بناء الدولة العربية فى ظل الميليشياوية.. هل ثمة أمل؟!

عماد حمدى



بناء الدولة العربية فى ظل الميليشياوية.. هل ثمة أمل؟!



تعيش المنطقة العربية حاضرًا مضطربًا سياسيًّا وأمنيًّا وعلى كل المستويات تقريبًا، بشكل غير مسبوق فى المئة عام الأخيرة، وتحديدًا منذ بدء سريان اتفاقية "سايكس- بيكو" التى رسمت الحدود القُطرية الحالية للدول العربية فى عام 1916، ولأن الحاضر دائمًا هو حلقة الانتقال الوسيطة من الماضى إلى المستقبل، يصبح من غير الممكن رسم ملامح مستقبل الدولة العربية الحديثة والشرق الأوسط عمومًا دون قراءة شاملة وواعية للأحداث التاريخية، ودون معرفة عميقة بالديناميات السياسية والاجتماعية الماضوية التى أنتجت بدورها هذا الواقع العربى المأزوم.

 

وإن كانت تحديات عديدة ومتنوعة تعرقل مشروع بناء الدولة العربية الحديثة، يبقى أخطرها على الإطلاق ذلك التحدى المتعلق بحالة الميليشياوية التى تسود المنطقة العربية منذ أحداث ما يعرف بـ"الربيع العربى"، الناجمة عن انتشار التنظيمات المسلحة خروجًا عن سلطة الدولة الوطنية، فالظاهرة تفتئت على سيادة الدولة وتقوّض أركانها من الأساس.

 

والميليشيا بالمفهوم الاصطلاحى مأخوذة من اللفظة اللاتينية Militia، وفى أكثر التعريفات تخصصًا هى جماعة مسلحة غير حكومية تعمل غالبًا بأسلوب حرب العصابات لا بأساليب الجيوش النظامية، وتمثل ذراعًا عسكرية لفئة سياسية أو دينية بصرف النظر عن مشروعية دوافعها وأهدافها، فحركات المقاومة المسلحة ضد الاحتلال رغم أنها تكتسب مشروعيتها من القانون الدولى نفسه الذى يجيز للشعوب المحتلة استخدام السلاح ضد المحتل، تندرج هى الأخرى أكاديميًّا تحت وصف الميليشياوية.

 

وربما يعزو بعض المحللين -بالتلميح أو بالتصريح- بروز ظاهرة الميليشياوية على السطح العربى بالشكل اللافت التى هى عليه اليوم، إلى أحداث "الربيع العربى" باعتبارها أفضت إلى حمل السلاح فى وجه الدولة مثلما حدث فى ليبيا وسوريا واليمن، حتى إن البعض أخذ يتحدث عن خريف أو شتاء إسلاموى بدلًا عن ربيع عربى. خريف أفضت إليه ثورات تونس ومصر واليمن على سبيل المثال. وكثر الكلام فى الوقت نفسه، عن الإخوان المسلمين والسلفيين والجهاديين وما شابه ذلك من التوجهات والمشروعات التى يبدو أن الربيع العربى دفعها لتطفو على سطح حياة مجتمعات البلدان المذكورة، غير أن الحقيقة تشير إلى أن الانتفاضات العربية التى اندلعت فى 2011 كشفت الغطاء فحسب، عن أمراض الدولة العربية المزمنة، ومنها الميليشياوية المتجذرة فى بنية الدولة والمجتمع على حد سواء، فالعقلية الميليشياوية العربية تكونت أصلًا بفعل التشظى الهائل والتعددية الواسعة التى تحظى بها مجتمعاتنا دينيًّا وطائفيًّا وقبليًّا وإثنيًّا، ومن ثَمَّ مارست الأطراف المختلفة الصراع فى ما بينها بأساليب ميليشياوية فى ظل فشل دولة المواطنة وغياب الديمقراطية التى تنظم العلاقات بين الكل على أسس رشيدة، وفى إطارٍ من سيادة القانون.

