السيدة المعلقة على جدار قلبى

إبراهيم عيسى



السيدة المعلقة على جدار قلبى



سألنى دكلان والش، مدير مكتب «نيويورك تايمز» فى القاهرة، مشيرًا ناحية صورة السيدة الجميلة المعلقة على جدار مكتبى: مَن هذه السيدة؟

ابتسمت مندهشًا من أنه وهو المقيم فى مصر منذ فترة لا يعرفها، وقُلت إنها فاتن حمامة.
أسهمت المترجمة الماهرة فى تعريف فاتن حمامة للصحفى الأمريكى الذى أبدى إعجابه الشديد بالصورة، فتدخَّلت وحاولت أن أشرح له مَن هى بالضبط بالنسبة إلىَّ، بالنسبة إلينا، فقُلت بإنجليزية تثير ضحك ابنَىَّ يحيى وفاطمة كلما نطقت بها: she is our Audrey Hepburn.


بدا أنه استوعب تمامًا ما أردت أن أفسِّره للرجل.
بعد انصرافه وقفت أمام الصورة المعلَّقة تحمل كل روعة وسحر وفتنة فاتن حمامة بالأبيض والأسود، وتذكَّرت هذا اليوم الذى دعتنى فيه السيدة الجليلة حرم الكاتب العظيم أحمد بهاء الدين، لحضور صالون تجمع فيه صديقاتها من سيدات مصر الفاضلات لمناقشة أحوال البلد مع أحد شخصيات السياسة والفكر فى المجتمع وكان شرف دعوتى واحدًا منهم لغداء مبكر فى هذا الصالون كضيف وحيد ورئيسى.

 

يومها طرقت الباب فانفتح فإذا بها فاتن حمامة تقف تحاور صديقة لها، بينما هانم المنزل تستقبلنى.
غمرنى هذا الإحساس الهائل بالهول، نعم كأنما منحنى هذا المشهد لحظة أثبتها فى تاريخى، تقدَّمت ناحية السيدة فاتن حمامة التى لم تبدُ مهتمة كثيرًا (هى الوحيدة التى لم توجّه إلىَّ أى سؤال فى الندوة على كثرة ما سُئلت، بل وناقشتنى السيدة النبيلة العظيمة جيهان السادات بكرم شديد فى أفكار وتحليلات قلتها).

 

اقتربت من السيدة فاتن حمامة أكثر وقُلت لها مصافحًا (أنا بحبك قوى)، اندهشت جدًّا (هل إعلان حب معجب لفاتن حمامة يمكن أن يدهشها بعد كل هذا العمر)، لعلِّى قلتها بشكل رومانتيكى فاضح أو طفولى يشبه حب طفل فيلم «الطريق المسدود» لها، لكنها تأثرت ولعلها -يا للمفاجأة- فرحت، وقالت لى الجملة الوحيدة التى خصَّتنى بها فاتن حمامة على مدى عمرى، وهى:
 

- «بجد أنت بتحبنى».
 

يا نهار أسود وإن لم يكن حب فاتن حمامة بجد فما الذى يمكن أن يكون جادًّا غيره؟ ما الذى يستأهل الجدية أكثر من الولع بهذه السيدة؟ أنا من حزبها العاشق المتحزّب، تقريبًا كل أصدقائى ورفاق عمرى أعضاء ونشطاء وقياديون كبار فى حزب سعاد حسنى، لا أكاد أتذكَّر أحدًا انضم إلى حزب فاتن حمامة معى من الكلية وحتى الآن.
 

دائمًا تخرج عليك الحكمة التليدة بتاعة أن سعاد حسنى تحس أنها بنت جيرانك أو بنت عمّك أو زميلتك فى الكلية، لهذا يحبونها، وأنا لا أعرف ولماذا أصلاً تحب ممثلة كبنت عمّك؟! يبقى عملت إيه أصلاً؟! عندما تحب نجمة فلتحب نجمة، تحب حلمًا، وهى فاتن حمامة.
 

