رد اعتبار فتاة الأزهر

سامح عيد



رد اعتبار فتاة الأزهر



الطبع من التطبُّع، ومن سنن الكون تغيُّر الطباع، إذا كنا نتحدث عن طبائع الشعوب، والقول المأثور عن علِى بن أبى طالب «لا تؤدبوا أولادكم بأخلاقكم لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم»، وفى قول آخر «لا تكرهوا أولادكم على آثاركم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم»، والقول الأخير نسب إلى أفلاطون، وبعيدًا عن الانتساب الأول إلى المقولة، لأن انتحال المحبين كان منتشرًا فى أزمنة كثيرة.


ولكننا نتحدث عما يصفونه بصراع الأجيال واختلافها، والذى بدأ يتسارع فى الآونة الأخيرة، وربما نظرية ابن خلدون عن تحديد متوسط الجيل بأربعين سنة، فإن عصر العولمة تلاعب بهذه المدد، فطالب الإعدادى الآن يقول لأخيه فى الجامعة «جيلك غير جيلى»، ويعيّره بأنه جيل «الإسبونش بوب»، وهو جيل «صراع العروش».. كل هذا يذهب بنا إلى موضوع المقال، بأن طباع الشعوب متغيرة وغير ثابتة، وأسجل اختلافى مع جمال حمدان وحديثه عن الشخصية المصرية ومحاولة وضع ثوابت، ربما كان يسجل زمنه، ولكن بالتأكيد هناك تغيُّر.


ربما كان تكافل ومروءة الشعب المصرى فى عصور بسيطة، وكان مجتمع المزارعين هو الأغلب، ومجتمع المدن تغلب عليه الجذور الريفية التى لا ينفك عنها ومرتبط بثقافتها، كان فى هذا الوقت هناك تدين بسيط قائم على الأخلاق فى المقام الأول، ثم العبادات فى المقام الثانى، فربما لم تكن المساجد عامرة كما هى عليه الآن، ولكن أخلاق المروءة والإيثار والتراحم والتكافل متجذرة، دون تعميم، فلا يوجد مجتمع مثالى ولا يوتوبيا فى أى عصر، ولكننا نتحدث عن السلوك الغالب على المجتمع، بالتأكيد كانت هناك طائفية، ولكنى أعتقد من شهادات الآباء أنها كانت أقل، فقد كان عمِّى يحكى لى فى المجتمع الريفى، كيف كانوا يذهبون إلى القسيس فى القرية المجاورة، لأنه كان ماهرًا فى الطب البدائى المعتمد على الأعشاب والوصفات البلدية، وكذلك معالجة الكسور وآلام الرقبة والظهر، وكانوا يستشيرونه فى ما يصيب مواشيهم من وعكات، وهى رأسمالهم الأساسى فى هذا الوقت، وكانت المعايدات وتبادل التهانى قائمة، ولم يكن يجول بخُلد أحدهم أنه سيأتى وقت يتحدث فيه الناس عن جواز المعايدة، ولذلك فإنى أسجل تحفظى ورفضى لهذا المتن الذى جعل الإسلام يُبنى على خمس، وهى الشهادة والعبادات، قناعتى أن هذه روايات مكذوبة، وأن العبادات هى شىء مهم فى الدين، ولكن الأخلاق مقدمة على العبادات.
 

جاءت الهجمة الوهابية فى السبعينيات بتوافق سياسى، ليقول الرئيس، وقتها، أنا رئيس مسلم لدولة مسلمة، ليقول فى النهاية لا سياسة فى الدين ولا دين فى السياسة، لتُنهى حياته. كان تديُّن الشعب المصرى أخلاقيًّا قبل أن يكون عباديًّا، كان تديُّنًا قلبيًّا، فعندما تحول الشعب إلى التدين النقلى، وتم النقل من أحط عصور الحضارة الإسلامية وأكثرها تعصبًا، ليحول المجتمع إلى مجتمع متعصب بطبعه، رائحة الطائفية تملأ فناءه الداخلى، عبارات أغلب الناس وتعبيرات وجوههم وضحكاتهم اللزجة للآخر المغاير فى الطائفة أو الدين، ليس فقط المنتمون إلى التيارات المتشددة، ولكن تصدرهم المنابر ودعايتهم الكاذبة عن الآخر ملأت الأجواء بهواء طائفى ملوث، فالذين يخرجون لمنع المسيحيين من الصلاة فى كنيسة أو فى أحد الدور ليسوا المتطرفين ولكنهم عموم الناس فى القرى الذين يرون فى بناء كنيسة فى قريتهم كأنه هتك عرض أو قضية شرف تسيل من أجلها الدماء.
 

مشهد ربما يكون منتقدًا، وهو احتضان شاب لصديقته فى المنصورة وانتشاره على السوشيال ميديا كان سببًا فى فصلها من الجامعة، حتى تدخل شيخ الأزهر لتخفيف العقوبة عنها!

