أحمد لطفي يكتب: إبراهيم عيسى يعزف الحركة الثانية من «سيمفونية الدم»

أحمد لطفى



أحمد لطفي يكتب: إبراهيم عيسى يعزف الحركة الثانية من «سيمفونية الدم»



في مقدمته الشهيرة التي هي مقدمة: "كتاب العِبَر وديوان المبتدأ والخبر "يقول ابن خُلدون عن التاريخ مانصه: "حقيقة التاريخ أنه خبرٌ عن الاجتماعِ الإنسانيِّ الذي هو عُمرانُ العالمِ، وما يَعرض لطبيعة ذلك العُمرانُ من الأحوال".

 

إذن، "حقيقة التاريخ أنه خبرٌ". تلك عبارةٌ مُوحية تدعو إلى التأمل؛ بقدرِ ما تستوجب التوقُف. فالتاريخ في جوهره ليس وقائع جَرَتْ في الماضي، ولا هو أحداثٌ مُتسلسلة حدثت مع توالي الأيام والسنين، كما أنه ليس حقائق لأمورٍ طواها عنا الماضي القريب والبعيد، وإنما "التاريخ هو أخبارٌ وصلتنا "! أو قُل إنه حكايات عن وقائعَ كثيرة. بعضها معروفٌ ومشهورٌ، وبعضها الآخر ليس كذلك؛ إذ لم تصلنا عنه أخبارٌ؛ ولأن التاريخ "خبرٌ"، ولأن الخبرَ بطبيعتِه ليس مأمُون الصدقِ، فيصبحُ طبيعيًا أن نقرأ صفحاتِه من أكثر من زاويةٍ، وأن نعتبر أحداثَه أقربُ إلى الأخبارِ منها إلى الحقائق.

 

يعودُ ابن خُلدون ليُضيفَ إلى ماسبق ويقولُ إن "الكذبَ مُتطرقٌ إلى الخبرِ بطبعِه ولذلك أسبابٌ، منها التَشيُعاتُ للآراءِ والمذاهب، والثقةُ بالناقلين، والذهولُ أو التحوُلِ عن المقاصِد؛ فكثيرٌ من الناقلين لايعرفُ القصدَ بما عايَّن أو سَمِع، فينقلُ الخبرَ على ما في ظنِه وتخميِنه، فيقعُ في الكذبِ.

 

هذا هو كلامُ ابن خُلدون بنصِه، وهو يكاد يُطابق في معناه ما يذكُره الإمامُ الطبريُّ، حين يقول مُتبرِئًا مما قد يردُ في كتابِه من أخبارٍ كاذبةٍ: "العلمُ بما كان من أخبارِ الماضيين وما هو كائنٌ من أنباءِ المُحدَثِين غيرُ واصلٍ إلا بإِخبارِ المُخْبِرِين ونقلِ الناقلين، دون الاستخراجِ بالعقولِ؛ وإن يكُن في كتابي هذا من خَبْرٍ ذكرناهُ عن بعضِ الماضين مما يستنكرُه قارئِهُ أو يسْتشنِعـه سامِعُه؛ فليعلم أنه لم يُؤت ذلك من قِبَلِنا، وإنما أتى ذلك من قِبَلِ ناقليه إلينا، وإنما أديَّناه على نحوِ ما أُدِّي إلينا".( تاريخ الرُسل والملوك للطبري - الطبعة السادسة ، دار المعارف).

 

أما عبارةُ العلَّامة علاءُ الدين ابن النفيس، فكانت أشدَ حسمًا وأكثر بلاغةً؛ فيقولُ في كتابه "المُختصر في أصُولِ علمِ الحديث": "وأما الإِخبار (يقصِد الأحاديثَ الشريفة) التي بأيدينا الآن، فإنما نتّبعُ فيها غالبَ الظنِ، لا العلم المُحقق".

