حتمية سحب الثقة

إليزابيث درو



حتمية سحب الثقة



 

ترجمة: أميرة جبر عن «نيويورك تايمز»

 

حتى الجمهوريون ربما قرروا أن الرئيس قد أصبح عبئًا أكبر من اللازم على حزبهم أو خطرًا أكبر من اللازم على البلاد.

 

يبدو الآن أنه لا مفر من عملية سحب ثقة من الرئيس ترامب. ما لم يقدم ترامب استقالة سيتزايد الضغط العام على القادة الديمقراطيين لبدء عملية سحب الثقة العام القادم. هذا ويفكر الكثيرون من منطلق السبات، فالأمور ستبقى على ما هى عليه، ولا يأخذون فى اعتبارهم أن الرأى يحرك الأحداث.

 

وسواء كان أو لم يكن هناك أصلًا أدلة كافية لسحب الثقة من ترامب -أعتقد أن هناك أدلة كافية- سنعرف ما الذى عثر عليه المحقق الخاص روبرت مولر، حتى إذا اختُصر تحقيقه. ولم يرغب عدد بارز من المرشحين الجمهوريين خوض السباق مع ترامب فى الانتخابات النصفية، ولم تعزز نتيجة تلك الانتخابات بالضرورة موقفه داخل حزبه، فوضعه السياسى، الذى بات ضعيفًا منذ فترة، يسقط الآن فى المنحدر.

 

وقد تلَت الانتخابات النصفية اكتشافات جديدة فى التحقيقات الجنائية فى شأن البعض ممن كانوا مستشارين ذات مرة، إضافةً إلى فضائح جديدة تشمل ترامب نفسه. وزادت رائحة الفساد الشخصى من جانب الرئيس -والذى ربما يؤثر على سياسته الخارجية. ثم جاءت أحداث الأيام القليلة الماضية- قرار الرئيس المتهور بسحب القوات الأمريكية من سوريا، واستقالة وزير الدفاع جيم ماتيس المفاجئة، وحالة الإغماء التى أصابت البورصة، وإغلاق أجزاء من الحكومة بلا هدف، لترسخ حالة جديدة من الحذر بين الكثير من الجمهوريين.

 

وقد ألقى بمصطلح «سحب الثقة» دون وازع. وقد أسهم سحب الثقة العبثى من الرئيس بيل كلينتون، فى تعريف سحب الثقة كشكل من أشكال الانتقام السياسى. غير أنه أكثر أهمية وخطورة من ذلك بكثير، حيث إن لسحب الثقة دورا محوريا فى عمل ديمقراطيتنا.

 

كان سحب الثقة وسيلة المؤسسين لمحاسبة الرئيس بين الانتخابات. وباعتزامهم أن لا يؤسسوا لملك بكل معانى الكلمة باستثناء الاسم تركوا قرارًا ما إذا كان ينبغى استمرار رئيس فى الخدمة فى أيدى ممثلى الشعب الذى انتخبه.

 

فقد أدرك المؤسسون أنه يجب التعامل بحذر مع تغيير نتيجة انتخابات رئاسية وأنهم بحاجة إلى منع استخدام هذه السلطة كممارسة حزبية أو من قبل فصيلة. وعليه، كتبوا فى الدستور أحكامًا تجعل عزل الكونجرس لرئيس عن منصبه أمرًا شديد الصعوبة، إذ يشمل أنه بعد التصويت على سحب الثقة فى مجلس النواب يجرى مجلس الشيوخ محاكمة تستلزم تصويت الثلثين للحصول على حكم بالإدانة.

 

ويتوه فى النقاش حول احتمال خرق ترامب للقانون حقيقة أن سحب الثقة لم يقصد به الجرائم فحسب. على سبيل المثال، فى عام ١٩٧٤ اتهمت اللجنة القضائية بمجلس النواب ريتشارد نيكسون، من بين ما اتهمته به بسوء استغلال السلطة من خلال استخدام دائرة الإيرادات الداخلية (IRS) ضد أعدائه السياسيين. كما حاسبت اللجنة الرئيس على آثام ارتكبها مساعدوه وعلى فشله فى احترام اليمين الدستورى الذى يحتم على الرئيس «مراعاة تطبيق القانون بأمانة».

