خالد البري يكتب: الحرب الدائرة على أرضنا ولا نراها

خالد البرى



خالد البري يكتب: الحرب الدائرة على أرضنا ولا نراها



في الاجتماع التحريري الصباحي، طلبت من الزملاء أن نعد موضوعات عن الحرب العالمية الثانية، تماشيًا مع ذكرى انتهاء الحرب.

زميل، خريج سياسة واقتصاد، قال لي: ولكنها لا تخصنا. هذه حرب قوى استعمارية، ثم فاصلًا من المقولات الشائعة عن التاريخ والاستعمار، ونحن وهم.

الشعور الذي سيطر علي في تلك اللحظة كان اليأس من جدوى مناقشة كهذه. الاجتماع الصباحي ليس مجالًا مناسبًا لإعادة رسم صورة العالم، وفلسفة التاريخ والسياسة. لأسباب

 

أولها واضح:
زميلي اختار أن يعمل في مجال متعلق بالسياسة، وبالتالي فمن المفترض أنه على وعي بأهمية التاريخ السياسي، وأهمية النظر إليه عن قرب، وعلى قدر جيد من الإلمام بالحرب العالمية، التي لا نزال نعيش في ظلها وظل ترتيباتها إلى اليوم.

 

وثانيها عام:
أن إحالة كل نقاش سياسي تاريخي إلى نقاش أيديولوجي/ أخلاقي يجعل النقاش السياسي بلا جدوى. الكارثة هنا أنك تفقد مهارات حرفة السياسة، وهذه كارثة وطنية في دول المنطقة لا ننزلها منزلتها، ولا نوليها حقها من أسباب تخلفنا. يتصدر السياسة كتابة وفعلًا من “لا كهربائي ولا يفهم في الكهربا”. مستوى النقاش السياسي بين النخبة في بلادنا يشبه نقاش إسماعيل ياسين حول الطائرة الأسرع من الصوت.

 

أما ثالثها:
فهي إدراكي لحقيقة بسيطة في السنوات القليلة التي عملت فيها في مصر. الموظف قادر على “تبويظ” أي شيء. إن كانت سنوات الدراسة، ثم العمل بالصحافة، لم تجعله يخرج بتفكيره عن الشائع، المنتشر في أحاديث المقاهي، فأي حوار سريع لن يجدي.

لن تنفذ عرض تحطيب بفرقة باليه، ولا عرض باليه بفرقة تحطيب، لمجرد أنك خطبت فيهم عن جمال أيهما. حتى التيكي تاكا، يحتاج نجوم عالميون إلى موسم أو موسمين حتى يتقنوها.

لكن الآن.. وقد مرت سنوات، فهناك مجال لأن أقول ما أردت قوله.

 

زميل المهنة،

دعنا نتفق أولًا على التفرقة بين ما تتمنى لو كان، وبين التحدث عن الوقائع.

السياسة تبدأ من الخريطة، والمعطيات عليها. في حالتنا هذه لا بد أن ننظر إلى الخريطة وقت الحرب العالمية الثانية. بما أننا كنا نتحدث عن مصر، والمنطقة المحيطة، فلن نبدأ من أي مكان. سنبدأ من مصر لنرى هل كان فعلًا الأمر يخصنا أم لا.

 

كانت إيطاليا تحتل ليبيا، وتحتل إثيوبيا. وكانت بقية الساحل الشمال إفريقي تحت سيطرة فرنسا.

 

في بدايات الحرب استطاع هتلر أن يجتاح أوروبا بشكل غير مسبوق. في الشرق، تمدد الجيش النازي حتى حاصر لينينجراد (سان بطرسبرج) داخل الأراضي الروسية. هذا يعني أنه اجتاح بولندا وتشيكوسلوفاكيا وفنلندا والمجر ويوغوسلافيا وأوكرانيا….

وفي الحرب استطاع احتلال فرنسا نفسها. فرنسا، لاحظ.