 

إنها المزايدة على التديُّن وعلى الأخلاق، فى مجتمع كشف سوءته القياس الغربى الدقيق للمواقع الإلكترونية، إنه من أكثر الشعوب ولوجًا إلى المواقع الإباحية، كثيرًا ما يتبادل الشباب والكبار الفيديوهات الإباحية بمستوياتها المختلفة، السوفت والهارد، سواء فى مواقع العمل أو فى مواقع الدراسة، لا توجد جامعة أو معهد فى مصر إلا وتوجد بها أماكن تسىء إلى سمعتها، بسبب توارد المحبين إليها وتبادل النظرات والكلمات والهمسات، وربما أكثر من ذلك، ولسنا فى مجال التقييم الأخلاقى لهذه الممارسات، بالتأكيد مشهد احتضان الشاب للفتاة كان علنيًّا وبسيطًا، وربما كان التصوير والنشر فيه رعونة الشباب، ولكن العقوبة كانت أكبر من الحدث، هل كان الفعل فى ذاته هو السبب، أم انتشاره على السوشيال ميديا؟ أم لأن الفتاة أزهرية؟ فكانت المزايدة هى سيدة الموقف.. التعليقات على الخبر فى أغلبها الأعم مبتهلة، كل منهم لا يلقى بحجر واحد ولكن بأحجار متعددة، وكل واحد فيهم يحمل فوق رأسه عشرات الخطايا وليست خطيئة واحدة.

 

الموجة الأخيرة من التطرف والوهابية جاءت عقب هزيمة 67، وصعدت الشعارات الصحوية على ألسنة الغزالى والشعراوى وعمارة، وقبلهم سيد قطب، وكانت رد فعل على الهزيمة، وتلقفتها شعوب مهزومة نفسيًّا من جراء الهزيمة القاسية، وصعدت شعارات الغرب الصليبى مرة والغرب اليهودى مرة والغرب الصهيونى مرات، وعبارات ملهبة لمشاعر الجماهير المنسحقة، إنها حرب على الإسلام وضرورة العودة إلى الإسلام، ولأنها ظهرت تحت شعار الطهورية، فقد لجأت إلى الانتقائية التاريخية، حتى لا تجرح تلك الطهورية المزعومة، وظلت تختزل وتنتقى، حتى انحسرت فى الفترة النبوية الأولى والفترة الراشدة، حتى هذه الفترة طغت الصورة الطهورية بالثورة على عثمان وبمعركة صفين والجمل فجرَّموا وحرَّموا الحديث فى تلك الفتنة، هذه فتنة عفا الله منها سيوفنا، فلنعفى منها ألسنتنا، ونجحت الفكرة وانتشرت كالنار فى الهشيم، فى مجتمع مأزوم، الإسلام هو الحل، فشلت الشيوعية وفشلت الرأسمالية، حان الوقت لقدوم الإسلام، شعارات بلا مضمون حقيقى على الأرض، رفضوا الحديث عن التفاصيل، لادعائهم بشمولية التشريع الإلهى، والتفاصيل ستكون بشرية بامتياز، ظهرت فى مشروع التشريع القضائى فى الإسلام لعبد القادر عودة، وبما يحتويه من عنف الفقهاء وقتل المرتد ومقاتلة المغايرين، وأن لا يقتل مسلم بكافر، وأن المسيحى المقتول ليست له دية كاملة، ولكن نصف دية وثُلث دية، وفى النهاية ادعوا أنهم صاغوا تقنين الشريعة الإسلامية فى خمسة مجلدات، وفى مرة فى سبعة مجلدات، أكدها الدكتور محمد عماره فى حوار فى «المصريون»، وأكدها أحد شيوخ الأزهر فى إحدى الحلقات التليفزيونية فى نوفمبر 2018، وأنها مودعة فى مكتبة مجلس الشعب، وكان فى حضور النائب سعيد حساسين، قُلت له على الهواء: أتحدى أن تخرجوا تلك المجلدات للمناقشة والاشتباك معها، ولم تخرج حتى الآن، وقد قال الدكتور عمارة فى حواره مع «المصريون» إن هناك مئة عالم اشتركوا فى صياغتها، وإذا كانت إلهية وقادمة من السماء، فلماذا احتاجت إلى مئة عالم؟! إنها ليست أرضية فقط، ولكنها ستعود بنا إلى عصور الانحطاط التاريخى لتخرج سوءاته.
 

الأوضاع تتغير والعالم يتغير، والجدل القائم فى مراكز البحث الغربية الآن، هل العنف الإسلامى يخص فئة انحرفت بالنصوص وتأويلاتها، أم أنه كامن فى النصوص ذاتها؟ الرؤية التى يقدمها حامد عبد الصمد الذى كتب كتابه «الفاشية الدينية»، كتبه بالألمانية وتُرجم لعدة لغات، وغيره من الباحثين الغربيين، على أن التطرف كامن فى النصوص ذاتها. السياسيون يرفضون هذا التفسير بشكل سياسى، لأنه سيضرب السلام الاجتماعى فى المجتمعات الغربية فى الصميم، لأن أعداد المسلمين تتمدد وتتزايد، بسبب الهجرة، سواء الشرعية أو غير الشرعية، ومعدلات التناسل العالية فى المجتعات المسلمة، على حساب الأصول الأوروبية التى تتراجع معدلات نموها السكانى لأسباب ثقافية معقدة وارتفاع مضطرد فى عداد الملحدين من أصول غربية مسيحية.
 

إلى ماذا سيذهب بنا المستقبل؟ ربما يحتاج إلى مقالات أخرى لمحاولة استشراف المستقبل وعلاقة الإسلام بالغرب وعلاقته بالآخر.
 

تصريحات بومبيو الأخيرة فى القاهرة، الذى انتقد كلام أوباما علنًا بأنه قال إن التطرف الإسلامى لا ينبع من أيديولوجية، وأعلن أنه مسيحى من الكنيسة الإنجيلية، وأن الكتاب المقدس مفتوح على مكتبه دائمًا، بما يعنى أن التطرف الإسلامى مؤدلج، وهذه تجليات الصراع الفكرى فى الغرب الآن.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.