 

ويبدو أن للأزمة الرئاسية الحالية نتيجة من اثنتين. إذا رأى ترامب اتهامات جنائية قادمة نحوه ونحو أفراد من عائلته قد يشعر أنه محاصر، الأمر الذى سيتركه أمام اختيار الاستقالة أو محاولة محاربة عزل الكونجرس له، غير أن الاختيار الثانى شديد الخطورة.

 

لا أشارك فى وجهة النظر التقليدية بأن إذا سحب مجلس النواب الثقة من ترامب لن يجمع مجلس الشيوخ ذو الأغلبية الجمهوريين الـ٦٧ صوتًا المطلوبين لإدانته. التفكير من منطلق السبات يقضى بذلك غير أن الوضع الحالى، والذى بدأ يتحول فعلًا، سيكون قد انقضى منذ زمن عندما يواجه أعضاء مجلس الشيوخ هذا السؤال. فقد بالفعل بدأ الجمهوريون، الذين كانوا ذات مرة حلفاء ثابتين لترامب، علنًا فى انتقاد بعض من أفعاله الأخيرة، بما فى ذلك دعمه للسعودية على الرغم من مقتل جمال خاشقجى فضلًا عن قراره بشأن سوريا. كما حزنوا علنًا على رحيل ماتيس.

 

لطالما بدا لى أن رئاسة ترامب المضطربة غير مستدامة وأن جمهوريين رئيسيين سيقررون فى نهاية المطاف أنه عبء أكبر من اللازم على حزبهم أو خطر أكبر من اللازم على البلاد. ولعل تلك اللحظة قد حانت. ففى النهاية سيختار الجمهوريون بقاءهم السياسى. ومنذ البداية تقريبًا تكهن بعض النواب الجمهوريين فى مجلس الشيوخ حول كم من الوقت ستدوم رئاسته. وبالتأكيد لاحظ البعض كيف أن قاعدته لم تسد فى الانتخابات النصفية.

 

ومع ذلك، قد لا يصل الأمر إلى تصويت فى مجلس الشيوخ. ففى مواجهة تشكيلة من الاحتمالات البغيضة، تشمل توجيه اتهامات له بعد ترك المنصب، سيبحث ترامب عن مخرج. ومن الجدير بالذكر أن نيكسون استقال دون سحب الثقة منه أو إدانته. كان من الواضح أن مجلس النواب كان سيوافق على بنود سحب الثقة منه وكان قد حذر من قبل كبار الجمهوريين أن دعمه فى مجلس الشيوخ كان قد انهار. وقد يظهر ترامب غريزة مشابهة لحماية نفسه. ولكن مثله مثل نيكسون سيرغب ترامب فى حماية قانونية مستقبلًا.

 

وقد حصل نيسكون على عفو من الرئيس جيرالد فورد، ورغم الشكوك لم تظهر أى أدلة على أن المسألة «مطبوخة». وعلى الرغم من أن قضية ترامب أكثر تعقيدًا من قضية نيكسون قد تدفع المخاطر الواضحة لإبقاء رئيس غير مسيطر عليه فى المنصب السياسيين فى الحزبين، ليس دون إثارة للجدل، نحو الرغبة فى عقد صفقة معه لإخراجه.

...
إليزابيث درو
صحفية وكاتبة سياسية أمريكية ولدت عام ١٩٣٥، ألفت ١٤ كتابًا من بينها «سجل واشنطن.. وقائع ١٩٧٣-١٩٧٤» (١٩٧٥) عن فضيحة ووترجيت و«لوحة انتخابية.. حملة عام ١٩٨٠ الرئاسية» (١٩٨١) و«على الحافة.. رئاسة كلينتون» (١٩٩٤) و«المواطن ماكين» (٢٠٠٢) و«واشنطن جورج بوش الابن» (٢٠٠٢)، وأحدث مؤلفاتها «ريتشارد إم. نيكسون» (٢٠٠٧).

 



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...