 

باحتلاله فرنسا، وتمكنه من تعيين حكومة عميلة له، حيد هتلر إلى حد كبير الساحل الشمال أفريقي. دعنا نقول إن السلطة الفرنسية ارتبكت. إلى درجة أن إنجلترا، حليفة فرنسا في الأساس، قصفت الأسطول الفرنسي هناك؛ لأنها لم تأمن في أي جانب من الحرب سيكون، فكان القرار الأضمن تحييده.

 

لدينا إذن في الوقت الحالي:
١- هتلر يسيطر على أوروبا.

٢- حليفه موسوليني يحتل ليبيا ويحتل إثيوبيا.

٣- بقية الساحل الشمال أفريقي تقريبًا محيد.

 

ما الخطوة التالية برأيك؟
الطبيعي أن قوات المحور، إيطاليا في هذه الحالة، ستسعى إلى وصل مستعمراتها في ليبيا وإثيوبيا، وذلك عن طريق اجتياح مصر والسودان. سأحتاج هنا إلى تذكيرك بأن بريطانيا وفرنسا مجتمعتين فشلتا في حماية فرنسا، لكي تدرك كيف كان الوضع صعبًا في تلك اللحظة، فليس مستحيلًا أن تفشل حامية بريطانيا الأصغر، الموجودة في دولة قليلة النفوذ والقوة، اسمها مصر، في حماية مملكة مصر والسودان.

 

بالفعل احتل الإيطاليون سيدي براني، على الساحل الشمالي الشرقي لمصر، وتمركزوا هناك استعدادًا لمواصلة السير، لكن البريطانيين نجحوا في طردهم.

المحور لم يعتبر هذه معركة جانبية، بما يتماشى مع تخيلاتك عن مسار الصراعات السياسية العسكرية، التي تلخصها في جملة أن هذه صراعات دول كبرى، و”ليس لنا دخل فيها”.

الألمان أرسلوا قوة بقيادة نجم صاعد في العسكرية الألمانية، إرفين روميل، لكي يستأنفوا ما فشل فيه حلفاؤهم الطليان. روميل نجح في استعادة سيدي براني، وتقدم تجاه العلمين، على بعد ١٠٦ كيلومترات إلى الغرب من الإسكندرية، و٢٤٠ كيلومترًا إلى الشمال الغربي من العاصمة. وحدثت هناك معركة كبرى، كانت أول معركة ينتصر فيها الحلفاء انتصارًا واضحًا على الألمان.

 

الحرب جاءت على أبوابك إذن، وكان عليك أن تختار سياسيًا: هل تبقى ملتزم باتفاقاتك مع بريطانيا، دولة الاحتلال؟ أم تستغل الفرصة لكي تساعد المحور وتتخلص من القوة الاستعمارية المحتلة؟

حتى وأنت في موقف ضعيف، تصرفك السياسي سيمثل الفارق بين التدهور، وبين تحجيم الخسارة، وبين تحقيق مكسب.

 

هل السؤال سهل؟ لم يكن كذلك. كثيرون أخطأوا الهدف.

 

ثم إن السؤال يتكرر حتى يومنا، وكثيرون يخطئون الهدف.
في مايو من عام ١٩٤١، هرب عزيز باشا المصري مع ضابطين من سلاح الطيران، هما حسين ذو الفقار أفندي وعبد المنعم عبد الرؤوف أفندي، لكن الطائرة سقطت بهم، وتمكنوا من الفرار لمدة ثلاثة أسابيع، حتى ألقي القبض عليهم في يونيو. وفي نوفمبر بدأت محاكمتهم.

 

عزيز باشا المصري كان جنديًا في الجيش التركي أثناء الحرب العالمية الأولى، ثم انضم لصفوف الشريف حسين الذي يطالب بخلافة عربية، قبل أن يختلف معه ويعود إلى مصر. كان المربي الخاص للأمير فاروق، وحين صار ملكًا عينه مفتشًا عامًا للجيش المصري، لكن الإنجليز اعترضوا عليه مع بدء الحرب العالمية وطالبوا بإقالته؛ لأنه لا يلتزم بمعاهدة الدفاع المشترك الموقعة بين مصر وبريطانيا عام ١٩٣٦.

