خالد خليفة يوثق العار العربى

نضال ممدوح 



خالد خليفة يوثق العار العربى



اختار الكاتب السورى خالد خليفة فى روايته «لا سكاكين فى مطابخ هذه المدينة» أسرة غريبة تجمع ما بين خال شاذ جنسيا وابنة منفلتة الأخلاق حتى النخاع، ثم تقرر أن تترك كل هذا لتزوى فى صمت، وأخ يحب أخته بصورة غير منطقية٬ وراوٍ متوارٍ خلف مآسى أهله ومعارفه٬ هذه العائلة يعبر بها «خليفة» عن القمع والخوف الذى كان يعيشه المجتمع السورى، حتى وإن مات الديكتاتور، فلم يفارقهم خوفهم، حيث اعتبروا أن وفاته خدعة، يريد أن يعرف بها أعداءه من محبيه.


تتكوّن الرواية من خمسة فصول، حمل كل فصل منها عنوانًا مستقلًّا، وهى «حقول الخس، وجثث متفسخة، وعنق ملوكى وحذاء أحمر، والأم الميتة، وطرق غامضة»، وفى الفصل الأول، أطولها، يقف الراوى على شخصية من شخصيات الرواية الأساسية، موضحًا هزائمها وانتكاساتها، لا فرق بين الأم التى تذهب ضحية لزوج هجرها، وعار طفلتها المعوقة، ولم تتخلص من هزيمة هروب زوجها، إلا عندما استقبلت عودة بنتها مخذولة ومهزومة بحياد من دبى بعد ثلاث سنوات خلف منذر، ومن سوسن التى كانت نموذجًا لحالة التفتت التى شهدها الوطن، وجان الذى هزمه جلوسه أمام أم عمياء قعيدة تنتظر الموت ولا يأتى، وابن يرسل له عن عاره الذى شهده فى المدينة، إلى الخال نزار ومثليته وإن كان الوحيد الذى استطاع، رغم الهزائم، أن يعود مرة ثانية، لأنه الشخصية الوحيدة المتسقة مع نفسها، مرورًا بهبة التى عرّت المجتمع يوم أن جرّدوها من ملابسها فى الشارع، وصولًا إلى رشيد وتبدّل أحواله من عازف موسيقى مع خاله إلى مجاهد فى العراق، انتهاء بانتحاره فى آخر الأمر.


يسرد خليفة تاريخ مدينة حلب الحديث، الذى يشكل انقلاب حزب البعث السورى سنة 1963 المنطلق نحو الماضى والمستقبل فيه، وكيف أسهم ذلك الانقلاب فى تشويه معالم المدينة ونسف بنيتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وخلّف شروخًا عميقة بين الناس الذين انقسموا بين مؤيد خائف من إرهاب السلطة الجديدة، وآخر معارض أُودِى به بالتقادم وتمّت تصفيته، فى مسعى لنسف أى نشاط أو إحياء لاحق محتمَل.


تعكس الرواية فى مشاهد بشعة وقمعية حالة الترهيب التى مارستها أجهزة الدولة والأبواق الدعائية التى وصلت بالناس إلى ترديد الأناشيد التى تدعو للحاكم، ووقوف المعلّمين يهتفون، ومن يخالف الأوامر فمصيره كما حدث مع جان عبد المسيح، إذ تحوّل إلى التحقيق بتهمة العمالة، حتى غدا الموت فيها «يتمدد ثقيلًا فى شوارع حلب الموحشة إلى درجة لا تطاق».


«لا سكاكين فى مطابخ هذه المدينة» رواية سياسية تشرح المجتمع السورى فى مدينة حلب التى خضعت لتغيرات سلبتها روحها، وفقد السوريون عبرها، أحلامهم وآمالهم وأصبح منتهى أملهم اليوم البقاء على قيد الحياة، إنها عمل روائى يوثق العار السورى والعربى٬ العار الذى جلبه الديكتاتور لأمته وشعبه، كما أنها رواية تؤرخ «عار شعب بأكمله ينمو ببطء».


وفى هذه الرواية نجح السرد الروائى فى الإحالة إلى السيناريو السينمائى، فنجد الكاتب يتحرك باللغة من خلال أصوات الشخصيات ومن خلال حركاتهم الصامتة، والتى تتخلل المقاطع الصوتية عبر بياض الكتابة الروائية٬ كما أن عملية السرد السينمائى تظهر من خلال توظيف أسلوب تنوع أشكال الخطاب فى الرواية الواحدة، فطريقة الكتابة تشعرنا وكأننا أمام مشاهد سينمائية متنوعة، يعتمد فيها السيناريست على لقطات مختلفة من الواقع يسلط عليها الضوء لكى لا يشعر المتفرج بالملل٬ واستفادت من الرواية الحداثية وبخاصة من التحرر النسبى لزمن السرد الروائى الطويل، والاكتفاء بالزمن السردى القصير المؤدى إلى المعنى من أقصرالطرق.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..