عندما حُرِّمت الموسيقى والغناء عقابًا للخلفاء الأمويين

على أبو الخير



عندما حُرِّمت الموسيقى والغناء عقابًا للخلفاء الأمويين



المسلمون لا يريدون الاعتراف بأنهم يعيشون ازدواجية بين البهجة والعبوس، بين الفرح والحزن، وتلك الازدواجية تؤثر على الحياة النفسية ذاتها، وهى ناتجة عن وجود فتاوى تحريم البهجة والسرور، وفتوى تعظيم العبوس، ولكن المسلمين أيضًا يفرحون ويغنون ويرقصون رغم اقتناعهم بفتاوى التحريم، وتلك الازدواجية لها ما يبررها رغم شذوذها، لأنها تخالف الطبيعة الإنسانية التى أكدها القرآن والنبى، صلى الله عليه وسلم.

 

نعود إلى فقه تحريم الموسيقى والغناء، لنجد أن غالبية أهل الحديث ذهبوا إلى تحريم الموسيقى والغناء، بينما ذهبت القلة القليلة منهم إلى الإباحة، وراج حديث يحرِّم قول الشعر على الإطلاق، رغم أن الشعر هو ما تميَّز به العرب جميعًا، والشعر فيه موسيقى ملحوظة من الأوزان والقوافى، والقرآن الكريم نفسه يتميَّز بوجود موسيقى خفية بين طيَّاته، ولكنهم استندوا إلى حديث فى «صحيح البخارى»: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا (أى صديد) خير له من أن يمتلئ شعرًا»، ومع ذلك ظل الشعراء يكتبون ويذيعون أشعارهم، رغم ذلك الحديث غير الصحيح، ثم راجت أحاديث تحريم الموسيقى والغناء، وانتشرت فتاوى العبوس والقنوط، وحاول الفقهاء والمفسرون تأويل قوله تعالى فى سورة «لقمان 6»: «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ»، على أن لهو الحديث هو الغناء، ولكن كما نفهم، فإن الحديث ولهو الحديث هو الكلام العادى ولهوه، وليس الشعر أو الغناء، بمعنى أنه استدلال فى غير محله، كما روى الطبرى فى تاريخه: «سمع ابن عمر مزمارًا فوضع إصبعيه فى أذنيه، ونأى عن الطريق، وقال لى: يا نافع، هل تسمع شيئًا؟ قُلت: لا. فرفع إصبعيه من أذنيه، وقال: كنت مع النبى وسمع مثل هذا، وصنع مثل هذا»، وأن «مَن يستمع للغناء، يُصب الزنك (الرصاص) فى أذنيه».
 

وهى أحاديث عبارة عن تخريجات بشرية ناقصة، يمكن الرد عليها بأحاديث مضادة، منها ما ورد فى كتب مختلفة فى الأحاديث والتفسير، مثل ما رُوى عن أم المؤمنين عائشة: «أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان تغنيان وتضربان ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، مسْجى بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف رسول الله وجهه، وقال: (دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد)»، وفى حديث آخر عن عائشة أيضًا، قالت: «كانت جارية من الأنصار فى حجرى، فزففتها، فدخل رسول الله ولم يسمع غناءً، فقال: يا عائشة ألا تبعثين معها مَن يغنِّى، فإن هذا الحى من الأنصار يحبون الغناء»، ويذكر عن عائشة أن رسول الله سافر سفرًا طويلًا فنذرت جارية من قريش لئن ردَّه الله تعالى أن تضرب فى بيت عائشة بدفّ، فلما رجع رسول الله، جاءت الجارية، فقالت عائشة لرسول الله: فلانة ابنة فلان نذرت لئن ردّك الله تعالى أن تضرب فى بيتى بدف، قال: «فلتضرب»، قال أبو الفضل: وقد قال رسول الله: «لا نذر فى معصية الله»، فلو كان ضرب الدف معصية لأمر بالتكفير عن نذرها أو منعها من فعله، وهذه أحاديث لا تُحرِّم الغناء ولا الموسيقى، كما أن ابن حزم تتبع الأحاديث التى اعتمد عليها الذين ذهبوا إلى التحريم القاطع وحمل عليها من جهة سندها ورواتها، فقال فى كتابه «طوق الحمامة»: «إنه لم يصح فى باب تحريم الغناء حديث وكل ما فيه فموضوع.. ووالله لو أُسند جميعه أو واحد منه فأكثر من طريق الثقات إلى رسول الله لما تردَّدنا فى الأخذ به»، ثم يتدرج ابن حزم بعد الانتهاء من تتبع أحاديث التحريم إلى المرحلة الثانية التى يقوم عليها الرأى القائل بالإباحة، وهى تقديم عدد من الأحاديث النبوية الصحيحة التى تفيد إباحة الرسول قولًا أو فعلًا، أو تقريرًا للسماع، وهى ما يتفق مع الروح الإنسانية المتسامحة مع الدعوة الإلهية القرآنية.
 

