هل إنكار حديث «طلوع الشمس من مغربها» يعد مُخرجا من الملة؟

حاتم صادق



هل إنكار حديث «طلوع الشمس من مغربها» يعد مُخرجا من الملة؟



يقول ربنا تعالى فى بيان سير الشمس وانضباطها بأمر الله: «وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ».

 

فالشمس آية من آيات الله تعالى، جعل لها مدارا تجرى فيه، ونظاما لا تخرج عنه، فهى تطلع من جهة المشرق كل يوم، ولكن وفقا لما ورد فى كتب التفسير والحديث فإنه إذا أذن الله تعالى بنهاية العالم، وقيام الساعة أمرها أن تطلع من جهة المغرب، وحينئذ يؤمن الناس ويوقنون بأمر القيامة، لكن لا ينفعهم الإيمان فى تلك اللحظة إلا من قد آمن من قبل مشاهدة ومعاينة تلك الآية العجيبة.

 

وبالرجوع إلى كتاب الله الكريم، لا توجد آية واحدة تتحدث صراحة أو حتى بالتلميح القوى أو الإشارة التى لا تحتمل الجدل إلى تبدل هذا النظام المتعارف عليه فى شروق الشمس من جهة المشرق لتشرق من جهة المغرب.. ولكن ما حدث هو أن أئمة وعلماء التفسير، قد استدلوا على إثبات وقوع ذلك الأمر العجيب والذى عدوه من علامات الساعة الكبرى، بآية سورة «الأنعام»: «يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمَانِهَا خَيْرا».

 

وهو تفسير له منطقه وله وجاهته، لكنه لا يستعصى على النقد والمناقشة والمراجعة، كما أن وجوده لم يمنع وجود آراء أخرى مخالفة ومغايرة تماما ولا تخلو من المنطق وقد تزيد فى درجة الإقناع والوجاهة.

 

والرأى السائد والأغلب فى كتب التفسير يمكن تلخيصه فيما جاء فى تفسير الطبرى: «عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوم يأتى بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها»، قال: طلوع الشمس من مغربها».

 

وفى تفسير القرطبى للآية: «أو يأتى بعض آيات ربك قيل: هو طلوع الشمس من مغربها. بين بهذا أنهم يمهلون فى الدنيا فإذا ظهرت الساعة فلا إمهال. وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيرا: طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض».

 

وفى تفسير ابن كثير: «حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد الواحد، حدثنا عمارة، حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو هريرة، رضى الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها. فذلك حين «لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل».

 

ومن كتب التفسير إلى كتب الحديث، نجد هذا الحديث المتفق عليه، والذى رواه الإمامان البخارى ومسلم «عن أَبى هُرَيْرَةَ رَضِى اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيْهَا، فَذَاكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ».

 

وبالتفسيرات، وبالأحاديث الصحيحة، أدخلت المسألة فى باب العقائد، فها هو الإمام الطحاوى يقول فى عقيدته المشهورة والمسماة «بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة»:

«ونؤمن بأشراط الساعة، من خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم عليه السلام من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها».

 

والحاصل أن من علامات الساعة الكبرى، أن تطلع الشمس من جهة المغرب، بدلا من طلوعها من جهة المشرق، فإذا حدث ذلك دل على قرب قيام الساعة جدا، وحينئذ لا ينفع الكافر إيمانه، كما لا تقبل توبة العاصى، وذلك لأن طلوع الشمس من مغربها آية عظيمة، لا يملك من يراها سوى الإذعان والتسليم، فيكون حكمهم فى ذلك حكم من عاين بأس الله تعالى كما قال عز وجل: «فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ».

 

وهنا يبرز السؤال ويطل برأسه متفرعا ومتشعبا، ماذا لو لم تقنع كلمات المفسرين مسلم ما -أى مسلم- بما قرروه وانتهوا إليه فى آية سورة «الأنعام»: «يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ…»، أو أن نفس هذا المسلم رأى مثلا أن ما جاء فى كتب التراث عندنا حول هذه النقطة الغيبية لا يختلف كثيرا عما جاء فى العهد القديم وفى الأناجيل، ومنها على سبيل المثال ما جاء فى إنجيل متى: «وبعد الضيقة فى تلك الأيام تظلم الشمس» وفى سفر أشعياء: «تظلم الشمس عند طلوعها والقمر لا يلمع بضوئه» وكل هذا فى سياق مجىء المسيح المنتظر فى العهد القديم وفى الأناجيل والذى هو أيضا عندنا من علامات الساعة الكبرى.

