شيوخ اليوم.. انشغلوا بدنيتنا وطالبونا بزهد الدنيا‎

كريم البكرى



شيوخ اليوم.. انشغلوا بدنيتنا وطالبونا بزهد الدنيا‎



إذا نظرت عزيزى القارئ إلى الساحة الدينية العامة، ورصدت انتشار الإرهاب الممنهج، والفتاوى الشاذة، والتخلف الحضارى الذى أصاب عقولًا كثيرة، فحتمًا ستصل إلى ضرورة تجديد الخطاب الدينى.. ذلك الشعار الذى رفعته الدولة منذ 5 سنوات، ولكنها حتى الآن للأسف لم تخطُ خطوة حقيقية فى هذا الصدد.

 

ومن أجل تجديد الخطاب الدينى، يجب النظر فى منهج الشيوخ الدعوى الذى يعتبر فى حاجة إلى نسف تام وإعادة بناء على أُسس أخرى. هؤلاء الذين يستغلون اسم الله من أجل الترويج لأنفسهم، كثيرون من شيوخ هذه الأيام أصبحوا يبحثون عن أنفسهم وروَّادهم ومتابعيهم، كثيرون منهم يخاطبون الناس بالصراخ والنحيب والترهيب، بينما ظهرت موجة جديدة منهم أصبحت تهتم بالبكاء وخفض الصوت والقصص الإنسانية، وظل المشاهد حائرًا بين هذا وذاك، فالأسلوب اختلف ولكن المنهجية ثابتة والهدف واحد.

 

جميعهم اعتادوا التحدث مع المشاهدين والمستمعين من برج عالٍ، أعطوا لنفسهم الحق أن يقفوا بينك عزيزى القارئ -نعم أنت- وبين الله عزّ وجل، فشلوا فى تقبُّل الآخر وزرع المحبة وترسيخ ثقافة الاختلاف، بل أدمنوا التحريض، وحاولوا تغذية العقول المسلمة بعقيدة أنهم أفضل أبناء الأرض، وأن غير المسلمين «على ضلال»، مما سبَّب حنقًا داخليًّا كامنًا بين أبناء المجتمع الواحد الذين يتعايشون جنبًا إلى جنب، ولكنهم لا يعيشون حقًّا.

 

شيوخ كُثر اعتبروا الدعوة إلى الدين عبارة عن تصريح دائم يستطيعون من خلاله محاسبتك وتوبيخك واعتبارك مُذنبًا تستحق الشفقة والهداية، مثل هذا الشيخ صاحب الخطبة الشهيرة: «إنت مابتصلِّيش ليه؟» ولا أعلم ما الذى خصَّه بصلاتى من عدمها، إذا كان يريد تقديم مادة دعوية فليتفضل ويحدثنا عن فضل فريضة الصلاة، ولكن ما شأنه هو بى، أُصلِّى أو أهجر الصلاة هذا شىء سيحاسبنى الله، عزّ وجلّ، عليه، فمَن الذى سمح لك عزيزى الشيخ بأن تحاسبنى وتجزم بمصيرى.
 

شيوخ آخرون أدمنوا الجهل، هجروا البحث والتفكير، صموا آذانهم وكمَّموا عقولهم، مثل هذا الذى وقف على منبر مسجد يصرخ فى أعقاب ثورة يناير: «يعنى إيه ليبرالية.. يعنى أمك تقلع الحجاب»، هذا الشخص للأسف يُدعى شيخًا ويعتلى المنابر ويبث أفكاره فى عقول آلاف البشر، مستغلًّا الدين مجددًا، متناسيًا كون الليبرالية أحد أنظمة الحكم والتفكير المُطبقة فى دول عديدة والتى يكفل الإسلام مبادئها ولا يتعارض معها على الإطلاق.
 

وشيوخ أيضًا أدمنوا القبح وسعوا لترويجه، مثل هذا الذى حضَّر دراسات عُليا فى أغانى أم كلثوم، وسجَّل خُطبًا يقول فيها: «خُدنى لحنانك خُدنى بعيد بعيد وحدينا.. ونسيتى إن النبى بيقول ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما»، هل هذا منطق يُعقل؟ لماذا لم يطالب هذا الشيخ بمرور الأغانى على دار الإفتاء، لبحث مدى تطابقها مع تعاليم الدين؟!
 