 

من هنا يصبحُ إعمال العقل فيما وَرَدَ أو يردُ إلينا من أخبارٍ فرضٌ عينٍ، فالتاريخُ، أي تاريخٍ، حافلٌ بالكثيرِ من الصفحاتِ المُضيئة والمُشرقة، كما أنه لايخلُو من صفحاتٍ - ربما تكون أكثر - مُظلمة يستنكرها القارئُ أو يستشنعها السامِع كما يقولُ الإمامُ الطبري؛ ولكنها تظلُ صفحاتٍ من التاريخ ليس بوسِع أحدٍ أن يتجاهلها أو يطوِيها من الكتاب، وحتى إن فعل ، فستظلُ " صفحاتٍ من التاريخ".

 

ما سبق كان مقدمة نراها ضرورية ولازمة قبل أن نَتَطَرَق إلى الحديث عن "سيمفونية الدم" التي أمتعنا بها إبراهيم عيسى. لم يفعل "عيسى" أكثر مما قاله ابن خُلدون والطبري وابن النفيس. أخرَج لنا تلك الصفحاتِ المستُورة والمطمُورة من التاريخ. صفحاتٌ التي لم يُرد لنا أن نطَّلِع عليها، فقرأناها فكانت صادمةً. ربما لم يكُن تقصيرًا مِنَّا بقدرِ ما كان فُرضًا علينا، ألزَمتنا به الأنظمةُ السياسيةُ التي احتضَنتْ الإسلامَ، وجعلته منهجًا للحكم وتحَصَنتْ بمفاهيمَ فقهيةً بالية وروَّجت لها باعتبارها صحيحُ الدينِ واستدعت ميراثًا طويلًا وعتيدًا من الثأر التاريخي لتُعيد تدوِيره وإخراجِه صورةٍ جديدة "قديمة".. لا أكثر.

 

الحقيقة أنه من الصعبِ أن تَتَعَرفَ على هدفِ أي كاتبٍ من روايته على وجه الدقة. اختلافُ التفسيراتِ لنفس الرواية واردٌ، سواءٌ كنت قارئًا أو ناقدًا مُتخصصًا؛ وفي سلسة "رحلة الدم" التي عرضها إبراهيم عيسى بجُزأيها، ربما تتعددُ الآراء على هذا النحو.

 

دعنا نكونُ أكثرَ وضُوحًا، فلو كُنتَ مِمَن يُشكِكُون في نوايا الكاتبِ من الأصل، أو مِمَن يتَهِمه بالانحيازِ لهوىً طائفيٍّ مُعيّن، فأنصَحُك بألا تقرأها. أما إذا كُنَتَ مِن هؤلاءِ الذي يُوقِعون أنفسَهُم في أفخاخِ المُغالطاتِ المَنطِقية ويخلطُون الأمورَ ببعضها على نحوِ ما نَرَى كثيرًا هذه الأيام، وتَبنِي رأيَك في ضوءِ مُعارضتِك لآرائِه السياسية ومَواقفِه الفكرية، فابقَّ إذن على مُعارضَتك، التي هي حقٌ لك، ولكن نحِّ السياسةَ - التي هي محلُ اختلافٍ بطبيعتها - جانبًا، وتعامل مع الأحداثِ بموضوعيةٍ، وَهَيِّئْ نفسَك لقراءةِ شيءٍ مُغايرٍ لما كُنَتَ تعتقده قبلًا، خاصةً أن الحدثَ الذي يُقدمه في روايتِه، وهو الفتنة الكبرى، أدّى لانقساماتٍ طائفية وتحزُباتٍ سياسية، أشعلت حروبًا وثأرات لم تهدأ إلى الآن.

 

في "رحلة الدم"، الجزءُ الأول من موسُوعتِه التاريخية البديعة، رَجَعَ بنا "عيسى" لوقتِ أن بُويع عثمانُ لخلافةِ المسلمين بعدَ مَقتلِ الخليفة الفاروق عُمر بن الخطّاب، رضيَ الله عنه على يدِ اللعين أبي لؤلؤة المجوسيّ؛ فتشكّل مجلسٌ من أهل الحلّ والعقد من ستةً من كِبارِ الصحابة: عليّ بن أبي طالب، عثمان بن عفان، عبد الرحمن بن عوف، الزبير بن العوام، سعد بن أبي وقاص، طلحة بن عبيد الله، ومعهم ابنه عبد الله بن عمر، وكان قد أوّصى وهو في النَزعِ الأخير، بأنه ليسّ لابنه من أمر الخلافة شيءٌ، فكان أن ذهبت الخلافةُ لسيدنا عثمان بن عفّان، ذي النورين رضيَ الله عنُ وأرَّضَاه.