 

الأنظمة العربية هى الأخرى مارست الأساليب الميليشياوية بشكل أو بآخر فى التعامل مع الكتل المتضادة فى المجتمع، فما بين اختطاف المعارضين وتصفيتهم بلا سند قانونى، وبين التشويه والاغتيال المعنوى للخصوم السياسيين عبر الكتائب والميليشيات الإلكترونية، تأصلت الممارسات التى أفضت إلى إنشاء ميليشياوية مضادة. قوانين الطبيعة تخبرنا أن لكل فعل رد فعل مساو له فى القوة ومضاد له فى الاتجاه. فمثلًا شكّل استبداد الدولة السورية فى ظل نظام الأسد وطبيعة تعامله العنيف مع الاحتجاجات، الأساس الذى بدأ عليه تشكيل المجموعات المسلحة، فتطرف النظام وغلّوه منذ البداية فى تنفيذ القمع العسكرى- الأمنى للثورة هو الذى استدرج تطرفًا مضادًّا وغلوًّا معاكسًا فى أوساط المحتجين، تمامًا كما أن عسكرة الثورة لم تكن إلا رد فعل طبيعى على التمادى فى ما أصبح يسمى عادةً بـ"الحل العسكرى- الأمنى" الذى أصر عليه النظام دون الدخول فى جدل الأجندات الخارجية والمشروعات المستوردة وخلافه، فعنف النظام هو الذى سمح بالعنف المضاد حتى إن كان ممولًا.
 

وكذلك كان الوضع فى العراق، فنظام البعث بزعامة صدام حسين انطوى على ميليشياوية فى التفكير والتطبيق تجاه كل الطوائف والقوميات العراقية، ما أدى إلى بروز ميليشيات معارضة دعمتها إيران فى مرحلة لاحقة. أما بعد الغزو الأمريكى عام 2003، وبسبب سياسات العزل التى طبقتها الحكومات ذات الأغلبية الشيعية ضد قطاع كبير من السُّنة العراقيين نشأت ميليشيات متطرفة أبرزها تنظيم القاعدة فى بلاد الرافدين، الذى استفاد من الحرب فى سوريا لاحقًا من أجل التوسُّع هناك، وأطلق على نفسه اسم "الدولة الإسلامية فى العراق والشام". وما إن توسع ذلك التنظيم وسيطر على مساحات شاسعة من الأرض برزت الحاجة إلى إنشاء ميليشيا الحشد الشعبى الشيعية فى مواجهته، ليتأكد بذلك أن الدولة التى تسلك سلوكًا ميليشياويًّا تنتج ما يشبهها فى صفوفها وبين معارضيها.

 

الوضع فى حالة حزب الله اللبنانى لم يختلف كثيرًا على الرغم من كونه ميليشيا متقدمة التنظيم والإدارة، فنشوء الحزب لم يكن خارج السياق. وبسبب الممارسات الإقصائية ضد الشيعة أولًا، والمسلمين السُّنة ثانيًا، تفاقم الاحتقان الداخلى اللبنانى، وبعد الغزو الإسرائيلى للبنان عام 1982، تأسس حزب الله كجزء من جهد إيرانى لتجميع الجماعات الشيعية اللبنانية المسلحة تحت سقف واحد. منذ ذلك التاريخ خرج الحزب من حظيرة الدولة اللبنانية التى كانت تمارس إقصاءً ممنهجًا ضد الشيعة، وارتمى فى أحضان طهران التى أمدته بدعم لا محدود، وأصبح مواليًا لها ربما أكثر من ولائه لبيروت التى ناصبته العداء فى البداية.

 

المقاومة الفلسطينية هى الأخرى كانت بالأساس نتاج السياسات الإسرائيلية فى اقتلاع الشعب الفلسطينى من الأرض. تحالف المقاومة مع الشارع اللبنانى أو أجزاء أساسية منه وعلى الأخص المسلمين فى الجنوب غير التوازنات اللبنانية الداخلية. هذا الوضع خلق الاحتقان اللبنانى - اللبنانى الذى أدى إلى انزلاق البلاد إلى الحرب الأهلية عام 1975. استغلت إسرائيل الخلاف اللبنانى- اللبنانى العميق فوجهت ضربتها إلى منظمة التحرير الفلسطينية فى لبنان عام 1982. اقتلاع منظمة التحرير الفلسطينية من جنوب لبنان وبيروت أدى إلى فراغ كبير، أغرى قوى عديدة لملئه، ولهذا برز حزب الله من واقع الاحتلال الإسرائيلى، فالدعم الإيرانى للحزب جاء نتيجة تلاقى المصالح والرؤى، فإيران التى فُرض عليها الحصار من قبل الولايات المتحدة بعد الثورة عام 1979 شعرت بالاختناق الشديد، ثم بشكل أكبر في أثناء حرب الـ8 سنوات (1980 - 1988) مع العراق، فلجأت إلى العمل مع حلفاء عرب تابعين لها مذهبيًّا لخلق مساحات أمام حركتها فى المجال الإقليمى، وهو ما أضاف بُعدًا جديدًا لأزمة الدولة العربية.

