علامات استفهام حول عملية الأوتوبيس السياحى فى المريوطية

طارق أبو السعد



علامات استفهام حول عملية الأوتوبيس السياحى فى المريوطية



عملية إرهابية جديدة قديمة، أما أنها جديدة فلأنها حدثت أمس السبت 28 ديسمبر 2018، وأما أنها قديمة فلأن أسلوب التنفيذ قديم جدًّا وتقليدى للغاية، فقد قام الإرهابيون بتفجير عبوة ناسفة فى أوتوبيس سياحى يقل سائحين فيتناميين، عبر زرع العبوة فى مكان إذا مرَّ الأوتوبيس بجواره انفجرت العبوة فيه، وهو نفس أسلوب تفجير سيارة النائب العام هشام بركات.

 

هذه الجريمة أسفرت عن مقتل ثلاثة، هم المرشد السياحى المصرى واثنان من السياح، هذه العملية أربكتنى جدًّا فلم أعرف من أية زاوية يمكن أن أتناولها، هل أتناولها من زاوية اختيار التوقيت، حيث الاحتفالات بأعياد الميلاد، وهو الموسم الذهبى لانتقام الإرهابيين من الإخوة المسيحيين وإظهار مدى ضعف الدولة وقصورها فى حماية مواطنيها، أم أتناولها من زاوية اختيار الهدف ولماذا تحولوا من استهداف الكنائس إلى استهداف السياحة؟ هل نظرًا لتشديد الحراسة على الكنائس ولأن الجميع توقع هجوم عليها فاختاروا هدفًا متحركًا رخوًا لا يحظى بالحماية الكافية وغير متوقع استهدافه فى تلك الأوقات؟ أم أتناول الجريمة عبر شرح ما سيترتب عليها من أضرار بالسياحة فى مصر؟

 

لعل القارئ يحب أن أتناولها من زاوية المنفذين أنفسهم، وأحاول أن أجيب عن السؤال المتكرر: مَن الفاعل؟ وهو فى الغالب أعضاء من منظمة حسم أو ألوية الثورة، التابعة للإخوان المسلمين، وهذا راجع إلى تشابه طريقة تنفيذ الجريمة مع جرائم تلك المنظمات، أو أحاول الإجابة عن السؤال المهم جدًّا وهو: لماذا؟ لماذا أقدموا على تلك الجريمة؟ هل فعلًا كانوا فى حاجة إليها لرفع الروح المعنوية للإرهابيين بعدما تلقت التنظيمات الإرهابية العديد من الضربات هذا العام، من تصفية بؤر إرهابية إلى القبض على أكثر من شخصية قيادية إرهابية، مثل هشام عشماوى ومقتل عمر رفاعى سرور المفتى الشرعى للمرابطين فى ليبيا.

 

الحقيقة، اكتشفت أننا من الممكن أن نتكلم كثيرًا حول أن الإرهاب الذى لا دين له وأن العالم كله يعانى الإرهاب، لندن وباريس وبروكسيل وغيرها من المدن الأوروبية التى تعانى مثل هذه العمليات، لكن صدقونى الأمر جد لا هزل، والحكاية لم تعد تحتمل هريًا وهبدًا على الفاضى، نحن أمام مشكلة، وعلينا التعامل معها بواقعية، علينا أن نسأل كل الأسئلة الممكنة ونحاول أن نجيب عنها قدر الإمكان، لنعرف من أين ينفذ إلينا الإرهابيون؟ ولماذا لم نتمكن من وقفهم إلى الآن؟

 

ليس المطلوب محاكمة الدولة، لكن المطلوب مساعدتها لتعرف أين الخلل، معاونتها فى حربها بتقديم النصحية المخلصة، ليتم القضاء على الإرهاب أو التقليل من فاعليته، فما زال الإرهاب يهددنا وما زال الإرهابيون يختارون أهدافهم التى تؤلمنا، وما زالت الدولة تصر على الحلول الأمنية فقط وهذا أول الخلل، لأن المواجهة الأمنية وحدها ليست الحل، الحل هو المواجهة المجتمعية، أمن وقضاء وفكر وإعلام وَفق خطة متكاملة علمية مدروسة، تجفف منابع الإرهاب، ثانيًا ما زالت الدولة تصر على التصريخات غير المنطقية، مثل الحديث عن تغيير خط سير الأوتوبيس، بما يعنى أن الأمن يريد أن يلقي بالمسؤولية على آخرين، وهنا الكارثة، فإذا كان خط السير قد تم تغييره فجأة فكيف عرف الإرهابيون بخط السير الجديد إلا إذا كان السائق مشتبهًا فيه، بالمناسة السائق مصاب إصابة بالغة، أو المرشد السياحى وهو بالمناسبة قد قُتل فى الحادث، أى انهما لا يمكن أن يكونا متورطين!