 

وماذا لو لم يقتنع بما جاء حول نفس المسألة فى كتب الحديث على اعتبار أنها كلها روايات آحاد وليست متواترة للدرجة التى تجعله يبنى عليها اعتقاد يقينى؟ هل يقدح هذا فى دينه أو عقيدته؟

 

والإجابة: بالقطع هذا المسلم ليس كافرا ولا يحق لأحد أن يمس عقيدته ويقينه الدينى لا من قريب ولا من بعيد.. لماذا؟

 

لأنه أولا فى ما يتصل بآراء المفسرين وما فيها من وجاهة أو ضعف، فهى بالطبع غير ملزمة، لأنها ليست نصوصا محكمة قطعية الثبوت والدلالة، بل هى مجرد فهم هؤلاء المفسرين لآيات الكتاب الحكيم.

 

وحتى تفسيرهم -أو بالأحرى تأويلهم- لآية «الأنعام» لم يكن محل إجماع، بل هناك كما قلنا آراء أخرى ومنها سيد قطب الذى ذهب إلى أن الآية إنما تتحدث عن يوم القيامة الذى يأتى فيه الله والملائكة وآيات ربك، وهذا رأى يبدو أقوى وأكثر إقناعا ويتوافق توافقا كاملا مع سياق الآية الذى يحذر والكفار والمشركين ويتوعدهم بما ينتظرهم «هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتى ربك أو يأتى بعض آيات ربك يوم يأتى بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون».

 

وهو إنذار شديد اللهجة لكل الكفار والمشركين والمعاندين الذين عاصروا النبى أو من جاؤوا بعده حتى يوم القيامة، وهذا فى رأيى أوجه بكثير من التفسير الغالب والسائد الذى يأخذ الآية إلى وقت ظهور علامات الساعة، وهو وقت محدود ومرتبط بفئة محدودة من أبناء هذا الوقت، ليس فيهم بالطبع هؤلاء الذين كانوا فى عصر النبى، وكذلك كل من جاء من بعدهم طالما أن هذا الشرط من أشراط الساعة وهو طلوع الشمس من مغربها لم يظهر أو يتحقق.

 

وثانيا بالنسبة للأحاديث، فهى وإن كانت صحيحة إلا أنها فى النهاية أحاديث آحاد، وحول هذه النقطة الحساسة أحب أن أتوقف مع ما قاله الشيخ محمد الغزالى من كتاب «قذائف الحق» وهو يحكى تجربة شخصية وفكرية له مع واحد من أحاديث الآحاد وهو حديث الذباب المشهور.

 

يقول الغزالى:

«أريد أن أقرر حقيقة إسلامية ربما جهلها البعض: هل رفض حديث آحاد لملحظ ما يعد صدعا فى بناء الإسلام؟ كلا فإن سنن الآحاد عندنا تفيد الظن العلمى، إنها قرينة تستفاد منها الأحكام الفرعية فى ديننا، فإذا وجد الفقيه أو المحدث أن هناك قرينة أرجح منها، تركها إلى الدليل الأقوى دون غضاضة.

 

وتعريف الحديث الصحيح: أن لا تكون فيه علة قادحة، فإذا بدت علة فى سنده أو متنه تلاشت صحته، ولا حرج.

 

وأئمة الفقه الإسلامى بنوا اجتهادهم على هذا النظر الصائب. فأبو حنيفة مثلا رفض أن يترك المسلم إذا قتل كافرا دون قصاص وتجاوز حديث البخارى فى ذلك «لا يقتل مسلم فى كافر» واعتمد فى مذهبه على آية «النفس بالنفس».

 

ومالك كره أن يتنفل المصلى قبل فريضة المغرب، ولم يلتفت لما رواه البخارى فى ذلك من استحباب صلاة ركعتين لمن شاء، ورأيه هذا يرجع إلى أن عمل أهل المدينة أدل على السنة من حديث آحاد، وهم لا يتنفلون قبل المغرب، فاتباعهم أولى من رواية البخارى.

 

وأبو حنيفة ومالك يكرهان أن يصلى المرء تحية المسجد والإمام يخطب يوم الجمعة، ويَردّان ما رواه البخارى فى ذلك بردود شتى.

 

وأغلب الأئمة يرفضون ما روى فى الصحيح من أن رضاعة الكبار تثبت حرمة المصاهرة، ويرون أن الرضاعة المثبتة المحرمة ما كان فى فترة الطفولة، أى ما أنبت اللحم وشد العظم».

