الدواعش الألمان فى القاهرة

طارق أبو السعد



الدواعش الألمان فى القاهرة



ألقت السلطات المصرية القبض على شابَّين ألمانيَّين (رحَّلت الاثنين)، المدهش أن الشابَّين من أصول مصرية، والسلطات المصرية أكدت أنهما من معتنقى الفكر الداعشى وأنهما كانا فى طريقهما للانضمام إلى «داعش» فى سيناء، وذكرت السلطات أنها عثرت على خرائط لمحافظة شمال سيناء بحوزة الشابَّين، هما محمود عبد العزيز (23 عامًا) وعيسى الصباغ (18 عامًا). وحينها أعلن متحدث باسم وزارة الخارجية الألمانية، أن سفارة بلاده فى القاهرة على تواصل مع السلطات المصرية، للوقوف على حقيقة ما حدث للشابَّين، وأنها تتابع عن كثب تطورات الحادثتَين.

 

القصة لا جديد فيها، فمعلوم ومن زمن أن «داعش» يضم بين صفوفه جنسيات مختلفة، لكن ما الجديد؟
 

الجديد أن هذين الشابَّين أحدهما لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره، والآخر لم يتخطَّ الرابعة والعشرين من عمره! فكيف اعتنقا الفكر الداعشى؟! ومَن جنَّدهما؟! وما الظروف التى جعلتهما يخاطران بعمريهما وحياتيهما ومن ثَمَّ الانضمام إلى «داعش»؟! إنهما يحملان الجنسية الألمانية ويعيشان بشكل طبيعى فى مجتمع ديمقراطى، فلماذا يضحيان بهذه المكاسب التى يدفع آلاف من الشباب أعمارهم غرقًا فى البحر ليحصلوا على نصف ما حصلا عليه.. فكيف بدأت القصة؟
بدأت فى عام 2013، وفى شهر أغسطس أعلن «داعش» عن نفسه وأصدر البيان الأول له، قبيل هذا التوقيت كان أعضاء جماعة الإخوان المسلمين يستعرضون فتيانهم فى طابور سمَّوه مشروع شهيد فى تجمع رابعة، لم يكن صبية الإخوان يتجاوزون الثالثة عشرة من عمرهم وربما أقل، وفى الوقت نفسه كان عيسى محمد عبد الغنى الصباغ وهو أحد الشابَّين المتهمَين بالانتماء إلى «داعش» يعيش فى مدينة درسدن الألمانية، وكطفل لم يعِ ما يحدث، فكان يشاهد المظاهرات بعيون فتى لم يكتمل وعيه، فتأثَّر كثيرًا بالحديث عن الجهاد والجنة والحور العين، وربما تمنَّى أن يكون مشروعًا ضمن مشروعات الشهادة المزعومة، وعيسى الصباغ صبى مصرى الأصل تنازل والده عن الجنسية المصرية من أجل الحصول على الجنسية الألمانية، فى عام 2007، وكمصرى ظل الحبل السرى بين أُسرة الصباغ ومصر متمثلًا فى متابعة الأخبار عبر التليفزيون، ومنه شاهد الفتى وسمع، شاهد تجمُّعًا للإخوان يهتفون باسم الدين ويزعمون أن قتلاهم فى الجنة وقتلى الدولة المصرية فى النار، شاهد وسمع شيوخًا أطالوا اللحى وقصروا أثوابهم تشبهًا بالصحابة وتقربًا إلى الله، فظن أن هؤلاء على حق وأن جنود الدولة على باطل، شاهد وسمع وتفاعل، فلما كبر لم ينسَ ما سمعه وشاهده، وظلَّت أحاسيسه ووجدانه تتشوق إلى الجنة وملاقاة الرسول الكريم على الحوض والاستمتاع بحديث الصحابة، ولا ننسى وعد الشيوخ للمتطرفين بالجنة، وما زالت أصداء المتحدثين من على منصة رابعة وهم يصفونها بأنها أرض الجهاد وأن جبريل والملائكة ينزلون إليها لينصروا مرسى، ولم ينسَ قط ادّعاء المتحدثين بأن ما يقومون به من تخريب إنما هو فى سبيل الله، كبر الفتى شيئًا فشيئًا وما زالت أحاسيسه كما هى، وتلقته أيادى التكفيريين، وكان قد تجهز تمامًا لتقبُّل الفكر الجهادى الداعشى، فآمن بأفكارهم واقترب منهم عبر مواقعهم الإلكترونية، وربما يكون قد التقى بعضًا منهم فى ألمانيا، فالدواعش الألمان ظاهرة واضحة للباحثين يجب تناولها بالدراسة الدقيقة، فعندما يصرَّح بيتر فرانك المدعى العام الاتحادى فى ألمانيا فى يناير 2018، بأن عدد الألمان المستمرين فى القتال إلى جانب تنظيم داعش الإرهابى قرابة 600 شخص، فهذا يعنى أن «داعش» له قاعدة قوية جدًّا تمكنت من ضم تلك العناصر وترحيلها إلى أرض المعركة فى العراق وسوريا وربما فى ليبيا أيضًا، وفى التصريح نفسه نجده يقول إن قرابة ألف ألمانى قد سافروا إلى سوريا والعراق وإن هناك أكثر من 100 طفل ألمانى معظمهم من الرُّضَّع، وهم من أبناء المقاتلين الألمان الذين انضموا إلى «داعش» وأن الدولة تسعى إلى استعادتهم مرة أخرى، فهذا يجعلنا نتوخَّى الحذر أكثر من ذى قبل، ولا نعتبر أن «داعش» أو الإخوان هم بديع أو أبو بكر البغدادى، بل سيكون لدينا جيل جديد من الدواعش من ذوى الثقافة الأوروبية الحديثة، وهم أكثر شراسة وأكثر وأصعب حدة.

