‫مستشارو ترامب للسياسة الخارجية يجعلون من أنفسهم أضحوكة‬

ماكس بووت



‫مستشارو ترامب للسياسة الخارجية يجعلون من أنفسهم أضحوكة‬



 

ترجمة: أميرة جبر عن «واشنطن بوست»

 

لقد خرج جيم ماتيس ونيكى هايلى، عضوا حكومة ترامب الأقل تشوهًا بخدمتهما، فى الوقت المناسب، فكلما ظل مسؤولو السياسة الخارجية بالإدارة فى مواقعهم بدوا أكثر حماقة فى خدمتهم لرئيس يقوضهم بانحرافاته العنيدة، وفى حالتنا هذه فالمثال هو سحب القوات الأمريكية من سوريا.

 

وحتى ٦ يناير كان قد قال مستشار الأمن القومى جون بولتون، إن الانسحاب، الذى أعلن عنه الرئيس ترامب يوم ١٩ ديسمبر، لن يحدث إلا بهزيمة الدولة الإسلامية وبحماية الأكراد -وتلك شروط قد لا تُلَبَّى لسنوات. ولكن عندما ظهر بولتون فى تركيا هذا الأسبوع سعيًا وراء صفقة، رفض الرئيس رجب طيب أردوغان بوضوح كامل لقاءه، وأدان محاولة بولتون ربط الانسحاب الأمريكى بشروط كـ«خطأ جسيم».
لم يكن ذلك مهمًّا، إذ بدأت يوم الجمعة القوات الأمريكية فى الانسحاب من سوريا على أية حال، الأمر الذى يشير إلى أن الزمن الذى كان يحاول فيه البنتاجون تجنُّب نوبات غضب ترامب قد انتهى. وبمجرد ما ترحل القوات سيقع حلفاء أمريكا الأكراد تحت رحمة الأتراك وستكون للدولة الإسلامية الحرية فى الصعود مجددًا.

 

وفى وسط المعارك الداخلية بالإدارة تستطيع أن تحتسب هذا الأمر انتصارًا لوزير الخارجية مايك بومبيو، الذى لطالما أصر على أن القوات الأمريكية ستغادر تمامًا كما قال الرئيس. غير أن بومبيو بدا أحمق بخطاب السياسة الخارجية شديد الحزبية الذى ألقاه يوم الخميس فى القاهرة. كان مليئًا بالهجمات غير اللائقة على الإدارة السابقة -تُرى ما الذى جرى لمبدأ وقف الصراع السياسى خارج الحدود؟- غير أن الخطاب فى الواقع كان حماقة كبرى ارتكبها ضد نفسه.
 

قال بومبيو: «تعلمنا أنه عندما تتراجع أمريكا كثيرًا ما تتبع الفوضى، وأنه عندما نهمل أصدقاءنا ينمو الاستياء، وأنه عندما نعقد شراكات مع الأعداء يتقدمون». من الصعب العثور على ما هو أفضل من ذلك لوصف سياسة ترامب فى سوريا. فالولايات المتحدة تنسحب من ثلث سوريا الذى سيطرت فعليًّا عليه قواتها بالشراكة مع قوات سوريا الديمقراطية، وعلى الأرجح سيتبع هذا فوضى. وفى تلك الأثناء تهمل الولايات المتحدة أصدقاءها -الأكراد والإسرائيليين- وتتشارك مع أعدائها، إيران وروسيا.
 

حتى إن ترامب قال يوم 3 يناير إن إيران سيطلق لها العنان فى سوريا، إذ قال: «بصراحة، يستطيعون أن يفعلوا ما يريدونه هناك». وهذا شديد الاختلاف عن التعهد الأبله الذى قدمه بومبيو فى القاهرة بأن الولايات المتحدة سـ«تعمل مع شركائها لطرد آخر جندى إيرانى» من سوريا. فبرحيل القوات الأمريكية ستتسع بشكل كبير مساحة الأراضى التى تستطيع إيران وروسيا السيطرة عليها. وقد بدأ الأكراد فى طلب الحماية من الرئيس السورى بشار الأسد، رجل طهران وموسكو فى دمشق.
 

