عبد المنعم سعيد يكتب: الأمير والأمين.. «على بن أبى طالب»

عبد المنعم سعيد



عبد المنعم سعيد يكتب: الأمير والأمين.. «على بن أبى طالب»



مرة أخرى يُدهشنا الأستاذ إبراهيم عيسى بقدراته الفذة والمتعددة فى روايته الجديدة «حروب الرحماء» التى على غلافها الأخير يأتى القول: «رحلة الدم لم تنتهِ إذن. بل إن الدم أكثر وأغزر. لم تكن أبدا فتنة، بل أعمق وأخطر». هى كذلك فعلا، أما قول ابن عديس المتكرر فى «رحلة الدم» عن ذلك الصراع المصيرى بين «الرسالة والإمارة»، فإنه يأخذ صيغة أخرى لذلك التوتر الكامن فى شخصية الخليفة الرابع على بن أبى طالب- كرم الله وجهه- بين أن يكون أمينًا على الرسالة، وصحبته لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأن يكون أميرا للمؤمنين يقود أمة، تباينت مصالحها وطموحاتها، وكانت المنافسة فيها تصل كل مرة إلى حد السيف.

 

وعندما درسنا «الفلسفة السياسية» على يد البروفيسور «مورتون فريش» فإنه حثنا على البحث فى الكتب العمدة عن الفقرة التى تقع فى مكان ما من العمل، ولكنها توضح «الحلقة الجوهرية» التى تقدم رسالة الموضوع.

 

وهذه وجدتها ليس على لسان البطل «على بن أبى طالب» أو المنافس «معاوية بن أبى سفيان»، وإنما كانت قادمة من ناحية الداهية عمرو بن العاص على الوجه التالى: «مشكلة عمرو بن العاص معك يا على الأمير لا على الأمين، عمرو لا يكره ولا يحب أصلا، فالثمانون عاما التى عاشها علمته أن العاطفة ضعف، حين تنزل حلبة الحرب، وأن الحب والكره آخر ما يحتاج إليهما المحارب والمفاوض والقائد. لو أراد أن يسمع ابن أبى طالب نصيحته فها هى، وليته ينصت: أنت فارس يا على، وإمام الصحابة، وولى نبيك، وقد تكون أمير المؤمنين حقا، لكن لست أميرا للناس، للبشر، أنت تحتاج إلى مؤمنين تقاة لتتأمر عليهم، لكن العوامّ والدهماء والطامحين والطامعين والجنود والولاة والعصاة والفجار والمترددين والأعراب والقبائل والعشائر والتجار والخصوم والأعداء وبيت المال وفرض الخراج وجلب الجزية يحتاجون إلى أمير للسياسة».

 

من الناحية الشكلية فإن الرواية الجديدة تمضى فى طريق الرواية القديمة، حينما تمضى بعد المقتل الوحشى للخليفة الثالث عثمان بن عفان الذى بدأت معه «الفتنة الكبرى» بين من يريدون الثأر لمقتله، وهؤلاء الذين يرون أن القضية فى الحكم ليست للثأر، وإنما لولاية المسلمين من قبل الأحق بها، ومن هو أحق بها من ابن عم الرسول، وزوج ابنته، وصاحبه التقى الورع الأمين؟!

 

وهكذا تأخذنا الرواية فى ذلك التناقض الدرامى الذى يضع القارئ فى حالة من التوتر المستديم بين ما هو متأكد من معرفته، وبين تمنياته ألا يقع ما هو حتما سيقع. هنا تبدو لغة إبراهيم عيسى كما لو أنها تأخذ وظيفة كبيرة فى تعميق هذا التوتر حتى تكاد تنقل الدماء السائلة، والجروح الغائرة، والنفوس المرتاعة، والصرخات الفزعة، والأطراف المقطوعة إلى عيون وآذان من يقرأ، كما لو كانت حاضرة توًّا بالصوت والصورة. فهو لا يكتب وصفًا، وإنما ينحت كلمات يؤكدها بمترادفات كثيرة لا تعنى أبدا التكرار، وإنما كما لو كانت عينًا لكاميرا تأخذ الأمر من كل الزوايا بما فيها من نور وظلال.