 

فى الحقيقة، أزمة بناء الدولة العربية أكبر من مشكلات الأقليات الدينية والعرقية، فالدولة لا تصطدم بالأقليات فحسب على أساس ثقافى عرقى، بل بالأكثرية أيضًا، أى مع غالبية شعبها على أساس سياسى اجتماعى. وما جعل المشكلة على هذا القدر من التعقيد والتركيب، هو بنية الدولة العربية الحالية بكل تناقضاتها الموروثة عن اتفاق "سايكس- بيكو" من ناحية، ونظامها السياسى المتصلب، الذى يسد منافذ الصعود والنزول من القيادة وإليها بالطرق السلمية، ويعيق الحراك الاجتماعى الطبيعى، ويرفض الاعتراف بالتعددية العرقية والثقافية، من الناحية الأخرى.

 

إن تصلب النظم السياسية العربية يعود حسب الخبير الألمانى فى شؤون الشرق الأوسط، فولكر بيرتيس، إلى وصول النخب العسكرية إلى السلطة فى العديد من الدول العربية بعد حصولها على الاستقلال، وذلك بسبب أنهم أرادوا إحداث التغيير من خلال دولة قوية بدلًا من مجتمع حيوى، فعمدوا إلى أن يكون الجيش قوة ضاربة فى المجتمع ومهيمنة على الاقتصاد، والشرطة تحظى بنفوذ كبير، والاقتصاد موجهًا من قبل الدولة. لكن هذا الطريق لم يؤد إلى الحداثة، بل إلى نظم شمولية متسلطة، ومع ازدياد التوترات بسبب الفشل الواضح فى إدارة التعددية، لجأت الحكومات للتحالف مع الخارج لمواجهة الداخل، والتوسع فى شراء الأسلحة بغرض الحماية، لاعتقادها أن القوة والقمع والممارسات الميليشياوية، يمكن أن تحل كل المشكلات، غير أن الواقع أثبت عكس ذلك، فمنسوب الاحتقان يزداد باستمرار جراء تلك السياسات، واجتثاث المعارضين المدنيين سمح بصعود الإسلاميين الذين ينتهجون الميليشياوية فى كل تفاصيلهم، ولهذا انتهت الدولة ضعيفة أمام الخارج بعد أن عزلت جزءًا كبيرًا من مجتمعها، وأمام الداخل بعد تنامى ظاهرة الإسلام السياسى الذى لا يؤمن فى أدبياته بالدولة الوطنية أصلًا.

 

صحيح أن الظروف الخاصة تختلف من دولة عربية إلى أخرى، بيد أن الأزمة فى كل منها ناشئة عن عجز مماثل فى الحفاظ على العلاقة القائمة بين بنية السلطة ووسائل تكوين الثروة وتوزيعها.

 

إذن الديمقراطية بكل ما تنطوى عليه من مبادئ وقيم، كالتداول السلمى للسلطة واحترام حقوق الإنسان والمساواة فى الحقوق والواجبات بين المواطنين ونبذ التمييز على أى أساس وعدالة توزيع الثروة، هى مبتدأ الكلام ومنتهاه عند تناول ظاهرة الميليشياوية، أو أية ظاهرة أخرى من ظواهر الأمراض الاجتماعية والسياسية فى بنية الدولة العربية، وذلك بعد أن أثبتت التجربة أن فشل التحول إلى الديمقراطية فى الدول العربية بالطريقة التى اختبرت ونجحت فى الغرب مع اختلاف الأدوات والتكتيكات، سبب رئيسى لأزمة بناء الدولة العربية وتأزم المجتمع فيها، وفق ما يراه المفكر السياسى الأمريكى جويل مجدال فى كتابه "الدولة فى المجتمع"، حين تناول حالة توازن الضعف التى تعيشها البلدان العربية بدلًا عن توازن القوة.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...