 

وعندما نعلم أن نحو 300 فرد داعشى قد عادوا من سوريا والعراق إلى ألمانيا، فيجب أن تدق السلطات المصرية ناقوس الخطر، وأن تتخلص من طرقها الأمنية العتيقة وأن تعلن حالة الطوارئ والتدقيق فى كل شخص قادم مع وفود سياحية، مخافة أن يندس بينهم دواعش يدخلون مصر تحت ستار السياحة، ثم فى لمح البصر يلتحقون بتنظيم داعش فى سيناء، أو يقومون بمهمات قذرة ضد منشآت ومواطنين بسطاء.

 

لهذا من حق الدولة أن تشتبه فى أى فرد يؤمن بالأفكار الداعشية، وأن تعمل على الوقاية التى هى خير من العلاج ألف مليون مرة، والسلطات المصرية لم تتجاوز عندما قامت بتوقيف الصباغ وشاب ألمانى آخر كمشتبهَين فيهما، لأن السلطات الألمانية ذاتها اعتقلت عددًا من الشبان الألمان، وداهمت مسجدًا وشققًا سكنية وعددًا من مكاتب جمعية «الدين الحق» فى 10 ولايات ألمانية، للاشتباه فى تجنيدهم مقاتلين لصالح تنظيم داعش.
 

على الرغم من أن هذه الجمعيات وهؤلاء المواطنين الألمان لم يكونوا يخططون لعميات فى داخل الدولة الألمانية، فما بالك بمصر التى اصطلت بنار الإرهاب، وتم تفجير طائرة روسية بركابها، ليتم ضرب السياحة، فتم، وضعف الدخل من السياحة وخربت بيوت كثيرين، فهل يُعقل أن يمر مشتبه فيه، أى مشتبه فيه، إلى «داعش»، ليزيدهم عددًا ويزيد من قدراتهم؟! لماذا نستبعد أن يكون عيسى الصباغ قد وقع فى أيدى أحد من تلاميذ «أبو ولاء» العراقى، رجل «داعش» فى ألمانيا، والذى يتعرض للمحاكم الآن بتهمة إنشاء شبكة تجنيد لحساب تنظيم «الدولة الإسلامية» للقتال فى سوريا والعراق؟! مع العلم أن السلطات الألمانية ألقت القبض بالفعل على شبكة للتجنيد لصالح «داعش» فى 21 نوفمبر 2017 فى مدينة فرانكفورت، معظمهم من حديثى السن فى مثل عمر الصباغ ومن جنسيات عربية أو من أصول عربية، وتم القبض على المشتبه بهم خلال حملة تفتيش ومداهمات شملت ثمانية منازل فى مدن كاسل وهانوفر وإيسن ولايبزيج.
 

إن ما حدث مع الشابَّين الألمانيَّين، ومحاولة انضمامهما إلى التنظيمات الإرهابية فى سيناء، يؤكد أن المعركة لن تنتهى وأن التنظيمات الإرهابية تسعى إلى استقطاب المزيد من المقاتلين، وأنهم يعتمدون على الخطاب الإسلامى، سواء أكان الشعبى أم الرسمى أم التنظيمى الذى يمنِّى الشباب بالجنة أو الذى يقنعهم أن الانضمام إلى الجماعات الإسلامية هو سبيل لرضا الله.
أمر آخر على هامش الشابَّين يجب الانتباه إليه وهو أبناء المقاتلين الذين قتلوا فى العراق وسوريا أو فى سيناء أو فى ليبيا، هؤلاء قنابل موقوتة أو مشروعات قنايل تفجيرية، لا أحد يعلم متى ستنفجر، فهم سيحلمون بالعودة إلى موطنهم (دولة الخلافة)، ولن ينسوها.

 

هل تعلم صديقى القارئ أن أكثر من 150 طفلًا ألمانيًّا عالقًا فى سوريا والعراق وفى السجون سواء أكانوا مع أمهات أم مع أسر تكفلهم، الأمر يحتاج إلى أكثر من التهكم على «داعش»، القصة كبيرة وتحتاج إلى مؤسسات واعية بما تقوم به وليس مجرد موظفين.
 

يا سادة يا كرام، متى ندرك أن القضاء على «داعش» ليس مجرد أمنية فحسب، وأنه ضرورة قومية؟! والخطر ليس مقصورًا على شباب مصر، الموضوع أكبر من المعالجة الأمنية وأكبر من حدود مصر الإقليمية.. وعلى الله قصد السبيل.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...