 

ولكن الأمر لا ينتهى عند السرد القصصى لتوالى الأحداث، وإنما سَرعان ما تتبدى الإشكالية الكبرى المحيرة على مدى التاريخ الإسلامى، بل إنها المحيرة أكثر فيما هو حاضر. قبل ذلك، أو نقطة الانطلاق الكبرى، هى أن «الفتنة الكبرى» تجرى فيما بين «المعصومين» المبشرين بالجنة، وصحابة رسول الله، وكتاب الوحى، وقراء القرآن، ومن شهدوا بدرا؛ وبين هؤلاء جميعا يتأرجح السؤال الموجع عمن هى «الفئة الطاغية».. وهل هى الفئة التى قتلت الصحابى «عمار بن ياسر» حقا، أما أنها تلك الفئة التى جعلته يدخل معركة خاسرة؟!

 

لن يعلم أحد حقيقة وجوهر دين الإسلام قدر هؤلاء الذين تحن لهم الأفئدة بين المسلمين أو الإعجاب، فمن لم يعجب بمعاوية وعمرو بن العاص وكل من نشروا مجد الإسلام فى مشارق الأرض ومغاربها؟ إبراهيم عيسى يحاول أن يكون عدولا تاريخيا، على مسافة واحدة من كل الأطراف، ربما كان هناك حنين خاص لأهل البيت من بنى هاشم، ولكن العقل يذهب بعيدا إعجابا بالهندسة السياسية لبنى أمية. وفى الحالتين فإن معركة الجمل التى خاضتها «أم المؤمنين» عائشة بنت أبى بكر ضد عليا، ثم معركة صفين بين على ومعاوية، ومن بعدها التحكيم الذى كان نجماه أبوموسى الأشعرى وعمرو بن العاص، وتتداخل مع كل هذا الوطيس جماعات «القراء» للقرآن التى وقفت مع الجانبين، كما وقفت مع تحكيم الكتاب ثم رفضته، وفى كل الأحوال فلن تكون متأكدا من حدوث ما تقرؤه قبل خمسة عشر قرنًا، وإنما سوف تقفز إلى الصورة جماعات «داعش» مرة و«القاعدة» مرة أخرى، وجماعة الإخوان المسلمين فى كل الأوقات. ولعل القول بأننا لا نكتب أبدا تاريخًا، وإنما فى الحقيقة نكتب دومًا عن الحاضر، فيها قدر غير قليل من الصحة والصواب.

 

الظن هو أن إبراهيم عيسى وهو يدلف بنا بين قتل الخليفة عثمان الذى فصله تفصيلا دقيقا فى المجلد الأول من «القتلة الأوائل»، ويشير لنا دون تفصيل إلى مقتل أمير المؤمنين على بن أبى طالب دون تفصيل لعله يؤجله إلى المجلد الثالث، وما بين مقتل ومقتل- يعطى الجرعة الكاملة لمقتل الزبير بن العوام، وطلحة، وعمار بن ياسر ومالك الأشتر، وبينما يفعل ذلك فربما يضع أيادينا على الخطوة الأولى فى تجديد الفكر الدينى.

 

فلا يمكن أن يكون التجديد فقط بإعادة التفسير بالوسطية والاعتدال، بدلا من التطرف والغلو، دون أن يكون ذلك مَقِيسًا على واقع بشرى يتدافع فيه الناس، ويكون كل منهم أعلم بشؤون دنياه بشكل يختلف عن الآخر. لن تكون هناك أمثلة وعبر نقية وصافية إيمانًا ودينًا أكثر مما قدم من المبشرين والصحابة، ومن نأخذ عنهم نصف ديننا أو كله، ولكن هؤلاء كانوا يواجهون خيارات محددة فى واقع بشرى محدد، ليس فقط بالأطماع والطموحات، وإنما أيضا بما فيه خير المسلمين وفق قدرات مادية ومعنوية وفنية بعينها. تعالوا ننتظر المجلد الثالث، فهؤلاء هم فقط أوائل القتلة.

