«الجنس» بين التقديس والتدنيس

د.هويدا صالح



«الجنس» بين التقديس والتدنيس



«تدريبات على القسوة» مغامرة سردية ورواية إشكالية جديدة لعزة سلطان، صدرت مؤخرًا عن دار روافد، رواية تطرح قضية اجتماعية شائكة فى جرأة وقوة، فهى تعرى المجتمع فى علاقته بالمرأة وعلاقته بالجسد. إنها تناقش قضية الجسد والجنس بين التقديس والتدنيس، فى محاولة من التطهر، فيصير السرد بمثابة فعل التطهر من آثام تثقل الروح: «وفى الحلقة سوف أتطهّر سأتحدث عن العهر بدءًا من عهر الفكر والضمير مرورًا بعهر الجسد، فكرة صدامية جدًّا، كلنا عاهرون وعاهرات، قلة هؤلاء الذين لا يتاجرون بعقولهم وقلوبهم وأجسادهم، العهر رجل وامرأة، المجتمع والقيم السطحية وسذاجة الفرصة، وانتهازية البعض، كل شىء يوفر طريقة مثالية للعهر».


تحاول الساردة أن تعرى تلك الثقافة التى تهمش المرأة وتقصيها، بل وتختصرها فى جسد، عبر رؤية الكاتبة للعالم، ولا يقتصر ذلك على كشف الواقع فقط، بل تعود إلى التاريخ الإنسانى منذ العصر الأمومى، وحتى الانقلاب الأبوى على المرأة مستفيدة من قراءات واعية للتاريخ الإنسانى.


والرواية تنقسم إلى ثلاثة خطوط درامية متوازية، الخط الأول الرئيسى هو صوت الذات الساردة التخييلية التى تتحدث بضمير الأنا، والتى تمتهن مهنة الدعارة، وتسرد تاريخها الشخصى وعلاقتها بجسدها وعلاقتها بالآخر الرجل، الخط الثانى اعترافى مونولوجى توجه الخطاب فيه إلى صديقة مروى عنها طوال الوقت هى ليلى، التى لم تحضر طوال السرد إلا عبر حكايات الساردة عنها: «أقول لكِ يا ليلى نحن من نصنع قهر الرجل فينا، نحن النسوة/ البنات/ الأمهات/ العشيقات/ وأحيانًا الزوجات، ألا ترين تلك الهالة المقدسة حول الأب؟ أخبرينى ماذا فعل أبيكِ من أجلك، تركك تأتين البيت فى ساعات متأخرة، لم يناقشكِ لأنكِ كنت تدفعين ثمن صمته، بادلتِ كرامته ببضعة جنيهات، اشتريتِ تواطؤه وصمته، بتحمل مسؤولياته، وهو لم يدافع عن رجولته، اكتفى بمتابعة مباريات كرة القدم، وكوب من الشاى وسيجارة سوبر».


أما الخط الثالث فهو خط الحلم، مجموعة من الأحلام تأتى كنصوص موازية للنص، وهو يكشف عن وعى الكاتبة وإيمانها بالتفسير الفرويدى للحلم، وتكشف الأحلام السبعة جوانب أخرى مسكوت عنها فى شخصية البطلة. وعبر تقنية الحلم تحول النص إلى حكاية إطارية، وتكون الأحلام نفسها مجموعة من الحكايات المتداخلة أو المتوازية، وهو ما فعلته الساردة عبر مجموعة من الأحلام ذات الدلالة الواضحة فى التعبير عن منظورها، كما أن الحلم يسمح للنص بإدخال عناصر مغايرة لما هو متحرّك فى النص قبل الحلم وبعده. الأحلام تعمل على تدعيم الكشف عن حالة الشخصية النفسية كما تكشف عن طموحها للتغيير ويمكن للمتلقى الربط بين الأحلام لقراءتها بوصفها ظهيرًا نفسيًّا للنص وكاشفة عن البعد النفسى للشخصية.


الكاتبة كأنها تحاول كتابة تاريخ الجسد/ الجنس وصولاً لتعرية الوعى الجمعى الذى يحمل المرأة دنس المجتمع، بل دنس البشرية بدءًا من خروج آدم من الجنة بسبب حواء وانتهاء بهؤلاء العاهرات البائسات اللاتى تحكى عنهن الساردة.


الزمن السردى فى الرواية آنى، تحكى عبره الكاتبة حكايات نسائها المسكونات بالقهر، واللاتى يبعن أجسادهن لمن يدفع أكثر، لكنها توظف تقنية الزمن الاسترجاعى أو الفلاش باك لتحكى تاريخ الشخصية وعلاقتها بكل مَن حولها.


تزخر الرواية بالمعرفة والمعلوماتية عن تاريخ الجسد، وأشهر النساء فى تاريخ البشرية، والتأمل الفلسفى للروح. إن موضوع الرواية بمثابة الظاهرة البحثية التى ترصد علاقة الأنثى بجسدها، ونظرة المجتمع لها وتعبر عن وجهة نظر واعية لما يحدث فى المجتمع من تغييرات. المفارقة أن الرجل فى الرواية قدم ككائن جنسى، أصبح موضوعًا بعد أن كان ذاتًا مبدعة، وبعد أن اتخذ من المرأة موضوعًا للكتابة عبر قرون.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..