إن الموسيقى عفوية موجودة فى هدهدة الأم لطفلها، لأنه غناء وموسيقى داخلية، والموسيقى موجودة فى أصوات الطيور والحيوانات والماء والهواء، كلها موسيقى كونية من صنع الله الخالق المبدع، والقرآن الكريم متناغم مع الموسيقى الشعرية، فتسابيح النبى داود مثلًا كما جاء فى سورة «سبأ 10»: «وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ»، الله أعطاه الفضل، وهو العطاء، والتأويب هو الترجيع أو الرجوع، والمُراد به ترجيع الصوت بالتسبيح بدليل قوله فى موضع آخر فى سورة «ص 19»: «إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ»، والطير معطوف على محل الجبال، والتسبيح نوع من أنواع الموسيقى والغناء، وقال النبى محمد، عليه السلام: «ليس منّا مَن لم يتغنَّ بالقرآن»، وقال مادحًا أبى موسى الأشعرى: «لقد أوتيت مزمورًا من مزامير داود»، فى جمال صوته عند قراءته للقرآن، ولذلك نرى أهل التصوّف يحلِّلون الغناء والأناشيد الدينية والمدائح النبوية، أما المدرسة القرآنية المصرية فقد تميَّزت بالروعة والخشوع، بسبب الموسيقى والترانيم المصرية المتوارثة من العصر الفرعونى فى أدعية أخناتون، والتى قارن فيه الكاتب الأمريكى جيمس هنرى بريستيد، فى كتابه الأشهر «فجر الضمير»، بين أدعية «أخناتون» وترانيم النبى داود فى مزامير «العهد القديم»، وفى كل الأحوال نجد الالتزام المصرى بالمقامات الموسيقية من أهم أسباب تميُّز وبراعة وخشوع الترتيل والتلاوة المصرية للقرآن دون كل قراءات المسلمين جميعًا، ولذلك ليس غريبًا أن تشتهر مقولة «نزل القرآن بمكة وقُرئ بمصر»، أى أفضل قراءة للقرآن فى مصر.
 

إن فتاوى وأحاديث تحريم الغناء والموسيقى جاءت رد فعل دينى على الأسلوب السياسى للدولة الأموية، فقد انتشر وازدهر الغناء فى الحجاز، خصوصًا فى المدينة المنورة، لأن الحجاز «مكة والمدينة» كان موطن المعارضة السياسية والحربية ضد الأمويين وعاصمتهم «دمشق»، فمن «المدينة ومكة» خرجت الثورات ضد انفراد بنى أمية بالحكم وتحويلهم الخلافة إلى ملك وراثى، يقوم على القهر والاستبداد، ومن المدينة خرج الحسين ثائرًا بأهله، وكانت مأساة كربلاء، وعلى إثرها ثارت المدينة ثورة عارمة فاقتحمها الجيش الأموى وانتهك حرمتها، وبعدها ثار عبد الله بن الزبير فى مكة وأعلن نفسه خليفةً، فهزمه الأمويون وقتلوه وصلبوه، ولم يأبهوا بحرمة البيت الحرام فهدموا الكعبة، وحتى لا تعود المدينة ومكة إلى الثورة، رأى الأمويون حلًّا آخر هو شغل أبناء المهاجرين والأنصار بالمال والمتاع والجوارى والغناء والشعر وكل وسائل التسلية، وبذلك امتلأت مكة والمدينة بأرباب الغناء وأصبحت فى كل منهما مدرسة فنية تنافس الأخرى، ويهيج تلك المنافسة الشعراء وأصحاب السمر والأخبار، فظهرت أمثال المغنية «عزة الميلاء» والشاعرة «ليلى الأخيلية» وشعراء النقائض والشتائم السياسية والشخصية بين «جرير والفرزدق والأخطل» وغيرهم، وبينما انغمس فى المجون أكثرية الشباب، فإن الأقلية ردَّت عليهم بالتطرف فى العبادة والزهد والنسك، وبدأ تدوين أحاديث تحريم الغناء والشعر والموسيقى، فاختفت البهجة وضاعت الأفراح، وانتشر فقه التطرف بعد أن شاع فقه الاستبداد، ودام الأمر حتى اليوم، تُوجد أحاديث التحريم، وفى المقابل يغنى المسلمون ويرقصون، وبالتالى يحيون حياة الازدواج الدينى/ الدنيوى، يفرحون مثلًا بتوبة فنانة أو راقصة، ولكنهم يشاهدون التى لم تَتُب، وربما كان ذلك من أهم أسباب تأخُّرهم وانحطاطهم.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...