفكرة بجدية، فقط نرغب فى الدخول فى وصلة ردح للإخوان المسلمين وللتيار الإسلامى، ومن بعيد لبعيد.



أقرأ أيضا

البلد

الشخصيات المثيرة للجدل.. أراجوزات و"بتوع تلات ورقات" أم مهذبون ساخرون مثيرون للضحك؟

كثر في الآونة الأخيرة إطلاق لفظ "شخصية مثيرة للجدل" على شخصيات تتصدر المشهد السياسي والاجتماعي وتحدث صخبًا وضجيجًا وربما نفورًا واشمئزازًا..
البلد

هل ثمة توافق أميركي- إيراني يلوح في الأفق؟

على سيرة الحديث عن إمكان عقد لقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الإيراني، وضع كثيرون أيديهم على قلوبهم خشية تفاهمات قادمة، يخرج الخليج -والسعودية تحديدا- منها خالي الوفاض، "إيد ورا، وإيد قدام" على رأي المصريين.
البلد

موعد نهاية الرئيس أردوغان

خاصم الرئيس التركي أكثر مما صاحب، لا في صعوده السياسي، ولا في استحواذه على مؤسسات الدولة، ولا في علاقاته مع الدول الاستراتيجية في المنطقة، وجاء يوم يشهد فيه بدء تفرق الناس من حوله، وتراجع اقتصاد بلاده، ولا يد عربية أو أوروبية ممدودة للمساعدة.
البلد

المخدرات الحديثة «فيروسات العصر».. كيف تعرف الأسرة أن ابنها مدمن؟ وماذا تفعل بعد ذلك؟

خطر جديد يجتاح العالم بأسره ويتسلل متخفيًا إلى عقول الشباب وأجسادهم ويشكل وباءً جديدًا دون أن ينتبه إليه الناس.. تلك هي المخدرات الحديثة والتي تم استنساخها من المخدرات التقليدية وتصنيعها في مصانع ومعامل غير مرخصة لتتكاثر وتتوالد بعضها مع بعض بشكل سرطاني.
تأملات

نهاية الأسرة.. هل يوجد حل سحري يردع تسلط الآباء ويمنع تمرد الأبناء؟

في ظل التحولات الجنسية (الجندرية) التي تتسارع في هذا العالم سعياً لصناعة أنماط جديدة من (الأسرة)، تتكاثر الانتقادات التي تبلغ مبلغ الشتيمة أحياناً، للمجتمع الأبوي، باعتباره نمطاً أسرياً ماضوياً ينبغي دفنه وتجاوزه بلا رجعه.
البلد

د.بكري عساس يكتب: مصر تتحدث عن نفسها

من لندن إلى القاهرة في زيارة مع الأهل خلال إجازة عيد الأضحى المبارك، لمدة أربعة أيام؛ حيث تم ترتيب برنامج الزيارة بأن يكون اليوم الأول مخصصًا لزيارة متحف مقياس مستوى مياه النيل خلال موسم الفيضان السنوي في حي المنيل بالقاهرة
البلد

«الإخوان».. من سرقة الدين إلى سرقة أموال الهبات والصدقات

ما كشفه عضو مجلس شورى جماعة "الإخوان المسلمين" أمير بسام، مِن وجود اختلاسات وسرقات من أعلى قيادة في التنظيم الدولي للجماعة ومقره لندن، يدل على أزمة تنفي فكرة النقاء والطهارة التي تدعيها.