أتباع الرسول فى القرآن بين الصاحب والصديق والخليل

على أبو الخير



أتباع الرسول فى القرآن بين الصاحب والصديق والخليل



لا نجادل فى مصطلح الصحابة، ولا فى لفظ الصاحب للنبى، صلى الله عليه وسلم، لأن هذا يتعلق بالسيرة النبوية الشريفة، وبقداسة وعدالة جميع أصحاب النبى، ولكننا فقط نستغرب لفظ الصحابة والأصحاب، لأن فيه التباسًا لغويًّا ودينيًّا قرآنيًّا، ثم نريد التعرّف على معانٍ قرآنية لم يتخذها المسلمون من الوحي القرآني، بقدر ما اجتهدوا فى أخذها، إمّا من دلالات اللغة العربية، وإما من اجتهادات المسلمين الأوائل، ونسعى لأن نوضح ما نريد الكتابة عنه، لأنه توجد فوارق بين مصطلحات الصاحب والصدّيق أو الصديق والخليل، ومن خلالها يتضح أن كثيرًا من المصطلحات الإسلامية غير مناسبة لأنها بشرية المصدر، وتوجد غيرها أنسب وأليق، لأنها قرآنية نبوية.

 

فى القرآن الكريم ورد لفظ "صاحب وأصحاب" 25 مرة، تسع مرات منها تدل على التملك كما فى "صاحب الحوت وأصحاب النار وأصحاب الجنة وأصحاب الأعراف، وأصحاب الصراط، وأصحاب القرية وأصحاب السعير، وأصحاب السفينة، وأصحاب مدين، وأصحاب ثمود، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، وأصحاب الفيل"، فالصحبة حيث تكون المكانة، صالحة أو طالحة، شيطانية أو ملائكية، يوجد أصحاب النار، وأيضًا أصحاب الجنة، وأصحاب مدين الكافرين وأصحاب الصراط المؤمنين.

 

أما لفظ الصحبة فللدلالة على العلاقة بين الناس بعضهم البعض، فقد وردت  16 مرة،  وهى تدل على أن علاقة الصحبة هى علاقة بين طرفَين، ليس بالضرورة أن يكونا مؤمنين، أو يكونا كافرين، فيمكن أن يكون أحدهما مؤمنًا والآخر كافرًا، أو يوجد رجل صالح له أصحاب مشركون فى مكان واحد أو زمن واحد، لأن مصطلح "الصُّحبة" جاء فى القرآن يتعلق بصحبة المكان والزمان، وليس الصحبة المحمودة فى كل المعانى، فالصحبة مثلًا للنبى تأتى غالبًا عن علاقته بالمشركين وليس بالمؤمنين، هو صاحب لهم، أى صحبة فى الزمان والمكان، قال تعالى مخاطبًا المشركين وهم بصحبة النبى فى عداء سافر فى سورة (الأعراف 174): "أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ"، وقال فى سورة (سبأ 46): "قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ"، وفى سورة (النجم 1و2): "وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى. مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى"، ثم فى سورة (التكوير 22): "وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ"، وكلها تدل على صحبة مكان جمع المشركين بالرسول عليه السلام، ليس إلا، وهو ما استمر عليه القرآن بالنسبة إلى أنبياء آخرين، مثل ما جاء فى سورة (القمر 29): "فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر"، فالصاحب هنا عاقر ناقة النبى صالح، وهو رجل كافر، وأصحابه أيضًا كافرون وحرضوه على قتل الناقة، وأيضًا فى سورة (الجن 3): "وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدًا"، وفى سورة (يوسف 39): "يا صاحبى السجن"، فصاحبا السجن مع يوسف، عليه السلام، كانا مشركَين، ولكنهما صاحبا يوسف داخل مكان واحد هو السجن، وفى سورة (الكهف 34): "وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالًا وأعز نفرًا"، رجل مؤمن صاحب مكان مع رجل كافر، يفتخر الكافر على المؤمن بالغنى، ويرد عليه المؤمن فى نفس سورة (الكهف 37): "قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذى خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سوّاك رجلاً"، وكذلك فى سورة (التوبة40): "إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا"، فأبو بكر كان صاحب مكان مع النبى فى غار ثور، وعندما وصفه النبى لم يطلق عليه لفظ الصاحب، ولكن وصفه "أبو بكر الصدّيق".

