فى مذهب أهل السنة: العودة إلى الخلافة الراشدة مستحيلة

عصام الزهيري



فى مذهب أهل السنة: العودة إلى الخلافة الراشدة مستحيلة



يوجز ابن العربى، الفقيه الأشعرى المعروف، قضية الخلافة فى فهم أهل السنة باعتبارها قضية مصلحة وقتية، أى قضية ضرورة زمنية مشروطة بتغيُّرها طبقًا لتغيُّر المجتمعات، ومشروطة باختلافها طبقًا لاختلاف العقول المفكرة فيها واختلاف الأزمنة والممارسة السياسية المرتبطة بها.

 

فقضية الخلافة، طبقًا للأصوليين من أهل السنة، قضية غير أصولية فى حقيقتها، أى لا يرجع فيها إلى أصل مرتبط فى كتاب أو سنة، لغياب أى نصوص صريحة فى القرآن والسنة تنظم شأن الخلافة السياسية وشؤون الدولة والحكم، لذلك يقول أبو بكر بن العربى مقارنًا بين وضع الخلافة الراشدة «قديمًا»، ووضع الخلافة على أيامه: «كان الأمراء قبل هذا اليوم، وفى صدر الإسلام، هم العلماء، والرعية هم الجند، فأطرد النظام، وكان العوام القواد فريقًا والأمراء آخر، ثم فصل الله الأمر بحكمته البالغة وقضائه السابق، فصار العلماء فريقًا والأمراء آخر، وصارت الرعية صنفًا وصار الجند آخر، فتعارضت الأمور ولم ينتظم حال الجمهور، وطرح الناس عن الطريق ثم أرادوا الاستقامة بزعمهم فلم يجدوها، ولن يجدوا أبدًا، فإنه من المحال أن يبلغ القصد من حاد عنه».

 

والنص كما يلاحظ يوصل قارئه إلى حدود الدهشة من قدرته الناضجة على الرؤية البصيرة بمنهج تاريخى، ومن توصله المبكر إلى فكرة قوانين التغيُّر الاجتماعى، وهى فكرة تنتمى إلى العلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة، ومن إلماحه إلى ذلك كله بلطف وذكاء، وبعبارة يسيرة اللفظ تنتمى إلى السياق الذهنى والثقافى لعصره، بقدر ما تتفوق عليه وتتجاوز أيضًا.

فالتغيير الذى وقع، داخليًّا وخارجيًّا، فى بنية الدولة والمجتمع العربيين، وأدّى إليه التوسُّع فى رقعة الدولة الإسلامية، وفى ثقافات وعادات ونظم الشعوب الخاضعة لها، وكذا تراكم وتغيُّر الاحتياجات السياسية والاجتماعية والاقتصادية فيها منذ زمن الخلافة الراشدة، أدّى إلى أن تتحوّل حاجة المجتمع الإسلامى إلى الفصل بين شؤون العلم «الدين» وبين شؤون الإمارة، وكذلك الفصل بين شؤون المجتمع المدنى وشؤون الدفاع والعسكرية والجيوش.

فلم يعد ملائمًا لتلبية حاجات هذا المجتمع أن يصبح العلماء أمراء، ولا أن يصبح العامة قوادًا عسكريين، وهو ما جرى الأمر عليه زمن الخلافة الراشدة. فقد كان مجتمع الصحابة بعد موت النبى وما تركه من فراغ دينى واجتماعى أشد ما يكون احتياجًا إلى مرشد دينى وروحى ينهض بوظائف القيادة الدينية والروحية إلى جانب شؤون القيادة السياسية التى لم تكن قد توسعت ولا تعقدت بعد، كذلك كانت قدرة مجتمع الصحابة القبلى الدفاعية تقتصر على تحول القبائل -«العامة» بتعبير ابن العربى- إلى فرق عسكرية وكتائب قتالية فاتحة يقودها أمراء جند من شيوخ هذه القبائل أو من عناصرها ذات الخبرة القتالية السابقة.

 

وعلى أساس هذه القاعدة الاجتماعية المصلحية الضرورية تشكل النظام السياسى أيام الخلافة الراشدة، وعلى أساس آخر جديد أدّى إليه نمو النظام الاجتماعى ونضج الدولة السياسى تشكّل النظام السياسى، الذى سمى خلافة كذلك، أيام الدولتَين الأموية والعباسية وفى الدول والخلافات الإسلامية الكثيرة فى أنحاء العالم الإسلامى بعد ذلك، عندما ظهرت الحاجة ضرورية إلى تخصص فئة من أهل الحكم بالسياسة، لا بالعلم ولا بالدين ولا بالقيادة العسكرية، وكان يتم اختيار هذه النخبة الحاكمة طبقًا للتكوين الاجتماعى على أساس عائلى أو قبلى وراثى.