 

كانت فترةُ خلافةِ عُثمان رضيَ الله عنهُ عسيرة، تكَالبتْ عليه فيها الفتنُ والأزماتُ، وسادت الاضطراباتُ والقلاقلُ المدينةَ المُنوّرة بعد فترةٍ من حُكمه حتّى حدثتْ الفتنةُ العظيمةُ، التي أدّت إلى مقتلِ خليفة المسلمين عُثمان رضيّ الله وهو يقرأُ القرآنَ في حُوشِ بيته، لتتحقق بشارةُ النبيِّ، صلّى الله عليه وسلّم، حينَ بشَّره بالجنّة على بلوى تُصيبه؛ وتولّى الخلافةَ من بعدِه أميرُ المؤمنين، عليٌّ بن أبي طالب كرَّم الله وجهَهُ.
 

وفي الجزءِ الثاني، "حُروبُ الرُحماءِ"، يصحُبنا المؤلف إلى الأجواءِ المُضَطرِبة التي صَاحبَتْ مُبايعة عليٍّ لخلافةِ عثمان؛ فقد رَفَضَ طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، والسيدةُ عائشة أم المؤمنين، مُبايعة عليٍّ؛ وهنا سيبرُزُ التحولُ المثير في موقفِ "جبهة الرفض"، الذين أيّدوا بيعةَ عثمانٍ وساندُوه بقوةٍ في وجهِ كثيرٍ من الصحابة الذين كانوا رافضين تلك البيعة، ثم انقلبُوا عليه بعد ذلك.

 

فها هو طلحة بن عُبيد الله ينحازُ لعثمانِ ويختارهُ للخلافه، لكنه ينقلِبُ عليه وبدأ يُحرَّض الناس على قتله، حتى أنه رفض طلب عليٍّ بن أبي طالب بأن يمنعَ الناسَ عنه، ولما جِيء بجثتِه لدفنه، أقعَدَ لهم من يرمُونَهُم بالحِجارةِ، فلم يستطيعوا دفنَه في مقابرِ المسلمين، فدُفن في مقابرِ اليهود؛ الحقيقة أن التحوُلَ في موقف طلحة كان أكثر غَرابةً، فمن التأييد والتنازل عن الخلافة، للتحريض ضده، ثم الخروج مطالبًا بالقِصاص من القتلة!

 

أما الزبير بن العوام: فكان له ما لطلحة من ذكرٍ في خصوصِ هذه المعركة وقتال علي بن أبي طالب، وموقفه من حصار عثمان؛ حتى أنه لما علِم أن عثمان محصُورٌ وإنه قد مُنِع الماء! فقال: { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ}؛ ثم ينقلِبُ بعد مقتلِه ويخرُج في جيشٍ بقيادةِ عائشة للثأرِ له.

 

أما السيدة عائشة بنت أبي بكرٍ، فلا شك أنها كانت تَحملُ فى صَدرِها شيئًا من عليٍّ، ربما بسببِ غيرة الزوجةِ من أقاربِ زوجِها كما يحدث عادة، وربما كان كرُهَها لعليَّ مَرَدُه موقِفُه منها في حادثةِ الإفكِ، حتى أنها لما سمعت بموتِ علي بن أبي طالب قيل انها سجدت لله شكرًا! وكان عليٌّ قد أشار على الرسُولِ بطلاقِها حين استشاره، فقال له: "لم يُضيِّقُ الله عليكَ، والنساءُ غيرها كثيراتٌ، وإن تسألَ الجارية تَصْدُقُكَ"؛ أو ربما كانت تتمنى لو كان الزبيرُ هو الخليفة، ولِمَّ لا، فالزُيبيرُ هو زوجُ أختِها أسماء، ثم أنه كفأً للخلافة، وهو أحدُ الستة الذين سَمَّاهم عمر لاختيارِ الخليفةِ من بينهم؟!