وشيوخ تشاركوا جميعًا فى ازدراء المرأة وتحريم ضحكتها وزينتها وعطرها وخروجها من المنزل، بل إن شخصًا يُدعى شيخًا قال إن العلم للرجال فقط ولا فرصة للمرأة فى التعلم أو البحث، فضلًا عن شيخ آخر اعتبره الشعب المصرى رمزًا من رموز الوسطية وتفسير القرآن أجاز ختان الإناث فى حالات معينة، مدعيًا أن ذلك سيحفظ الفتاة من الشهوة، ومن ثَمَّ يحفظ المجتمع ككل، فهل الإنسانية تعترف بهذا الهراء؟! وهل يرضى الله عزّ وجلّ بتشويه طفلة بريئة وتعريضها للخطر من أجل حفظ المجتمع؟!
 

شيوخ اليوم يمارسون التناقض فى أبهى صوره، يتهمون الغرب بالتخطيط للحرب على الإسلام بينما يستخدمون كل الأدوات والاختراعات الغربية ولا يستطيعون التنازل عنها، فيركبون الطائرة التى اخترعها وصنَّعها الغرب لأداء الحج والعمرة، ويصنعون فيديوهات دعوية بالكاميرات الاحترافية المصنوعة فى بلاد الغرب، وينشرون فيديوهاتهم على مواقع التواصل الاجتماعى الغربية، ويؤذنون للصلاة فى مكبرات الصوت الغربية، ثم يهاجمون الغرب ويتهمونه بالكفر!
 

شرّ الشيوخ اتسع وشمل كثيرين لم يرتكبوا جريمة فى حياتهم سوى التفكير والبحث والتأمل والتدبر، شيوخ كُثر تجرَّؤوا وأفتوا بتكفير رموزًا سَعَت للخروج من الصندوق المُظلم، ومحاولة تفنيد التراث الإسلامى وجعله يلائم دنيانا الحالية. شيوخ عصرنا الحالى متحفزون لكل مَن خالفهم فى الرأى، أسلحتهم دائمًا جاهزة وموجهة صوب كل مَن حاول الخروج من القطيع ومهاجمة هذه الفلسفة البغيضة التى يؤمنون بها ويسعون لحبس المجتمع داخلها، سرعان ما تجدهم ينتفضون إذا خالفهم أحد فى الرأى، ثم يحذرون من التعامل معه، ويبدؤون معركة تبدأ من السخرية السخيفة منه وتنتهى بتكفيره دون الاشتباك المحمود مع أفكاره وتحليلها والرد عليها بالنقاش أيضًا. جميع مَن لقبهم المجتمع بـ«الشيوخ»، اشتركوا فى شعار «الانشغال بالدنيا»، تجدهم يقفون أعلى المنابر ويتحدثون عن هؤلاء الذين انشغلوا بالدنيا وتناسوا الآخرة، وبالطبع لا اختلاف مع المعنى الضمنى لهذه الجملة، فالآخرة بالطبع خير وأبقى، ولكن الاعتراض فى منهجية التطبيق التى يحاول الشيوخ فرضها على المتلقين والمجتمع.
 

شيوخ اليوم أصبحوا يتهكمون فى خطبهم على الموسيقى والمسلسلات والأفلام والأفراح والمصايف، وكأنهم يريدون إنشاء جيل يشبه أتباعهم الملتحين الذين يعتكفون بالشهور فى المسجد ويعتزلون الحياة، ظنًّا منهم أن ذلك خير لهم وأبقى عند الله عز وجل، ولكن الله سيجازى الطبيب أجرًا على رعاية المرضى، والمهندس على ما شيَّده من أبنية، والمحاسب لما أصدره من دفاتر، والكاتب أيضًا سيجازى خيرًا عن مسؤولية قلمه.
 

مواد سطحية للغاية تلك التى يعتمد عليها الشيوخ فى عظتهم، شاهدت يومًا فيديو لشيخ يخاطب فيه الشباب على القهوة ويقول لهم: «لو تامر حسنى اللى جِه هنا شوفوا الشارع ده هيبقى مليان ازاى، ما بالكم أنا باكلِّمكم عن ربنا»، وهنا لا أعلم أين وجه المقارنة بين الشيخ وتامر حسنى؟! هل ينوى الشيخ الغناء؟! أم ينوى تامر حسنى اتخاذ سبيل الدعوة؟! وإذا كان الشيخ يقصد أن شعبية تامر كمطرب تفوق شعبيته فهذه حقيقة، وهذا لا يدل على فساد المجتمع أو فجوره، بالعكس تمامًا.. فتامر حسنى فنان فى مجاله وحقق شعبية كبيرة ومؤيدين، وهذا الشيخ أيضًا متألق فى مجاله وكوَّن شعبية موازية ومؤيدين.. ولكن الفارق أن الشيخ يتحدث باسم الله، ومن ثَمَّ يسمح لنفسه ازدراء المطربين والممثلين وكل مَن شجعهم وأحبهم، ليس هذا فقط بل ويفزع الناس من مصير هؤلاء.. ويسألهم: هل تحبون أن تحشرون معهم؟! هل تحبون أن تحاسبوا حسابهم يوم القيامة؟! لمصلحة مَن هذا الفزع والكره؟!
 