 

عزيز باشا المصري كان الأب الروحي لجماعة الضباط الأحرار، وحلقة الربط بينهم وبين الإخوان المسلمين. زميله في الهروب عبد المنعم عبد الرؤوف كان عضوًا في تنظيم الضباط الأحرار (ولاحقًا في مجلس قيادة الثورة) وعضوًا في جماعة الإخوان المسلمين.

 

في ظل هذه الأجواء، عُقدت انتخابات، وفاز حزب الوفد بالأغلبية. لكن الملك، جريًا على عادته، لم يوافق على تكليف زعيم الحزب مصطفى النحاس بتشكيل حكومة. حاصرت الدبابات البريطانية القصر وألزمت الملك بتكليفه. أذعن الملك. وقبل النحاس باشا التكليف.

وبدأ التحريض عليه بوصفه “خائنا للوطنية”.

 

عضو آخر في تنظيم الضباط الأحرار، أنور السادات، ستحوم حوله شبهات بالمشاركة في اغتيال أمين عثمان، وزير الخزانة في حكومة النحاس، ومهندس العلاقات مع البريطانيين، الذي كان الملك يكن له كراهية خاصة، وصرح أمام رفقائه في رحلة صيد برغبته في التخلص منه.

الحرس الحديدي سيحاول اغتيال النحاس ويفشل.

 

القوى القديمة في مصر، من أول الملك، إلى قادة جيشه، إلى الرعيل الذي رباه هؤلاء، إلى المرتبطين بهم من خارج مؤسسة الحكم، كالاشتراكيين، إلى الإخوان المسلمين، كل هؤلاء كانوا يرون أن مصر يجب أن تنتهز الفرصة وتتقرب إلى المحور ابتزازا للبريطانيين.

وهو سلوك – لو حدث – لكان كارثة. والأنكى أنه كان يمتلك الحجة الجاهزة والطُعْم الجذاب، “مقاومة الاستعمار”، لولا الحنكة السياسية لزعيم في مستوى مهارة مصطفى النحاس.

 

لو تغلب هذا الاستهتار السياسي وقتها لخسرت مصر كثيرًا، ولتغيرت خريطة المنطقة، وخريطة صراعاتها. لن نعرف هذا إلا بملاحظة ما حدث للدول التي دخلت في نزاعات ولاء  شبيهة. والدول التي بنت تاريخها الحديث على “النكاية” في دولة عظمى. إحلال كارثة محل مصيبة ذنب سياسي لا تغفره النوايا الطيبة.

على كل حال.

لقد عاد وانتصر أصحاب هذا النمط من التفكير السياسي بعدها بسنوات. ليس في مصر وحدها، بل في دول أخرى بالمنطقة. وتولى المسؤولية السياسية مستهترون، لا يملكون الخيال الروائي السياسي، ويستلهمون السياسة من آليات خناقات السلايف والعدايل والجيران و”معارك الحتة”.

لم يكن تغلبهم كأشخاص أسوأ العواقب، الأسوأ منه كان تغلب نمط تفكيرهم. نحن لا نزال إلى اليوم نعيش فيه. فلا نولي عملية انتقاء الخيار السياسي ما يعوزها من تفكير براجماتي واقعي، بل نستسهل الشعار البراق، ونسمح له بأن يشتت أعيننا عن الاختيار بين الموجود بما يخفف الأضرار ويزيد المكاسب – بقدر الإمكان.

في حقبة ما بعد الحرب، عاشت دول كوابيس، وروجناها نحن على أنها أحلام سياسية. بعود الشيخ إمام، وحنجرة عبد الحليم، وأوهام ناصر وصدام.