 

والحقيقة أننا ينبغى أن نُفرِّق هنا بين: من قتلوُا عثمان، ومن حرَّضوُا على ذلك، والرافضين لمُمارساتِه وأسلوبه في الحُكم، وكانوا للحقيقةِ كثيرين؛ مُعظمُ الصحابة تقريبًا.

 

مشهدُ البيعةِ يقولُ، إن اختيارَ عثمان كان - بلغةِ اليوم - ديمُقراطيًا تمامًا، ومُعبًرا عن رغبةِ المسلمين وقَتَها، فقد كانوا يعرفون سَماحة عثمانٍ ولينِ طبعِهِ، وعن عليٍّ شدتَهُ وقسوتَهُ، لذلك جاء اختيارُ عثمانٍ تعبيرًا عن رغبةِ حقيقةٍ لجُموعٍ كثيرة؛ لكن فارقَ السِّنِ كان في صالحٍ عليٍّ. كان عليٌّ في الخامسة والأربعين وعثمان اقترب من السبعين؛ وهو بالضبطِ ما حذَّر منه عمر قبيل وفاته؛ فقد انتهز أقارِبُه صِلَتَهُم بالخليفةِ وتحكَمُوا في مفاصلِ الدولة، واستغلوا ليِنه وحياءَه للحُصُولِ على المنافعِ، فاسْتولى مروان بن الحكم مثلًا على خُمسِ خَراِجِ أفريقيا (تونس الحالية).

 

صحيحٌ أن لعثمانِ مكانتهُ عند الرسُول، فقد زوّجه ابنتيه رُقيَّة وأم كلثوم؛ وصحيحٌ أيضًا أن له أيادٍ بيضاءَ على الإسلام في أحرَجِ الأوقاتِ، وسخاؤه لايُنكَرعند اشتدادِ الأزماتِ، فمِمَّا يُحسبُ لعثمانٍ مثلًا أنه اشترى بِئرً "رُومة" لتخفيف حِدة عطش المسلمين، ثم أنه جَهَّز جيشًا لغزوةِ العَسرة، أو غزوة تبوك، آخرُ الغزواتِ التي خاضها الرسُولُ صلى الله عليه وسلم. إذن، مناقبُ عثمانٍ ومَمَادِحه أمرٌ لا جدالَ فيه، كذلك مقابِحَ حُكمه ومَثَالِب سياساتِه أيضًا كانت محلَ اعتبارٍ واستنكارٍ.

 

اعتبر عثمان أن الحكم حقٌ إلهيٌّ وليس "تفويضًا" شعبيًا خوَّله له الناس؛ فكان أن رَفضَ التنازلَ عن الحُكمِ بدعوى أنه "قميصٌ ألبسنيه الله!"؛ ثم كان أن ولَّى أقارِبُه من الأُمويين الذين سيّطروا عليه بِحُكمِ تقدُمه في السِّن، فضلًا عن أنه قرَّب إليه بعضَ مَن أبغضَهم الرسُولُ، ونفاهم عن المدينة، وغضَّ الطرفَ عن الوُلاة وتعديهِم على بيتِ مالِ المسلمين. لهذا كله، ورغم قُربِ ولايته بعهدِ بالنبوة وتوليه بعد الفاروقِ عمر بن الخطاب مباشرة، جاءتْ المُقارنة بينه وبين عمر؛ فثَارَ من ثَارَ، وحَرّضَ من حَرَّضَ. وكان من بينهم طلحة بلا شك.، إلا أنه لم يتخيل أن يصلَ الأمر إلى سفكِ دم الخليفة "العجوز"؛ ولما حَدَثَ ما حَدَثَ، تملَّكُه الأحساسُ بالذنبِ وكان يدعو الله أن يأخذَ منه لعثمانٍ حتى يرضى.