أهذه حقًّا هى السياسة الخارجية التى انضم مايك بومبيو وجون بولتون لينشراها؟ كانا يعرفان ذات مرة أنهما خصمان يبُخَّان النار للأنظمة المعادية لأمريكا، وبأنهما داعيان للتدخل العسكرى الأمريكى. حتى إن بولتون دعا إلى ضربات وقائية ضد إيران وكوريا الشمالية. والآن أصبحا رجلَين مطيعَين وعنصرَين لتمكين رئيس يميل بشكل غريزى إلى الانعزالية واحتواء الديكتاتوريين.
 

لكم فقط أن تتخيلوا كيف كان سيجلد بومبيو وبولتون الرئيسة هيلارى كلينتون، لو كانت قد عقدت قمة مع الديكتاتور الكورى الشمالى كيم جون أون، وقالت إنها قد وقعت فى غرامه ورفضت محاسبته علنًا على توسيعه لترسانته النووية والصاروخية حتى بعد تعهده بـ«نزع السلاح النووي». كانا سيغضبان بشدة، وكان سيكون لهما الحق فى ذلك، لكن لأنه مديرهما الذى يحتوى كوريا الشمالية، فإنهما صامتان على الأقل فى العلن، ماذا عن السر؟ من الصعب التكهن بذلك، إلا أنه لا يوجد دليل على أنهما يقاومان نزوات الرئيس، لأنهما يعلمان المصير الذى حلّ بالمسؤولين السابقين الذين حاولوا ذلك. ولكم فقط أن تسألوا وزير الخارجية السابق ركس تليرسون، ومستشار الأمن القومى السابق إتش. آر. ماكماستر.
 

عندما حاول بومبيو وبولتون تهدئة سرعة اندفاع ترامب نحو أحضان كيم، مُنعا بشكل وقح. فقد اقترح بولتون أن تتبع كوريا الشمالية «نموذج ليبيا» فى النزع الكامل للسلاح النووى قبل أن ترفع الولايات المتحدة العقوبات. فكان رد فعل كيم عنيفًا، مهددًا بإفساد القمة وألقى ترامب ببولتون تحت عجلات القطار، قائلًا: «نموذج ليبيا ليس إطلاقًا النموذج الذى نتصوره عندما نفكر فى كوريا الشمالية».
 

أو تذكروا ما حدث عندما سافر بومبيو إلى بيونج يانج فى يوليو، ليتابع قمة سنغافورة والحصول من كوريا الشمالية على قائمة بمنشآتها النووية وجدول زمنى للتفكيك. رفض كيم لقاء الوزير بومبيو (الذى زار مزرعة بطاطس عوضًا عن ذلك)، وأدانت وزارة الخارجية الكورية الشمالية مطالب بومبيو ووصفتها بأنها تعكس عقلية «أشبه بالعصابات». وبدلًا من أن يدعم ترامب وزير خارجيته، خضع لخطب كيم العصماء. وشعار «نزع السلاح النووى بشكل كامل ومثبت لا رجعة فيه» الذى تبنته الإدارة ذات مرة لم يعد مطروحًا على الطاولة، ويستعد ترامب لمكافأة كيم على تعنته بعقد قمة ثانية.
 

فى لحظة ما يحتاج بولتون وبومبيو أن يسألا نفسيهما ما الذى يفعلانه فى إدارة تدمِّر تقريبًا جميع المعتقدات التى قضيا حياتيهما العملية يدافعان عنها. ولعلهما يمنعان ترامب عن القيام بما هو أسوأ. أو لعلهما يغضان الطرف عن واقع تواطؤهما القبيح، لأنهما يستمتعان بامتيازات وهيبة المناصب العليا.
 

...
 

ماكس بووت
مؤلف ومستشار ومحرر ومحاضر ومؤرخ عسكرى أمريكى الجنسية روسى المولد. زميل دراسات الأمن القومى فى مجلس العلاقات الخارجية. عمل فى التسعينيات كاتبًا ومحررًا فى «كريستيان ساينس مونيتور» ثم فى «وول ستريت جورنال».



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...