 

ستجد أن كثيرا من أفكارنا عن التاريخ الحديث والقديم مستقاة من هذه الأغاني والخطب، وليس من السياسة كمهارة وحرفة وعلم. سأشرح لك وجهة نظري بمثال علمي.
في الحساب الرياضي، لو تأكدنا من إدخال القيم الصحيحة. وإجراء العمليات الصحيحة، بالإشارات الصحيحة، ودققنا، سنحدد موطن الخطأ في أي معادلة، ونقوِّمها. ليس في الرياضيات – العلم القديم – مجاهيل مطلقة.

يزداد الأمر صعوبة في الفيزياء. لماذا؟ لأن بعض العوامل مجهولة جهلا مطلقا. ووظيفتك إيجاد هذه العوامل المجهولة، ثم تحويلها إلى قيمة رياضية. قبل اكتشاف عامل الجاذبية لم يكن ممكنًا حسابه في المعادلة، حتى ونحن نعرف أنه موجود. كان لا بد من إيجاد قيمة رياضية للجاذبية.

هكذا أيضًا في علم الاقتصاد، لا بد من إيجاد قيمة رياضية لـ “قلق المستهلكين” أو بطء دورة التداول.

 

شاهد| العلاقة بين الحساب والفيزياء.. ماذا تخبرنا؟
لو لم نستطع إيجاد قيمة رياضية للجاذبية لا يعني هذا أن الجاذبية منعدمة. كل الأمر أننا لا نعرفها، ولا نعرف كيف نحسبها. أي أننا نسير في مسار القانون ولو لم نكتشفه بعد.

الاقتصاد، والفيزياء، علوم حديثة.

السياسة أيضا فيها شيء شبيه. القيم الواقعية، بما فيها ماذا يخبئ الآخرون في أذهانهم، موجودة وحاكمة.. كل الموضوع أننا لا نعرفها. إن أقررنا لأنفسنا بأننا لا نعرفها سنجتهد لكي نعرفها. سننظر بحرص في تواريخ الآخرين ومواقفهم، ونعرف أين تكمن مصالحهم، ومدى إلحاح تلك المصالح، سننظر في أدبياتهم وتصريحاتهم العلنية والخاصة. سنفعل كل ما في وسعنا لنعرف مؤشرات المجهول. سيكون هناك مجال للخطأ، لكن لدينا مرونة لتوقعه.

ذلك أن السياسة عمل شاق، ولا بد من إعداد شاق. لو فشلت تجربة سياسية وفجرت المعمل لن نضحك ونقول “الله عليك يا أستاذ”، ثم نمضي في سبيلنا. أخطاء السياسة تفجر دولًا وقارات.

أما لو اختصرنا الطريق، فأحللنا مجموعة من القيم “المفترضة” محل ما هو كائن، فسوف نخرب المعادلة. لو أحببنا أن نرى الإخوان “فصيلا وطنيًا” ودعاة ديمقراطية، رغم كل ما يصدر عنهم من تحريض ضد قيم المواطنة وقيم الديمقراطية، سوف نخرب المعادلة، وندفع الثمن غاليًا، ونتعثر. لو عشنا في عالم “ما كان يفترض أن يكون” لن نذهب إلى أبعد مما ذهب أحمد عدوية..

متأخرًا.

متأخرًا جدًا.

 

وبمجرد أن يدخل عليك سيعتذر لك: آجي من هنا زحمة. أروح هنا زحمة. طبعًا. سنجد الطرق مسدودة.

هذا عذر مقبول إن كانت المواصلات عادة سلسة، لكن اليوم – اليوم بالذات – حدث أمر طارئ غير متوقع جعلها تزدحم. لكن إن كنت كل يوم تنتقل من الهرم إلى قصر العيني، فلا بد أنك عرفت أن المشوار الذي يستغرق ١٥ دقيقة الساعة السادسة صباحًا، سيستغرق ساعة قبيل السابعة. يا أخي جوجل عرف!! وبالتالي، لقد صارت هناك “حقائق” جديدة على الأرض. حقائق لن يغيرها اعتقادك أن “المفترض” نظرًا للمسافة أن يستغرق هذا المشوار ربع ساعة. لا. “الطبيعي” حسب الأمر الواقع حاليًا أن يستغرق أكثر من ذلك.