 

وهذا يقودنا إلى الحديث عن الصدق والصداقة، لأنها تأتى وصفًا للإيمان، فالنبى يوسف عُرف بالصديق، والله وصف المؤمنين الحقيقيين مع النبى عليه السلام بالصدق، ومنهم مهاجرون هاجروا تاركين أموالهم وديارهم فى مكة، ابتغاء مرضاة الله، فأصبحوا فى المدينة فقراء بعد ثراء، ومستحقين للصدقة، قال تعالى عنهم فى سورة (الحشر 8): "لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ"، وفى سورة (النساء 69): "ومَن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا"، وفى سورة (الحديد 19): "والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم"، فالله وصف هؤلاء بالصديقين، وفى آخر الآية وصف الله المكذبين بأنهم أصحاب النار، وعندما وصف الله مريم، عليها السلام، قال فى سورة (التحريم 12): قال عنها: "وصدّقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين"، فالصدق هو أليق الصفاء بأتباع الرسل والأنبياء والصالحين، والمفترض أن أتباعهم هم الصدّيقون أو الأحباب، وهو أفضل من مصطلح أصحاب وصحابة.

 

أما الخليل، فهو لفظ يدل كما قال أبو القاسم الزمخشرى فى كتابه "أساس البلاغة": "أصل الخلة انقطاع الخليل إلى خليله، وقيل‏: الخليل من يتخلله سرك، وقيل:‏ من لا يسع قلبه غيرك، وقيل:‏ أصل الخلة الاستصفاء"، وقيل أيضًا أن الخلّ بكسر الخاء هو الطريق الضيّق، الذى إذا سار فيه شخصان التصقا ببعضهما، وقال الشاعر المصرى المعاصر القاضى "إسماعيل صبرى:-
كأن خليلا فى خلال خليله      تسرب بينهما أثناء العناق وغابا

 

أى صار الرجلان رجلًا واحدًا، وكلها معانٍ على شدة التصاق الخليل بخليله، فتُسمّى الزوجة بالخليلة، لأنها أشد الناس التصاقًا بزوجها، وفى القرآن الكريم شدّد الله عن أن الخليل أو علاقة الخلّة، لا تكون إلا بين النبى الصالح والله، ولا تكون بين رجل ورجل، فلقد وردت علاقة الخلّة فى القرآن الكريم فى أربع آيات، فى سورة (النساء 125): "واتخذ الله إبراهيم خليلاً"، ويفهم منه أن علاقة الخلة بين العبد والخالق سبحانه، وقد استحقها إبراهيم الخليل، عليه السلام، لشدة اقترابه بالله، ولكن فى باقى الآيات الثلاث، لا تكون علاقة الخليل الرجل بخليله الرجل أو اخلائه، إلا بين مشركين أو عصاة، كما فى سورة (الزخرف 67): "الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين"، فالأخلّاء العصاة أعداء بعضهم البعض، والمتقون لهم علاقة الصداقة والصدق فى علاقتهم بين بعضهم بعضًا، وتكرر هذا فى سورة (الفرقان 29): "ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتنى اتخذت مع الرسول سبيلاً يا ويلتى ليتنى لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلنى عن الذكر بعد إذ جاءنى وكان الشيطان للإنسان خذولا"، شخص يندم لأنه جعل رجلا آخر خليلًا له فضلله، فهو عدوّه إذن، وعندما تحدث القرآن عن النبى وعلاقته مع كفّار مكة، أكّد القرآن أن مشركى مكة كان يمكنهم أن يعتبروا النبى خليلًا لهم، قريبًا منهم ولكن هيهات لهم، هم أخلاء بعض، ولكنهم أعداء النبى الصادق الأمين، ووضح الله ذلك فى سورة (الإسراء 73): "وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره وإذًا لاتخذوك خليلًا"، ولا عجب إذن أن يقول النبى فى حديث مشهور فى صحيح البخارى عن أبى بكر: "لو كنت متخذًا خليلاً لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام"، وعُرف أيضًا بالصدّيق كما اُشتهر رضى الله عنه، أما الإمام علِى بن أبى طالب عندما سمع أبا هريرة يقول: "حدثنى خليلي" فراح يوبخه بشده ويسأله مستنكرًا "متى كان النبى خليلك؟!"، فسكت أبو هريرة، لأن الخليل لا يكون تابعًا صاحبيًّا، ولكن الرسول محمد، عليه السلام، كان خليل الله، مثلما كان إبراهيم خليل الله كما ذكرنا.

 

كما رأينا فإن مصطلح الصحابة مصطلح خاطئ مشهور، فى مقابل صواب مكتوم مغمور، وكان الأفضل أن يسمّى المؤرخون والفقهاء أصحاب النبى: "أصدقاء النبى" أو "أحباب النبى" أو "خلصاء النبى"، أو أى مصطلح آخر يدل على الصدق، الذى اتصف به أكثرهم، ولكن من المؤكد أنهم ليسوا جميعًا صادقين ولا عدولًا.. والله تعالى أعلى وأعلم منّا.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...