 

ويواصل الغزالى:

«ولا نريد أن ننتقل إلى مباحث فقهية مفصلة، وإنما نريد أن نقول: هب أن رجلا قال: لا أستطيع قبول رواية «إذا وقع الذباب فى شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن فى إحدى جناحيه داء والأخرى شفاء» أيكون من الكافرين؟ كلا!! فلم يقل أحد أن أركان الإسلام تضم الإيمان بالله واليوم الآخر وغمس الذباب فى الشراب إذا سقط فيه!».

 

ثم يؤكد الغزالى بوضوح لا يحتمل اللبس أن أحاديث الآحاد لا تفيد اليقين:

«وحديث الآحاد ليس مصدر عقيدة شرعية أو حكم قاطع، بيد أنى من باب استكمال البحث العلمى فقط أسأل: هل الحديث مردود؟ إن بعض علماء الحشرات قرر أن هذه الحشرة تفرز الشىء والشىء المضاد له، فإن استقر هذا الرأى الفنى فالحديث صحيح، وإن ثبت قطعا أن الذباب مؤذ فى جميع الأحوال التى تعرض له ومن بينها الحالة المروية فى الحديث رددته دون غضاضة. وليس بقادح هذا فى دينى ولا يقينى.

 

وقد روى البخارى أحاديث صحيحة السند لكن أئمة الفقه عملوا بغيرها لأدلة أقوى عندهم منها.. وأنا شخصيا متوقف فى هذا الحديث، لم أنته فيه إلى حكم حاسم، وعلى أية حال فهو لا يتعلق بسلوك خاص أو عام».



أقرأ أيضا

البلد

الشخصيات المثيرة للجدل.. أراجوزات و"بتوع تلات ورقات" أم مهذبون ساخرون مثيرون للضحك؟

كثر في الآونة الأخيرة إطلاق لفظ "شخصية مثيرة للجدل" على شخصيات تتصدر المشهد السياسي والاجتماعي وتحدث صخبًا وضجيجًا وربما نفورًا واشمئزازًا..
البلد

هل ثمة توافق أميركي- إيراني يلوح في الأفق؟

على سيرة الحديث عن إمكان عقد لقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الإيراني، وضع كثيرون أيديهم على قلوبهم خشية تفاهمات قادمة، يخرج الخليج -والسعودية تحديدا- منها خالي الوفاض، "إيد ورا، وإيد قدام" على رأي المصريين.
البلد

موعد نهاية الرئيس أردوغان

خاصم الرئيس التركي أكثر مما صاحب، لا في صعوده السياسي، ولا في استحواذه على مؤسسات الدولة، ولا في علاقاته مع الدول الاستراتيجية في المنطقة، وجاء يوم يشهد فيه بدء تفرق الناس من حوله، وتراجع اقتصاد بلاده، ولا يد عربية أو أوروبية ممدودة للمساعدة.
البلد

المخدرات الحديثة «فيروسات العصر».. كيف تعرف الأسرة أن ابنها مدمن؟ وماذا تفعل بعد ذلك؟

خطر جديد يجتاح العالم بأسره ويتسلل متخفيًا إلى عقول الشباب وأجسادهم ويشكل وباءً جديدًا دون أن ينتبه إليه الناس.. تلك هي المخدرات الحديثة والتي تم استنساخها من المخدرات التقليدية وتصنيعها في مصانع ومعامل غير مرخصة لتتكاثر وتتوالد بعضها مع بعض بشكل سرطاني.
تأملات

نهاية الأسرة.. هل يوجد حل سحري يردع تسلط الآباء ويمنع تمرد الأبناء؟

في ظل التحولات الجنسية (الجندرية) التي تتسارع في هذا العالم سعياً لصناعة أنماط جديدة من (الأسرة)، تتكاثر الانتقادات التي تبلغ مبلغ الشتيمة أحياناً، للمجتمع الأبوي، باعتباره نمطاً أسرياً ماضوياً ينبغي دفنه وتجاوزه بلا رجعه.
البلد

د.بكري عساس يكتب: مصر تتحدث عن نفسها

من لندن إلى القاهرة في زيارة مع الأهل خلال إجازة عيد الأضحى المبارك، لمدة أربعة أيام؛ حيث تم ترتيب برنامج الزيارة بأن يكون اليوم الأول مخصصًا لزيارة متحف مقياس مستوى مياه النيل خلال موسم الفيضان السنوي في حي المنيل بالقاهرة
البلد

«الإخوان».. من سرقة الدين إلى سرقة أموال الهبات والصدقات

ما كشفه عضو مجلس شورى جماعة "الإخوان المسلمين" أمير بسام، مِن وجود اختلاسات وسرقات من أعلى قيادة في التنظيم الدولي للجماعة ومقره لندن، يدل على أزمة تنفي فكرة النقاء والطهارة التي تدعيها.