 

علاقتنا بالزمن تعتمد على نفس النوع من التدقيق في المعطيات السياسية. لا ندقق في معطيات الطريق، نصل متأخرين أو لا نصل مطلقًا.

 

الدول التي احتلها الألمان وحررها السوفييت لم تعد بعد الحرب دولًا مستقلة. لاقت مصائر غيرت مساراتها السياسية؛ بسبب تنازع النفوذ. شرق أوروبا وقع تحت سيطرة الشيوعيين أو نفوذهم المباشر، وهكذا الحال في دول النزاع في مستعمرات المحيط الهادي، كوريا الشمالية وبورما والهند الصينية…

 

الحرب العالمية الظاهرة أخفت الحرب العالمية الباطنة. الحرب كانت موجودة في الأساس داخل الدول التي أشعلتها. ثم كانت الحرب الدولية امتدادا لها. الآن أصل إلى خلاصة ما أعنيه بأن الحرب تخصنا حتى لو لم تمر بحدودنا. فقط دقق أكتر في الخريطة، زووم إن حتى تصبح في شوارع البلد، بالحجم الطبيعي.
الحرب العالمية كانت في وجهها الظاهر صراعًا بين دول. هذه نظرة سائدة مستوحاة من الأفلام. لقد سبقها وتخللها ولحقها صراعات داخل مجتمعات. الأهم بالنسبة لنا هنا أن هذا الصراع شبيه إلى حد بعيد بصراعات نعيشها داخل مجتمعاتنا الشرق أوسطية.

 

صراع حول موقع الدولة من العالم، بأيديولوجيات مختلفة. هل دولة ملتزمة بحدودها الوطنية؟ هل دولة توسعية؟ براية دينية؟

وصراع حول قيم الحكم داخليًا. هل هي قيم حديثة قائمة على تكافؤ الفرص، والمساواة بين المواطنين أمام القانون؟ أم قائمة على تصنيف الناس بحسب معتقداتهم الدينية؟ هل تحترم الملكية الخاصة أم تعتبر السلطة نفسها الوصية على أموال الناس؟

 

شاهد| من المسيح لآدم سميث: هل يحب الله الأغنياء؟
قبيل الحرب العالمية، استهترت نخب دول بهذه الصراعات، وخلطت بين حرية التيار السياسي في التعبير عن أفكاره، وبين سعيه إلى الاستئثار بهذه الحرية وقمع حرية الآخرين. فكانت النتيجة سيطرة النازيين على ألمانيا والفاشيين على إيطاليا.

النازيون أرادوا العودة إلى الإمبراطورية التي سقطت في الحرب العالمية الأولى.

الفاشيون أرادوا العودة إلى الإمبراطورية الرومانية، وإعادة البحر المتوسط بحرًا للروم.

حين تقارن الأفكار التي حملتها هذه التيارات التي تسببت في كارثة لبلادها، وبين أفكار الإخوان العثمانيين في بلادنا (أو نظرائهم الفارسيين)، تجد أنها تكاد تكون متطابقة. الاختلاف الوحيد أن الجماعة الإسلامية تتحصن بعقيدة جاهزة، تبرر بها لنفسها الإرهاب، وتفرض بها التشريعات. مما يجعلها أشد خطرًا من النازيين.

 

لكننا أيضًا نعاملها باستهتار. يظن البعض أن استخدام الإخوان معولًا لهدم نظام سياسي يختلف معه سينهك الاثنين، ويقدم له البلد على طبق من فضة. هؤلاء يخلطون بين الاتفاق على النقمة، والاتفاق على اتجاه الفعل. لم يقرأوا صراعات الحرب العالمية حق القراءة.