 

والحل أن تكون تصريحاتنا منضبطة لا متسرعة. ثالثًا، هذه الجريمة تقليدية ورغم هذا فشل الأمن فى إحباطها، نعم الأمن فشل فى إحباطها، وهذا ليس تقليلًا من جهود الأمن ولا من تضحياتهم، لكن يجب أن نسمى الأشياء بأسمائها، هذه عملية نجح الإرهابيون فى تنفيذها، أى بالمقابل فشل الأمن فى إحباطها، وأى يا أصدقائى أن ثمة تحولات فى خريطة العمل المسلح فى مصر، وظهور تنظيمات جديدة تمتلك خبرات مختلفة وإمكانيات مادية وتقنية أكبر من أى وقت مضى، يعنى أنه على الأمن أن يعيد حساباته فى طريقته التقليدية، وعلى مؤسسات الدولة أن تعيد حساباتها فى طريقتها غير الفعالة فى اجتثاث الأفكار من المجتمع، وعلى المجتمع أن ينضج وأن لا يقف موقفًا عدائيًّا عند تجفيف منابع الإرهاب، وأن يستعد لآخر الدواء.. وهو الكى، والله أعلم.



أقرأ أيضا

البلد

حينما تضحك التراجيديا

نكتة مدينة جوثام الدامية، ضحكة كبيرة مرسومة بالدم، القمامة تملأ الشوارع، السلالم تصعد إلى ما لا نهاية، العنف في الخارج يصل إلى درجة الجنون، والجرذان تهاجم كل شيء. الأغنياء في قصورهم، والإعلامي في الاستوديو الخاص به، بينما الشوارع تضج بالجنون والتنمر والفزع، الضحك اللا إرادي والكوميديا التي هي آخر ما تصل إليه التراجيديا من حدود، ضحكة تفجر الأسى والواقع حينما يلامس الفلسفة، كل ذلك هو فيلم "الجوكر".
البلد

توافق وافتراق في ثورات الجيران

اجتازت إيران ولبنان والعراق في الشهرين الماضيين عتبة التجربة السورية في ثورة شعوبها على أنظمة التسلط والفساد الحاكمة. ورغم ما ظهر في إيران من استيعاب نظام الملالي لهبة الإيرانيين الأولى، وتوجهه المؤكد نحو انتقام عميق من معتقلي وناشطي جمهور الهبة، فإن ذلك لا يعني نهاية الحراك الإيراني المتكرر في العام الماضي...
البلد

الصين وأمريكا.. حرب سياسية

فرحة عارمة اجتاحت مناصري الحراك الاحتجاجي في هونغ كونغ بعد اكتساحهم الهائل لنتائج الانتخابات البلدية وفوز مرشحيهم ضد مرشحي الحكومة المركزية في بكين، ما تسبب في إحراج شديد لكاري لام الحاكم التنفيذي للمقاطعة والمعيّن من قِبل الصين.
البلد

إلى أين يجري العالم؟

عندما انتهى المؤرخ البريطاني العظيم أرنولد توينبي من كتابه الحافل «تاريخ البشرية» والذي درس فيها قرابة ثمانٍ وعشرين حضارة إنسانية لامعة، قال جُملته التي لخّصت أكثر من أربعين عاماً كرّسها لوضع ذلك الكتاب الموسوعي النفيس وبيّنت باختصار أسباب زوال الأمم: «إنّ الحضارات لا تُغتال ولكنها تنتحر طوعاً»!
البلد

عودة العمدة

صفارة العدو نحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية تبدأ عادة مع أول الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري، وهي التي تكون في ولاية «أيوا» في وسط الغرب الأمريكي، وسوف تكون في شهر يناير القادم.
البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...
البلد

أنصتوا إلى الشعب اللبناني

في عام 2012، كتبت مقالاً عن لبنان ما زال ينم عن الواقع حتى الآن، وأنهيت مقالي باقتباس واحدة من أفضل المقالات التي كتبها «جبران خليل جبران»، بعنوان «أنت لديك لبنان الخاص بك، وأنا لدي لبنان الخاص بي»...