جلست فى الصالون أتحدَّث وسط حفاوة سيدات مصريات كريمات فُضليات أخجلتنى، ومحبة فاضت حدود قلبى، رغم أن همومًا كثيرة كانت تتدافع فى الحياة العامة وقتها جعلت المناخ فى مصر كلها مشحونًا بالعواطف المفرطة، لكن وحدها فاتن حمامة كانت أمامى.
 

تجلس فى عادية استثنائية، سيدة وصلت عمرًا لم تعد مهتمة فيه بإثبات أى شىء، ووصلت إلى عمر لم تعد فيه أى مفاجآت قادرة على أن تفاجئها، تمنح العالم بعضًا من اهتمامها ولا تطلب من العالم أن يرهقها باهتمامه.
 

فى وسط حمى وغَىِّ السياسة التى كنت أتحدَّث بها، كنت أتأملها أمامى هناك فى مكان يسمح لى بمتابعة حركاتها القليلة الرقيقة، وضجرها الأنيق وأنا أحذف كل سنين العمر من على وجهها وأعيدها أمام عينى إلى زمن تلك الصورة التى أعلقها فى مكتبى، زمن أوائل الستينيات حيث أدوارها فى «لا وقت للحب» و«لن أعترف» و«نهر الحب»، و«لا تطفئ الشمس»، و«شىء فى حياتى»، هى المرحلة التى تنتقل فيها فاتن حمامة من حقبة أفلام الخمسينيات الشابة الألقة.
 

ورغم وجود «دعاء الكروان» فى نهاية هذه الحقبة و«الزوجة العذراء» و«الطريق المسدود»، فإن الستينيات حيث نضج كل خلجة فى هذه السيدة حتى نظرة عينَيها، ثم أذهب بالوجه نفسه إلى حقبة «الخيط الرفيع» و«حبيبتى» و«لا عزاء للسيدات» و«أفواه وأرانب»، لماذا لا أحب فيلمها «يوم مر ويوم حلو» ولا فيلمها «أرض الأحلام»؟
 

حين استأذنت فى الانصراف يومها صافحت السيدة فاتن حمامة دون أن أتمكَّن من نطق كلمة حتى سؤالها عن رأيها فى الندوة ولم تتبرَّع أو تتطوَّع هى بكلمة أيضًا إلا ابتسامة فى منتهى الرقّة لا تعرف هل هى تَشَرَّفنا يا أستاذ أو استفدت من ندوتك أو أنها ابتسامة السيدة المجاملة المهذَّبة لرجل أعلن عليها من ساعتَين حبَّه.
 

أندهش كثيرًا جدًّا من أننى كلما اعترفت أو ضبطنى أحد صارخًا بحبِّى لفاتن حمامة فإذا بأحدهم أو إحداهن ممن تعرفوا عليها من الوسط الصحفى أو السينمائى يقرر أن يتحفنى بحكايات سخيفة عنها كى يلبِّى ربما حاجته إلى العدوان أو الرذالة، فيقول كاتب متخصص فى السير الشخصية لى عن خناقاتها أو شجاراتها وهو يتفنَّن فى شرح أدائها، ثم مستعجبًا جدًّا أننى لا أعير ما قال وصفًا إلا: (الله دى جميلة قوى)، يندهش، فالمفروض أن ينخدش إعجابى، فإذا بى مجرد أهبل يستهبل بمزيد من وَلهه بها، أو تقول لى سيدة من الهوانم العزيزات إلى قلبى ذات صلة بمجتمع القاهرة الستينياتى إن فاتن حمامة ليست كما أعتقد.
 

سألت نفسى: وماذا أعتقد أصلاً فى فاتن حمامة؟
ما الذى يهمّنى أساسًا غير ما أنا مهتم به؟ فاتن حمامة ساحرتى الأسطورية على الشاشة، طبطبة روحى وشغف قلبى وفتاة أحلامى.

 

سيحب البعض أن يقارنها بسعاد حسنى مثلاً وربما يتجنَّن ويقارنها بسناء جميل مثلاً، أى حاجة الغرض منها أن تكون فاتن حمامة محلّا ما للانتقاص من جبروت هيمنتها والادعاء أنها ممثلة الطبقة المتوسطة أو أنها نمطية الدور الرومانسى أو اللون الواحد فى الأداء.
 