 

أخذنا المؤلف في "حروب الرحماء" لنعيشَ تلك الأجواءِ بتفاصِيلها الدقيقة في مشاهدَ إنسانية بالغةِ التأثيِر والتأثُر، منها ما فيه الرحمة، وأكثرُها مُوغِلٌ في دمويته، واستطاع بحرفيةٍ بالغة أن يُصَوِّرَ شخصياتٍ تحتل رُكنًا شبه مُقدسٍ في عقولِ كثيرين، في صورةٍ إنسانية؛ فقدَّمهم كبشرٍ طبيعيين، يُصيبُون أحيانًا ويُخطِئون كثيرًا؛ بشرٌ تُسيطر عليهم النوازعُ الشخصية وتقُودهم المشاعرُالإنسانية؛ بشرُ مثلُنا يُحِبُون ويَكَرهُون، يَحقِدُون ويتنافسون، يُحِبُون المالَ ويَطمَحُون للسلطة.

 

والحقيقة أن حجم الرواية، الكبير نسبيًا، من وجهةِ نظر البعضِ، أتاحَ للمؤلفِ أن يُفرِدَ براحًا دراميًا، ليُعطى للقارئ من خلالِه فرصتَه للتفاعلِ مع الشخصياتِ بقدرِ وعيِّه وموضُوعيِّته ؛ فيُحب ويكّره، يتعاطفُ ويَمقُتْ، يَمدَحَ ويَقدحَ ؛ ولأن فنَ الرواية - كما أشار الأستاذُ حلمي النمنم في مَعرِض نقده للرواية - يُتيحُ لصاحِبه إن كان مُتمكنًا من أدواتِه ومُتعمقًا في مُوضوعِه، أن يقولَ ما لا يَسْهُل قولُه في سياقاتٍ أخرى، ليس تَخوُفًا من سُلطةٍ سياسية، بل تحسُبًا لسُلطةٍ اجتماعية هي أقوى كثيرًا وأشدّ؛ لذا اقتحم "عيسى" دهاليزَ شخصياتِه بِجسارةٍ مُتقمِصًا ومُستدعيًا المخزُون الكامن لكلِ واحدةٍ منها، ليُبيِّن لنا كيف تَدَهورتْ أحوالُ المسلمين الأوائل، وَضعُفت نُفُوسُهُمُ منذ بواكير عهدِ الخلافة "الراشدة"؛ بعدما أزاحَ عنها هالة القداسة التي غشَت على عُيونِ الكثيرين، ولم يترُكها إلا مَستورةً بِرِداءٍ إنسانيٍّ، فهم بشرٌ لهم أحلامُهم ومطامِعهمُ، وعليهم تقعُ نتيجةَ اختيارَاتِهم في الاختبارِ الأكْبر والأقسَى والأخطرِ في تاريخِ المسلمين.. اختبارُ الفتنة الكُبرى.

 

"سيمفونية الدم" التي أخْرجَها لنا إبراهيم عيسى، في حركتِها الأولى "القتلة الأوائل"، والثانية "حروب الرحماء"، لم تكُن سوى رحلةُ أكثر من ألفِ عامٍ إلى الوراء، أوقفنا بتأنٍ عند كلِ محطةٍ لنرى ما فيها، إلى ان وصل بنا لنهايتِها لعلنا نتعلم من دُروسِ التاريخ، أن اختلافَ الرأي وتباينَ الرُؤى إنما كان َيَستوجِبُ فتحَ المجالِ العام للتشَاوُرِ والتَحاوُرِ، وليس للتخلُصِ من الرُموز - أيًا ما كانت توجُهاتهم - فهؤلاءُ "الرحماء" الذين لم يرحمُوا أنفسَهم، لم يَجِدوا، حين استَبدتْ بهم شهوةُ السُلطة، غير التخلُصِ من بعضِهم واحدًا تلو آخر، مُتوهمين أن هذا هو طريقُهم نحو مجتمعٍ إسلاميٍّ كالذي عرفُوُه وعاشوا فيه تحتَ رايةِ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم؛ فكان ما كان من أمرِهم، وكان ما كان من ميراثِ القتلِ والدمِ الذي تركُوه للأمة تتقاسَمُه وتتجرع مرارته.