ولم يكن هذا التغيير الجديد طارئًا أو مستحدثًا أو غريبًا عن مبدأ الاستخلاف أيام الصحابة وخلافتهم الراشدة نفسها، فالمبدأ كان فى الحالتين هو مبدأ الواقع والضرورة، وقد عبّر أبو بكر الصديق، رضى الله عنه، عن هذا المبدأ الثابت وارتباط نظام الحكم والدولة فى الإسلام به فى خلاف سقيفة بنى ساعدة -الذى كان خلافًا قبليًّا سياسيًّا صرفًا لم تذكر فيه آية قرآنية واحدة ولا جرى على لسان أحد من حضوره اسستشهاد بمأثور نبوى- بألفاظ مبينة فى قوله الحاسم للأنصار: «إن العرب لا تدين إلا لهذا الحى من قريش».

فقدرة النظام القبلى على تكوين الدولة يقتصر بالضرورة عند نخبة قبلية حاكمة ترتضى عامة القبائل قيادتها طبقًا للقانون القبلى السائد والمهيمن وهو قانون العرف والعادة.

وهو عين ما شهده وجسّده عصر الخلافة الراشدة من حكم هذه النخبة القرشية التى دان العرب لها، وإن كانت لم تدن هى نفسها لبعضها، فأتى الخلاف والانقسام من داخلها، وهو الانقسام الدموى الطاحن بين أهل البيت الهاشمى والبيت الأموى الذى عرفه تاريخ الإسلام باسم «الفتنة الكبرى»، وابتدأت بمقتل عثمان.

 

هكذا إذن كانت رؤية أهل السنة للخلافة باعتبارها أمر مصلحة متغيرة وضرورة زمنية خاضعة لقدرة كل مجتمع إسلامى فى كل زمان ومكان على تشكيل عناصر نظامه السياسى وأسلوب إدارة دولته وبنية الحكم فيها. وهذه الرؤية توضع تاريخيًّا فى مقابل رؤية أهل الشيعة وأنصار حصر الخلافة فى آل بيت النبى. وهم قد رأوا فى الخلافة ركنًا من أركان الإسلام وضرورة شرعية، بالغوا فى تقدير مقامها الشرعى، حتى اعتبروها حجر الزاوية فى بناء الدين، مَن أقامها أقام الدين ومَن هدمها هدم الدين.

كانت رؤية الشيعة فى مقابل رؤية السنة تاريخيًّا أقرب ما تكون اليوم إلى رؤية الأصوليين وتيار الإسلام السياسى، الذين تبنّوا قناعة الشيعة بتمامها من أن الإسلام دين ودولة، فى مقابل رؤية المجتمعات الإسلامية السنيّة التى ظلت على قناعتها التاريخية بأن الدين لله، أى شأن إلهى، وأن الدولة للناس، أى شأن بشرى يتشكل ويتغير طبقًا لتغيُّر الناس والأزمنة وترقّى المجتمعات. غير أننا لا نستطيع أن ننسب إلى موقف أهل السنة التاريخى هذا سمة الاكتمال الفكرى والنضج التاريخى التام بسبب ما اعتراه بعد ذلك، وعلى أثر صعود الخلافة العباسية -وقد كانت خلافة دينية ثيوقراطية بخلاف حكم البيت الأموى- وبدء حكم أهل البيت العباسى من تبدل واختلاف.

 

والمعروف أن المطالبة بالخلافة تفرعت بعد موت النبى إلى عديد من الفرق والمذاهب السياسية والعقائدية، بدأ الخلاف سياسيًّا فى بدايته، وبدا أنه من الممكن إدارته وتجاوزه باتفاق ما، غير أن سنن التغلب والبقاء للأقوى التى جرى الاحتكام إليها من قبل كل فرق المختلفين، والتحاكم إلى السيف والقوة كحسم نهائى للخلاف، أدى إلى تحول العقيدة والدين إلى سلاح من أسلحة المعركة السياسية الطاحنة، وجرى التنقيب من قبل كل المتنازعين على سلطة الخلافة وبكل الطرق لاستخراج أسلحة دينية تكفيرية ناجزة تسهم فى حسم الخلاف لصالح كل فرقة على حدة.

ولم يكن بالقرآن الكريم أى نصوص صريحة بشأن تنظيم شؤون الخلافة وإدارة الحكم يمكن الاحتكام إليها فى حسم نزاع السلطة.

فبدأت على الأثر واحدة من موجات وضع الأحاديث على لسان النبى والكذب عليه، صلى الله عليه وسلم، والذى أصبح فى ما بعد -وللأسف الشديد- سنة قولية عامة لدى الفرق والمذاهب الفقهية المختلفة، بل ولدى الصالحين الذين أحبوا أن ينسبوا إلى النبى أقوالاً أخلاقية وإيمانية رأوه، صلى الله عليه وسلم، الأجدر بأن تأتى على لسانه! لكن الأهم فى هذا السياق أنه كى تكتسب مفعوليتها كان يجب رفع كل هذه المقولات الحديثية التى نسبت إلى النبى، والتى بدأ تدوينها وكتابتها بعد موته بعقود طويلة يمتد بها البعض إلى مئة عام ويمتد بها آخرون إلى المئتين، إلى مقام المصدر التشريعى الأول، وهو القرآن الكريم.

