معركة طه حسين مع الأزهر

د.محمد فياض



معركة طه حسين مع الأزهر



اقرأ يا أعمى.. لم ينسَ طه حسين أبدا هذه المقولة التى ساعدت الفتى الكفيف منذ وقت مبكر فى فهم كيف يفكر العديد من مشايخ الأزهر، وأسرّها طه فى نفسه ولم يُبدها لهم.

 

وقرأ الأعمى وسافر وحصد أعلى الدرجات العلمية وأصبح عميد الأدب العربى، وكتب عشرات الكتب وآلاف المقالات وصدر له ضمن ما صدر كتاب «فى الشعر الجاهلى» فى شهر مارس من عام 1926، بعد أن ألقى طه حسين مادته على طلبة قسم اللغة العربية فى الجامعة المصرية «جامعة القاهرة حاليا» ولاقى صدور هذا الكتاب انتقادات وردود صاخبة فى الصحف والمجلات بالسخط والاستنكار وطالبت هذه الصحف والمجلات محاكمة مؤلفه وإدانته.

 

وكالعادة تطوعت إحدى العمائم التى تصدر نفسها قائمة بشؤون الحسبة على المجتمع، فتقدم أحد طلاب القسم العالى بالأزهر، وهو خليل حسنين، ببلاغ إلى النائب العام فى مصر، متهما طه حسين بأن كتابه يحمل طعنا صريحا فى القرآن الكريم، حيث ينسب الخرافة والكذب لهذا الكتاب السماوى الكريم، وشجع هذا شيخ الجامع الأزهر فى إرسال خطاب إلى النائب العام يبلغه فى تقرير رفعه علماء الجامع الأزهر عن الكتاب الذى «أهاج ثائرة المتدينين، وأتى فيه بما يخل بالنظم العامة ويدعو الناس للفوضى» وكان طلب شيخ الجامع الأزهر من النائب العام اتخاذ ما يلزم من وسائل قانونية فعالة ضد المؤلف وتقديمه للمحاكمة.

 

وتحالفت العديد من القوى ضد صفحات الكتاب اليسيرة حيث تقدم عبد الحميد البنان، عضو مجلس النواب المصرى ببلاغ اتهم فيه طه حسين بكل التهم التكفيرية، بل ووصل الأمر إلى مناقشة الكتاب فى مجلس النواب وأدلى وزير المعارف المصرى آنذاك بدلوه حيث قال إن الجامعة منعت انتشار الكتاب، واستحوذت على نسخه، ومنعت طبع نسخ جديدة، بل وتم التحقيق مع طه حسين مدة ستة أشهر، وجاء قرار وكيل النيابة فى غير صالح المؤلف، وطالت المحنة وعمت الانتقادات حتى شملت العديد من أنحاء العالم العربى.

 

هذا وقد كانت إشكالية الكتاب فى وجهة نظر هؤلاء المعارضين أن طه حسين يشكك فى الشعر الجاهلى، ويلح فى الشك، حتى يصل إلى أن ما نسميه شعرا جاهليا ليس من الجاهلية فى شىء وإنما يرى طه حسين أن هذا الشعر منتحل بعد ظهور الإسلام، ويبرر ذلك أن هذه الحياة هى أقرب إلى حياة المسلمين وميولهم وأهوائهم، ويقول طه حسين إن الباقى من الشعر الجاهلى الصحيح قليل جدا لا يمثل شيئا ولا يدل على شىء فضلا عن اعتماده على آراء المستشرقين.

 

استمرت قضية الكتاب مدة طويلة لتكشف لنا عن إشكالية أضخم، وهى ما ذهب إليه طه حسين بعد ذلك من ضرورة مقاومة الاتجاه السلفى المحافظ الذى يثقل الأزهر بالقديم ويحمله على التخلف، بل ونادى طه حسين بضرورة إصلاح الأزهر وأنه كغيره من مرافق الدولة المصرية مضطر أن يخضع لضرورات الحياة الحديثة، والأزهريون كغيرهم من المصريين مضطرون معه إلى أن يخضعوا لضرورات هذه الحياة متجها فى ذلك نفس الاتجاه الإصلاحى الذى سلكه الإمام محمد عبده والذى يطمح أن يكون للأزهريين كغيرهم من المصريين الحق فى الكرامة والاحترام وفى الثقافة والعلم، كما يطمع أن يكون لهم نصيب من العلم الحديث ومن اللغات الأجنبية، وأن يغير التعليم فى الأزهر وتمحى الفروق بين الطلبة الأزهريين والطلاب فى مدارس مصر المختلفة.

 

كما نادى طه حسين أن يكون هذا التجديد من خلال بعض الأمور، أهمها أن يبتعد الأزهر عن السياسة وأن يتفرغ للدين، ذلك لأن السياسة لم تدخل فى أمر من أمور الدين إلا أثارت فيه الخلاف والشقاق وعدم اليقين، ولأن السياسة تجعل من الاتجاه السلفى المحافظ فى الأزهر «دولة داخل الدولة»، ظهر ذلك جليا من اتخاذ مشيخة الأزهر لنفسها الرياسة الدينية وهو أمر مبتدع فى الإسلام، فإذا كان الإسلام دين التطور والرقى والطموح إلى المثل الأعلى، فإن تجديد الأزهر واجب علينا لكى يلائم فى فكره بين حياة الشعب وتطلعاته ومجاراته للحداثة، بما يتناسب مع مستقبله وما له من ماضٍ زاهر.

 

وبعد أن كشفت هذه القضية عورات العديد من المشايخ والمفكرين، ودارت القضية فى أروقة المحاكم انتهت بصدور حكم المستشار العبقرى محمد نور قائلا: «ومما تقدم يتضح أن غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن والتعدى على الدين بل إن العبارات الماسة بالدين التى أوردها فى بعض المواضع من كتابه إنما قد أوردها فى سبيل البحث العلمى مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها، وحيث إنه من ذلك يكون القصد الجنائى غير متوفر، فلذلك تحفظ الأوراق إداريا».

 

وبقى طه حسين وحُفظت القضية إداريا.. ولا تزال قضية إصلاح الأزهر محفوظة هى الأخرى.



أقرأ أيضا

البلد

أزمة ليبيا بين فشل موسكو وآمال برلين

في الطريق إلى مؤتمر برلين حول الأزمة الليبية الذي يبدأ أعماله اليوم، كان العبور بمحطة محادثات موسكو التي انتهت بالفشل حدثاً مهماً أزاح الكثير من الغموض عن مواقف الأطراف التي شاركت في المحادثات...
البلد

فرق تسُد.. كيف مزق العثمانيون بلاد العرب؟

قبل الغزو العثماني، كانت السلطنة المملوكية تشمل أقاليم مصر والشام والحجاز وجنوب الأناضول، مع وجود حاميات أو أنظمة موالية للقاهرة في النوبة واليمن وقبرص والمناطق الحدودية بين الأناضول والعراق والشام.
يرحمكم الله

محاولة للفهم.. الطورانية + الإسلام السياسي + الغاز = رجب أردوغان

​​​​​​​ليس الهدف من هذا المقال النيل أو التجريح في الشعب التركي، فهو شعب شقيق، نرتبط معه بعلاقات تاريخية وشعبية، ولكن نكتب عن الأسباب التي تدفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى التدخل في الشأن العربي..