 

إذن، هي لله حقًا، كما اسْتهلهَا "عيسى"، وللتاريخِ صدقًا ، ولنا نحن أيضًا لنفهم كيف أن صِراعًا على سلطة أو مأربًا لمغنمةٍ، أدَّى لإشعال حروبٍ طاحنةٍ؛ لايزال المسلِمُون يلعقُون جروحها ويُلمِلُمُون أشلاءها. إلى يومِنا هذا. حُرُبٌ أرهقتهم واستنزفتْ كلَ طاقاتِهم والرابح فيها كان الخاسِرُ الأكبر.

 

وأخيرًا، فقد أضاف إبراهيم عيسى، بجُرأتِه المعهودة، في "القتلة الأوائل" بجزأيها "رحلة الدم" و"حروب الرحماء" للمكتبة العربية مرجعًا تاريخيًا سيظل يحمل اسمه، ولفنِ الروايةِ والحكيِّ عملًا أدبيًا بديعًا يضعه في مَصَافِ الكٍبار، أمثال جورجي زيدان وعلي أحمد باكثير وعبدالحميد جودة السحار وعلي الجارم وغيرِهم مِمَّن أثرُوا المكتبة العربية والإسلامية بأعمالٍ خالدة بَقِيَّتْ تذكُرهم وتُذكِرُنا بهم.

 

نقلًا عن «الشروق»



أقرأ أيضا

تأملات

هل يصاب المؤمن بالاكتئاب؟

عبارة وردت على لسان الدكتور مصطفى محمود، رحمه الله، مفادها أن الإنسان المؤمن لا يُصاب بالاكتئاب، لأن إيمانه بالله يحميه من الاكتئاب. وقد تواترت هذه العبارة كثيرًا على ألسنة كثيرين من علماء الدين والدعاة، وانتشرت بين عوام الناس ومثقفيهم، فما مدى صحة هذه العبارة من الناحية العلمية؟
البلد

حينما تضحك التراجيديا

نكتة مدينة جوثام الدامية، ضحكة كبيرة مرسومة بالدم، القمامة تملأ الشوارع، السلالم تصعد إلى ما لا نهاية، العنف في الخارج يصل إلى درجة الجنون، والجرذان تهاجم كل شيء. الأغنياء في قصورهم، والإعلامي في الاستوديو الخاص به، بينما الشوارع تضج بالجنون والتنمر والفزع، الضحك اللا إرادي والكوميديا التي هي آخر ما تصل إليه التراجيديا من حدود، ضحكة تفجر الأسى والواقع حينما يلامس الفلسفة، كل ذلك هو فيلم "الجوكر".
البلد

توافق وافتراق في ثورات الجيران

اجتازت إيران ولبنان والعراق في الشهرين الماضيين عتبة التجربة السورية في ثورة شعوبها على أنظمة التسلط والفساد الحاكمة. ورغم ما ظهر في إيران من استيعاب نظام الملالي لهبة الإيرانيين الأولى، وتوجهه المؤكد نحو انتقام عميق من معتقلي وناشطي جمهور الهبة، فإن ذلك لا يعني نهاية الحراك الإيراني المتكرر في العام الماضي...
البلد

الصين وأمريكا.. حرب سياسية

فرحة عارمة اجتاحت مناصري الحراك الاحتجاجي في هونغ كونغ بعد اكتساحهم الهائل لنتائج الانتخابات البلدية وفوز مرشحيهم ضد مرشحي الحكومة المركزية في بكين، ما تسبب في إحراج شديد لكاري لام الحاكم التنفيذي للمقاطعة والمعيّن من قِبل الصين.
البلد

إلى أين يجري العالم؟

عندما انتهى المؤرخ البريطاني العظيم أرنولد توينبي من كتابه الحافل «تاريخ البشرية» والذي درس فيها قرابة ثمانٍ وعشرين حضارة إنسانية لامعة، قال جُملته التي لخّصت أكثر من أربعين عاماً كرّسها لوضع ذلك الكتاب الموسوعي النفيس وبيّنت باختصار أسباب زوال الأمم: «إنّ الحضارات لا تُغتال ولكنها تنتحر طوعاً»!
البلد

عودة العمدة

صفارة العدو نحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية تبدأ عادة مع أول الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري، وهي التي تكون في ولاية «أيوا» في وسط الغرب الأمريكي، وسوف تكون في شهر يناير القادم.
البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...