رواية الانغلاق العربى فى باريس

احمد مجدي همام



رواية الانغلاق العربى فى باريس



ثمة ذات متشرذمة ومتشظية، منقسمة على نفسها والآخرين، على الوطن والمهجر، حاول الروائى التونسى الحبيب السالمى تقديمها فى روايته الأحدث «عواطف وزوارها» الصادرة عن دار الآداب فى بيروت، فعبر 288 صفحة من القطة المتوسط يحكى السالمى عبر صوت بطله «المنصف» حكاية مجموعة من الأصدقاء العرب فى باريس، يلتقون فى شقة «عواطف» المصرية.


الرواية منقسمة إلى 35 فصلًا، يحمل أولها اسم «أكره كلب عواطف»، ومن خلاله يرسم السالمى شخصياته، فهناك مريم التونسية المتحررة، والتى تعانى من ابنها المراهق الذى جنح للتطرف وصار يطالبها بأن تهجر عشيقها الفرنسى لأن أفعالهما تقع فى نطاق الزنى فى الشريعة الإسلامية، وهناك رياض الفلسطينى المثقف المِثْلى الذى، رغم إلمامه التام بتاريخ القضية الفلسطينية، بل والأوضاع فى كل البلدان العربية، لا يهتم بتسييس السهرات ولا يعرج كثيرًا على القضايا الكبرى، وكذلك سنجد الفنان المغربى إدريس، الذى يراوح بين الميل للرجال والميل للنساء، وأخيرًا هناك المنصف، مدرس الكيمياء التونسى العامل فى ثانويات باريس، زوج بياتريس، ووالد سونيا، والراوى المتورط فى سرد قصته وقصص كل الأسماء السابقة.


هذا الراوى المركزى، يوزع ذاته وصوته على نفسه وعلى الآخرين، يحكى حكايته وبالمثل يحكى حكايات باقى الشخصيات، وكل الأسماء السابقة تدخل فى مجموعة علاقات من الثنائيات والثلاثيات، وتنخرط فى حركة ديناميكية لا تهدأ، ما يعكس حالة الانشطار التى يعانيها عرب أوروبا على مستوى الهوية، فعلى الرغم من وجود كل هؤلاء فى مجتمعات مفتوحة لا تلعب دور الوصى على أفرادها، إلا أنهم ينغلقون على ذاتهم العربية، فالمنصف المتزوج من فرنسية ينعزل عنها بالوقت لصالح أصدقائه العرب، وعواطف وعلى الرغم من عيشها بباريس إلا أنها تقع فى ثلاث علاقات متعاقبة مع جزائرى ثم تونسى ثم مغربى..

وهكذا تسير أحداث الرواية لترسم «جيتوهات» صغيرة إن صح التعبير، يفضلها عرب باريس عن الانخراط الكامل فى الثقافة الغربية.


من ضمن الثنائيات المبثوثة فى العمل تحضر ثنائية علاقات الرجل/ المرأة، الرجل/ الرجل، العربى/ الأوروبى، العربى المشرقى/ العربى المغربى، باريس/ قرية العلا بجنوب تونس.. شظايا ومرايا متناثرة ترسم شخصيات وحكايات متداخلة، إلا أنها فى النهاية تعود لراوٍ واحد «المنصف» هو فى حد ذاته عبارة عن مجموعة من الشظايا، فالمنصف مشغول بعمله كمدرس، ببنته نصف التونسية نصف الفرنسية صاحبة الأسئلة المراهقة حول الهوية، وبزوجته بياتريس المخلصة والمخدوعة، بعشيقته عواطف، بباقى أفراد الشلة، وبأخته التى تراسله من تونس لتحثه كى يحفر قبرًا خاصا به فى مدافن الأسرة!


يضخ السالمى، عبر فصول روايته، نوعًا من السخرية الخافتة والخفيفة، مفارقات تتخلل عالما من العلاقات، فيقدم مثلا شخصية «بوعلام» طليق عواطف، الذى يهجم على سهرات الشلة من حين لآخر ليطارد المنصف عشيق عواطف، وعلى الرغم من كارثية وضع بوعلام، الذى هرب من الجزائر بعد أن قتل الإسلاميون أخاه، وبعد أن هددوه بالذبح، إلا أن الزاوية الكوميدية التى يطل منها، وكذلك النظرة المشفقة والمتعاطفة من المنصف تجاه الشخص الذى يطارده، يصنعان مفارقة مضحكة، مفارقة ليست الوحيدة على امتداد الرواية، ولعل المفارقة الأبرز والتى تكاد تجسد جوهر العمل، هو انغلاق هؤلاء العرب ومعاناتهم من أزمات على مستوى الهوية فى حين هم يعيشون فى باريس مدينة النور.


الإيروتيكا ملمح رئيسى فى الرواية، والسالمى يبرع فى التوصيف البصرى لها، وكذلك السبر النفسى للحظات الحميمة، لكن الجيد فى الأمر هو أنْ لا مشهد جنسيًّا واحدًا غير مبرر فى «عواطف وزوارها»، وكأنما يتكئ السالمى فى طرحه للعلاقات الجنسية على رمزية تاريخية مستقاة من الميثولوجيا الإنسانية عمومًا، ففى الأساطير الإغريقية «إيروس» رمز وقد جعل منه علم النفس رمزًا للرغبة والحياة.

أما نقيضه «ثاناتوس» وهو الموت، فقد صار يرمز إلى العدم وإلى كل ما يؤدى إلى الفناء والهلاك. وحتى على مستوى العلاقات المثلية «رياض/ إدريس» جاء الجنس ليدلل على بدايات انعتاق، فالفلسطينى المشغول بتاريخ قضيته الوطنية لا يأتى على ذكرها بقدر ما يبدى حبًّا لإدريس، وهذا الأخير أيضًا تكون التجربة المثلية العابرة فى حياته بمثابة بوصلة تدله على طريقه، فيهجر «رياض» ويخطب «عواطف».


فى النهاية يبقى المنصف وحيدًا، بعد أن هجرته عواطف، فيعيش منعزلا نفسيا عن زوجته، ومثلما بدأت الرواية بكلب عواطف انتهت بالمنصف وهو يداعبه «عندما توقفت عن مداعبته فتح عينيه ورفع رأسه كأنه يحثنى على العودة إلى مداعبته. عندئذ أمسكت برأسه. وبدافع قوى انحنيت عليه ورحت أقبل خطمه البارد» ص 287، ويبدو أن الروائى، بهذه النهاية التى تعانق البداية وكأنما أراد أن يقول إن الحياة رحلة تبدأ وتنتهى، فلا تشغل بالك بأمورها العارضة، وعِش.



أقرأ أيضا