 

وجرى ذلك بالفعل على يد الإمام الشافعى فى بداية القرن الثالث الهجرى، وعبر تأسيسه علم أصول الفقه، واعتماد «المصادر الشرعية» الخمسة فى الفقه الإسلامى.

فى هذه المصادر أصبح الحديث -عند الشافعى ومن ورائه أهل السنة- مصدرًا إلهيًّا من مصادر التشريع، واعتبر القول المنسوب إلى النبى قولاً موحى به من السماء شأن القرآن الكريم سواء بسواء، ومن ثَمَّ، وتأسيسًا على هذه القاعدة فى المساواة بين القرآن والحديث ظهرت فى ما بعد ظاهرة نسخ آيات القرآن الكريم وأحكامه بنصوص الحديث. لكن ما يهمنا هنا من شأن مصادر الفقه الخمسة هو أن الخلافة تحوّلت من جديد إلى أمر دينى شرعى، بعد أن كانت فى نظر الرعيل الأول من الصحابة أمر مصلحة وضرورة زمنية متغيرة.

وقد حدث ذلك بفعل النصوص التى نسبت إلى الرسول وتعلقت بالخلافة فى محاولة لتبرير موقف أهل السنة منها و«تأصيله» شرعيًّا، مثل ذلك النص غريب المنطوق الذى يقول: «الخلافة فى أمتى ثلاثون عامًا -أى مدة حكم الراشدين- ثم من بعد ذلك ملك عضوض».

ولا يخفى أنه يكمن فى هذا التحول فى موقف أهل السنة من اعتبار الخلافة شأنًا دينيًّا شرعيًّا تنظمه النصوص الدينية والشرعية اقترابًا من موقف الشيعة، كما لا يخفى ما يكمن فيه من تورط فى تحويل الخلاف السياسى إلى خلاف دينى وعقائدى أفقد نظرة أهل السنة إلى الخلافة باعتبارها شأنًا سياسيًّا زمنيًّا خالصًا تميزها وتسامحها التاريخى الذى اتسمت به منذ اجتماع سقيفة بنى ساعدة على يد كبار الصحابة كـ«أبى بكر» و«عمر».

 

الأمر الآخر الذى يهمنا فى شأن الأصول الفقهية الخمسة -المتضاربة- أنه فى حين جرى تحويل شأن الخلافة إلى شأن دينى أسوة بالشيعة عبر مساواة الأصل الفقهى الثانى، وهو نصوص الحديث، بالأصل الأول وهو كلام الله فى القرآن الكريم، جرى فى نفس الوقت فعل أصولى معاكس، وهو اعتماد «إجماع الصحابة» باعتباره المصدر الفقهى الثالث بعد كلام الله والحديث المنسوب إلى النبى.

وبغض النظر عن أن إجماع الصحابة غير متوفر إطلاقًا فى قضية الخلافة، إلا أن إجماع الموقف السنى لكبار الصحابة، وهو الموقف الذى اعتبر أهل السنة والجماعة أنفسهم ممثلين له، وكما بدا فى سقيفة بنى ساعدة، كان يخالف تاريخيًّا ما استقر عليه موقف الفقه السنى بخصوص الخلافة من تغيير. فلو كانت الخلافة أمرًا دينيًّا شرعيًّا منصوصًا عليه من قبل النبى، فما كان ممكنًا أن يمر اجتماع السقيفة الذى شهده عدد من كبار صحابة النبى دون ذكر هذه النصوص النبوية.

 

وعلى خلاف موقف أهل السنة المستجد منذ بداية القرن الثالث الهجرى، لم يعتبر الصحابة فى اجتماع السقيفة الخلافة أمرًا له أى علاقة بشأن دينهم وعقيدتهم، ولا اقتضى الموقف المختلف حولها، سواء فى السقيفة أو ما بعدها حتى مقتل عثمان، أى تشكيك فى عقيدة المختلفين أو فى إخلاصهم الدينى.

 

لذلك، ربما يكون من المناسب اليوم أن نقول لهؤلاء الأصوليين الجامدين على الثوابت والأصول، كما يجب أن نقول لمروجى خرافة الإسلام السياسى المتخلفة: عودوا إلى الأصول الحقيقية لموقف أهل السنة من الخلافة ولمعنى إجماع الصحابة قبل أن تضيفوا من عندكم إلى الإسلام أصولاً لا شأن للإسلام بها، وقبل أن ترتكبوا جريمة تحويل الدين الإلهى إلى أيديولوجية سياسية بكل هذا التكبُّر والحماقة والجهل والإصرار والترصُّد.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.