وهذا كله محض هراء نقدى فخيم فعلاً لكنه هراء، فهى ممثلة جامدة جدًّا وأجمد من أى مقارنة، فكل الأدوار التى لعبتها هى مساحة هائلة من التنوُّع ولا يمكن الزعم للحظة أنها نمطية، بل إن فيلم «الحرام» وحتى «أغنية الموت» وانتهاءً بـ«أفواه وأرانب» و«يوم مر ويوم حلو» لا يمكن أن يكون نمطيًّا.
 

بالمناسبة يمكن أن أقدّم لك عرضًا دقيقًا بالفيلم والمشاهد يؤكد أنها الوحيدة بين نجمات السينما التى نوَّعت أنماطها، بل الأكثر تنوعًا حتى بمقارنتها بسعاد حسنى شخصيًّا (أرجو أن لا تكون فهمتنى خطأ وتصورت أننى لا أحب سعاد حسنى فهى ممثلة عظيمة لكن معلهش فاتن حمامة أعظم).
شوف من الآخر هات أى ممثلة مصرية من قديم أو جديد واجعلها تنادى زكى رستم بكلمة «يا طاهر» وورينى هىَّ ولا فاتن حمامة وهى تلقى هذه الكلمة.

 

مجرد اسم، مجرد لفظ، ولكنَّ أداءه عنوان روعة فاتن حمامة.
الغريب أننى أعمل فى الصحافة منذ واحد وثلاثين عامًا ولم أفكر فى أى يوم أن أرفع سماعة التليفون وأطلب السيدة فاتن لأجرى معها حوارًا صحفيًّا مع كثرة مَن التقيت بهم وحاورتهم وبعضهم صاروا من أعز أصدقائى.

 

ما سر أننى انتظرت حتى عام تقريبًا قبل وفاة العظيمة كى ألتقيها صدفة وأتبادل معها جملتَين وابتسامة؟!
 

الآن أفهم ما لم أقُله لنفسى كل هذا الوقت.. إننى لم أرد من فاتن حمامة إلا فاتنة عمرى السينمائية.
 



أقرأ أيضا

البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...
البلد

أنصتوا إلى الشعب اللبناني

في عام 2012، كتبت مقالاً عن لبنان ما زال ينم عن الواقع حتى الآن، وأنهيت مقالي باقتباس واحدة من أفضل المقالات التي كتبها «جبران خليل جبران»، بعنوان «أنت لديك لبنان الخاص بك، وأنا لدي لبنان الخاص بي»...
البلد

ترامب.. استراتيجية الانتصار!

في الوقت الذي يواصل فيه الديمقراطيون التصعيد ضد ترامب، في قضية أوكرانيا، على أمل أن ينجحوا بعزله، وهي المهمة المستحيلة، التي يعملون عليها، منذ أن فاجأ ترامب أميركا والعالم، بفوزه غير المتوقع بالرئاسة، يجوب ترامب القارّة الأميركية متحدّيا.
البلد

الأكراد.. تاريخ من الدم وحاضر من الفشل

عندما بدأت تركيا في التاسع من أكتوبر الماضي غزوًا وعدوانًا واحتلالًا عسكريًّا على مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطي (قسد) في شمال شرقي سوريا، ادَّعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن الهدف من هجومه هو تدمير "ممر الإرهاب" على الحدود الجنوبية لتركيا، غير أن كل الدلائل السياسية، التي سبقت العدوان العسكري التركي ضد قوات سوريا الديمقراطية، كانت تشير إلى هذه النهاية المأساوية لهذه القوات...
البلد

الجوكر وباتمان.. فن صناعة الشر

آرثر فليك، نموذج للمواطن الأمريكي الفقير المهمش الذي يحاول أن يجد له موضع قدم ولقمة عيش وسط مجتمع رأسمالي ساحق للفقراء بالعمل كمهرج أجير في النهار؛ أملًا منه في أن يكون فنان "ستاند أب كوميدي" في المساء.