آخرون يغترون بوعود إصلاحية تكتيكية لا تدعمها لا الفتاوى ولا السلوك. السلوك لا يزال مشابها لسلوك النازيين: دعوات إلى مقاطعة النصارى (عوضًا عن اليهود)، شعور بالاستحقاق والأفضلية (الدينية بدلًا من الآرية)، تبرير للإرهاب، هولوكوستات صغيرة ما استطاعوا إليها سبيلا .. داخل الكنائس والمساجد ومع ما يقع في أيديهم من رهائن.

 

الصراع الداخلي في الحرب العالمية كان أيضًا صراعًا بين الجديد والقديم في النشاط الاقتصادي.

فئة من المجتمع تملك المهارات الجديدة، وفئة لا تملكها.

شرائح عمرية قادرة على اكتسابها بشكل أسرع، وأخرى عاجزة.

شريحة سكانية قريبة من وسائل الإنتاج الحديثة، وأخرى بعيدة.

كل هذا يخلق صراعًا. في جوهره صراع بين مالكي مهارات الماضي، الذين من مصلحتهم أن يبقي عليها المجتمع وإلا قلت أهميتهم، وبين مالكي مهارات المستقبل، الذين من مصلحتهم أن ننتقل إليه، لكي يحظوا فيه بالمكانة المهارية التي يستحقونها.

صراع بين أصحاب المهن الجديدة، وأصحاب المهن القديمة.

 

وصراع بين أصحاب المهارات الجديدة في نفس المهنة، وبين أصحاب المهارات القديمة.

لكن أحدًا لن يسمي نفسه قديمًا. سيسمي نفسه “أصيلًا”، سيسمي نفسه بعثًا. سيسمي نفسه المدافع عن الثوابت. سيسمي نفسه المدافع عن الفلاح. سيسمي نفسه المدافع عن المهمشين.

 

ستعلمنا الحرب العالمية أن كل هذا بالضبط قيل من قبل، بأفواه أكثر المجرمين إجراما. الجريمة السياسية الأكبر هي الجريمة الفيزيائية الأكبر. محاولة تثبيت الزمن. كل تلك الشعارات تدافع عن شيء واحد: بقاء الحال على ما هو عليه. وعاقبتها شيء واحد. أن الزمن يمضي والبلد تتأخر.

هي دعاية سياسية مطالبة بالتغيير إذن. لكن إلى الأسوأ. إلى الأقدم.

صراعات الحرب العالمية اللاحقة تعلمنا أن “البعض يذهب للجحيم مرتين”. مرة يعاينه. ومرة ينغمس فيه.

 

أن الحرب ليست أصعب مهمة يواجهها الإنسان. التطور هو أصعب مهمة. كثيرون ممن يفوتهم التطور يجدون في الحرب طريقا أقصر إلى مكسب مادي ومعنوي.

 

حين ينادي منادي الحرب الداخلية، تعلمنا الحرب الكبرى، ينقلب مواطنون على بعضهم بمنتهى السهولة. لن يتورع “المدافعون عن الفقراء” عن قتل فقراء آخرين لم يسيروا في ركابهم.

الحرب خيار شمشوني أفضل للخاسرين في معركة التطور المهاري بعيدا عن العضلات.

 

فاقدو الطموح الاجتماعي أحرص على الحرب من حائزيه. المستعدون لحمل السلاح من أجل أفكار تخريبية أوفر في السوق من المستعدين لحمله من أجله عمارة الحياة. وهذا في حد ذاته منطقي. اليائس من مهارات الحياة يعلم أن “الموت شهيدا” فرصته الأفضل في الحصول على تقدير ما.

 

الأفكار المجرمة بريد الحرب. لا ينبغي التعامل معها بذرة من استهتار. الاقتصاد المغلق وقود الحرب. وليس مجرد قرار خاطئ.

 

نقلًا عن «دقائق.نت»



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...