ليس من مهام الكنيسة أو المسجد تقديم الخدمات للناس

شعبان ناجى



ليس من مهام الكنيسة أو المسجد تقديم الخدمات للناس



إنها لظاهرة شائعة تلك التى استشرت فى مجتمعنا منذ فترة؛ لتتحول سريعًا إلى نظرية مسلم بها من قبل الناس ومن قبل الحكومات أيضًا، وهى قيام دور العبادة المتمثلة فى المسجد والكنيسة فى القيام - وبصورة عنترية مكذوبة- بأعباء المجتمع ومشكلات الناس المتمثلة فى تزويج الشباب الذين يعانون الفاقة من البنات العانسات أو من السيدات المترملات أو المطلقات مع توفير شقق لهم هى أقرب لمسمى «خص» من مسمى شقة، وكذلك القيام بإصلاح المرافق العامة كالمياه والكهرباء وبالوعات المجارى، أو فض الاشتباك بين المتخاصمين وما دون ذلك؛ لتجلس مؤسسات الدولة «جنب السور» مع الملايين من الشباب العاطلين.

 

والسؤال الذى يطرح نفسه الآن: هل من مهام المسجد أو الكنيسة القيام بمثل هذه المهام؟.. الراهب «متّى المسكين» كبير رهبان وادى النطرون فى حقبة الثمانينيات أجاب ببساطة وبصراحة عن هذا السؤال عندما أكد أن الكنيسة لها مهمة واضحة يجب ألا تتجاوزها وهذه المهمة هى تخليص النفوس بالبشارة المفرحة وكلمات الرب، مشيرًا إلى أن مهمة الكنيسة ألا تخدم المجتمع، بل تخدم الإيمان وتخدم المسيح فى أشخاص الخطاة والعرايا والأذلاء والمشردين، وكلما خرجت الكنيسة عن اختصاصاتها وبدأت تنزع إلى السلطان الزمنى وتجيش العواطف باسم الصليب، وزاغت وراء أموال الأغنياء وارتمت فى أحضان أصحاب النفوذ، وحاولت الجمع بين السلطان الدينى والسلطان الزمنى فقد فشلت المسيحية هنا فى تأدية رسالتها ولابد ساعتها أن يدب فيها الوهن والنزاع، ومن ثم يقفل فى وجهها ملكوت السماء.

 

وهو الأمر الذى ينطبق على المسجد الذى قام بإنشاء جمعيات إسلامية تتلقى التبرعات من أماكن ودول مشبوهة ليقدم خدماته - المتمثلة فى الفتات- للجماهير الفقيرة حتى يسيطر على عقولهم البسيطة، وليقول لهم فى عنجهية: انظروا نحن أفضل من الحكومة ونحرص على مصالحكم أكثر من الدولة نفسها، وهنا يسقط الغلابة.. فهى بضاعة والناس بالقطع «جوّاعة».

 

إن «متّى المسكين» وهو يسعى إلى إنقاذ المسيح المتمثل فى إنقاذ الكنيسة يرى فى الدور الذى تؤديه الكنيسة تحت مسمى الخدمة الاجتماعية وغيرها خروجًا عن دور الكنيسة.. لماذا؟ لأن الخدمة الاجتماعية إذ تشمل رعاية الشياب وتثقيف العمال والفلاحين، وفحص أحوالهم ومطالبهم وإقامة النوادى والملاجئ والمستشفيات تدخل هنا فى اختصاصات نظام الحكم، وفى هذه الحالة يصبح الصدام بينها وبين الدولة حتميًّا.. لِمَ؟؟ لأنها تفتقد المخطط المتوافق مع مخطط الدولة إزاء هذه الخدمات، وهو كما نرى الصدام نفسه الواقع بين الدولة والعناصر المتأسلمة التى فرختها المساجد لتعيث فى الأرض إفسادًا.

 

لكن ثمة سؤالًا آخر يصرخ بقوة «أين تقع الحدود بين سلطان دور العبادة وسلطان الدولة؟».. نقول بالنسبة للكنيسة: إذا عجزت عن ضبط الإيمان بالإقناع والمحبة، وهرعت إلى الملوك والحكام؛ لتستصدر منشورًا بالإيمان تكون قد سقطت سقطة لا قيام لها منها؛ لأن الإيمان لا يحميه السيف ولا القانون، وإنما تحميه البشارة المفرحة وكلمات الرب كما بيّن لنا أبونا متّى المسكين، وأما بالنسبة للمسجد فالأمر متطابق أيضًا فلابد للمسجد من الابتعاد عن السياسة وألا يحشر المتفذلكون القائمون عليه «مناخيرهم» الطويلة فى اختصاصات الدولة.

 

وإذا ما أردنا الرجوع إلى التاريخ لأخذ العبرة فالأمثلة لا حصر لها.. فمثلا عندما احتمت الكنيسة فى سيف قسطنطين الملك فى القرن الرابع؛ ليتولى حماية الإيمان بالسيف ماذا حدث؟ قاد قسطنطين حربًا صليبية شعواء رافعًا راية الصليب على سارى العداوة جاعلًا شعار الحياة هو نفسه شعار الموت، ربما لم يكن من العار أن يحارب أعداءه، ولكن العار كل العار أن يحاربهم باسم الصليب، تمامًا مثلما قتل المسلمون - وباسم الدين أيضًا - بعضهم البعض فى عصور الخلافة الأموية والعباسية وهم يرفعون المصاحف على أسنة السيوف، وهو المشهد نفسه الذى شاهدناه قريبًا من قبل فئة رجعية عجزت عن القيام بأعباء الدين فراحت تبحث عن منافذ أخرى بعيدة تمامًا عن الدين، فما كان منها إلا أن دخلت وأدخلتنا معها فى متاهات لا سبيل إلى الخروج منها حتى الآن.



أقرأ أيضا

البلد

أزمة ليبيا بين فشل موسكو وآمال برلين

في الطريق إلى مؤتمر برلين حول الأزمة الليبية الذي يبدأ أعماله اليوم، كان العبور بمحطة محادثات موسكو التي انتهت بالفشل حدثاً مهماً أزاح الكثير من الغموض عن مواقف الأطراف التي شاركت في المحادثات...
البلد

فرق تسُد.. كيف مزق العثمانيون بلاد العرب؟

قبل الغزو العثماني، كانت السلطنة المملوكية تشمل أقاليم مصر والشام والحجاز وجنوب الأناضول، مع وجود حاميات أو أنظمة موالية للقاهرة في النوبة واليمن وقبرص والمناطق الحدودية بين الأناضول والعراق والشام.
يرحمكم الله

محاولة للفهم.. الطورانية + الإسلام السياسي + الغاز = رجب أردوغان

​​​​​​​ليس الهدف من هذا المقال النيل أو التجريح في الشعب التركي، فهو شعب شقيق، نرتبط معه بعلاقات تاريخية وشعبية، ولكن نكتب عن الأسباب التي تدفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى التدخل في الشأن العربي..