شيوخ كُثر أدمنوا نظرات التقديس التى شاهدوها فى أعين مريديهم الذين يلهثون عليهم ولا يجدون غضاضة فى تقبيل أيديهم، وبناءً عليه انتظر الشيوخ نفس المعاملة من كل المستمعين، ومن ثَمَّ خاطبوا البقية من برج عالٍ، وكأنهم احتكروا التفكير والإيمان وصكوك التوبة، وكأن الله عز وجل بشَّرهم بالجنة، فأصبح شغلهم الشاغل هو هداية الضالين من البشرية.
 

منهج شيوخ العقود الخمسة الأخيرة لم يخلُ من ترسيخ ثقافتَى «الترغيب والترهيب»، فإما يحث الشيخ متابعيه على التوبة والتضرع والتقرب من الله رغبةً فى الجنة والحور العين والنعيم الذى ينتظر المؤمنين فى الجنة، وإما استخدموا سياسة الفزاعة وظلوا يحذرون من الثعبان الأقرع الذى يلتف حول رقبة المذنب فى القبر، ونيران اللهب التى تلتهمه، وأمواج الجحيم فى جهنم التى سيُلقى فيها، فضلًا عن الحكايات والروايات الواهية التى يتبادلونها عن تلك المذنبة التى توفيت غرقًا وهى مرتدية البكينى، وهذا الشاب المذنب الذى توفى فى أثناء تعاطيه المخدرات، وشلة الصحاب الذين انقلبت بهم السيارة ولم يبقَ منهم حى.. والسؤال إذن: هل الله نصَّب هؤلاء الشيوخ حكامًا على البشر؟! هل هؤلاء دخلوا فى نيَّات الناس وعرفوا ما بداخلها حتى يجزموا بأنهم سيلقون العذاب فى الآخرة؟!
 

عبادة الله سبحانه وتعالى هى علاقة خالصة لله، ليست من أجل الرزق والتوفيق والجنة والترغيب، فالله يقول فى حديثه القدسى: «يا بن آدم لى عليك فريضة ولك على رزق، فإن خالفتنى فى فريضتى لم أخالفك فى رزقك»، كما يقول الإمام علِى بن أبى طالب: «إن قومًا عبدوا الله رغبةً فتلك عبادة التجار وإن قومًا عبدوا الله رهبةً فتلك عبادة العبيد وإن قومًا عبدوا الله شكرًا فتلك عبادة الأحرار»، وحتى النبى سبحانه وتعالى يقول فى مناجاته لله: «إلهى ما عبدتك خوفًا من عقابك ولا رغبةً فى ثوابك ولكن وجدتك أهلًا للعبادة فعبدتك»، هذا هو جوهر المحبة الخالصة المتبادلة بيننا كعباد وبين الله عز وجل.
 

يقول المولى تعالى: «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ الله لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ» «آل عمران: 159»، هذه هى تعاليم الله عز وجل ونصوص كتابه المُخلّد، فلماذا إذن الترهيب والتوبيخ والتعالى والزمجرة والانتفاض والثورة والوعيد وهذه الموجة من الخطاب الدينى المتشدد.
 

دين الله ليس حكرًا على بشر بعد الرسول المصطفى لتبليغ الرسالة، والدين ليس حزبًا سياسيًّا حتى يكون له متحدث رسمى، ورجل الدين ما هو إلا شخص مجتهد قد يخطئ وقد يصيب، وبالطبع حديثه قابل للنقد والتحليل والتفنيد، وأيضًا الرفض، فالرفض يصبح واجبًا إذا كان الحديث يضر الدين ويشوّهه ويترك القبح يتسلل له تدريجيًّا. فندائى للجميع.. ارفضوا الرأى الواحد الجامد المتحجر المتخلف غير الإنسانى، لا تنساقوا خلف مَن يستخدم اسم الله أو يطلق لحيته، أفشوا الإنسانية بينكم، انشروا دين المحبة والتعاون والتسامح والبحث العلمى ومساعدة الآخرين، مدّوا أيديكم بكل الحب لأى مخطئ، اكرهوا الخطأ ولا تكرهوا المخطئين، فالله سبحانه وتعالى سيرحم الجميع رحمةً تَسَع السماوات والأرض.. حتمًا الله سيرحم مَن لا يرحمهم شيوخ هذه الأيام.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...