 

نقلًا عن «المصري اليوم»



أقرأ أيضا

البلد

عرب 2019.. ما الذي يجمع هذه الشخصيات الـ12؟

وجوه جديدة فى السلطة بتونس والسودان، ووجوه أخرى تغادر المسرح فى لبنان والعراق، فى حين ينتظر الجزائريون حسم السباق الرئاسى لخلافة عبد العزيز بوتفليقة. وجوه ثالثة تترك المشهد بالقوة، تمامًا كما دخلته بالقوة، مثل أبى بكر البغدادى.
البلد

عرب 2019.. بين النفوذ الإيرانى والأطماع التركية.. حراك شعبى يفاجئ الجميع

بين سندان النفوذ الإيرانى ومطرقة الأطماع التركية، شهدت شوارع عواصم عربية حراكـًا شعبيًّا فرض كلمته فى نهاية المطاف، وانتخابات رئاسية أفرزت وجوهـًا جديدة، وصراعات سياسية ثقيلة مرشحة لأن تطل برأسها فى عام 2020. كانت رياح التغيير قوية، فى حين وجدت الاضطرابات طريقها إلى مدن وعواصم عربية مختلفة. فى المقابل، أثبتت الاحتجاجات القوية فى العراق ولبنان أن النفوذ الإيرانى فى العواصم التى كان يتباهى بالسيطرة على مفاصل القرار فيها، صار مهددًا إلى حد كبير.  
فن

ضحكات الجوكر فى مواجهة عنف «سكورسيزى»!

خطف جوكر فيلم المخرج «تود فيليبس» الأضواء من أغلب أفلام العام، وهو فيلم تجارى ميزته الأكبر هى أداء «واكين فينكس»، وقد نجح تجاريًّا فى دخول نادى المليارات، وعلى مستوى الدراما يصور الفيلم بدايات شخصية الجوكر، أكبر أعداء «باتمان»، وعلى عكس التوقعات لم تكن أحداث الفيلم مغامرات قاتل ميت القلب، يضع ماكياج مهرج...
يرحمكم الله

الإسلام السياسى فى 2019 وحصاد المر

اتسم عام 2019 بالازدواجية، فهو عام الهزيمة والانتصار للإسلام السياسى، عام الموت لقيادات تاريخية وعام ميلاد قيادات أخرى. حصاد مربك ومرتبك، لا تملك اعتباره عام هزيمة الإسلام السياسى، لأن تنظيم الدولة انهزم ورحل من سوريا والعراق، ففى أسابيع كانت قوات «داعش» تتدفق على مالى وأفغانستان.
البلد

مسلسل العام.. «ثلاثة عشر سببًا» للانتحار.. ما السر وراء أكثر مسلسلات «نتفليكس» مشاهدةً فى مصر والعالم العربى؟

يبدأ هذا المسلسل المثير للجدل ببداية «واقعية» غير مسبوقة ربما فى تاريخ الأعمال الدرامية. إذ يظهر الأبطال من المراهقين بشخصياتهم الحقيقية فى مشهد «تحذيرى» صريح يمتد إلى خمسين ثانية، قائلين إن المسلسل هو «من وحى الخيال»، لكنه يعالج مسائل واقعية صعبة، مثل قضايا الاعتداء الجنسى وتعاطى المخدرات و«الانتحار»، وما هو أكثر من ذلك، متمنين أن يساعد المسلسل المشاهدين بالبدء فى الحديث عن مشكلاتهم.
يرحمكم الله

البخارى يرد البخارى فى أحاديث الغيب

لماذا اختلف البخارى ومسلم فى صحة الرواية عن الخوارج؟ هل كانت السُّنة ستضيع لو لم يقم البخارى وغيره بتدوين الأحاديث؟ هل أحاديث البخارى مسلمٌ بها حتى لو خالفت العقل والمنطق؟ هل مصطلح الحديث الصحيح يفيد اليقين بأنه قول النبوة؟
تأملات

هل يصاب المؤمن بالاكتئاب؟

عبارة وردت على لسان الدكتور مصطفى محمود، رحمه الله، مفادها أن الإنسان المؤمن لا يُصاب بالاكتئاب، لأن إيمانه بالله يحميه من الاكتئاب. وقد تواترت هذه العبارة كثيرًا على ألسنة كثيرين من علماء الدين والدعاة، وانتشرت بين عوام الناس ومثقفيهم، فما مدى صحة هذه العبارة من الناحية العلمية؟