المسلمون الأوائل استبعدوا عليًّا ومعاوية من تدوين القرآن الكريم

على أبو الخير



المسلمون الأوائل استبعدوا عليًّا ومعاوية من تدوين القرآن الكريم



هذا حديث حول تدوين القرآن لا تدوين السُّنة، ولا نكتب من أجل الفنقلة الأدبية، بل من أجل التأكيد أن السنة العملية هى السنة الصحيحة، خصوصًا أن تدوين السنة القولية حدث بعد مئتى عام، مما جعل كثيرًا من الأحاديث، خصوصًا ذات العلاقة السياسية، تخالف وتنقض كل الإسلام المحمدى القرآنى، ونكتب عن كيفية كتابة المصحف، لنرى أن الاختلاف حدث فعلًا عند بدء الكتابة، فما بال السنة إذن! ونظن صادقين أن النبى الكريم لم يترك المسلمين دون جمع للقرآن، فقد تركه مكتوبًا على الجلود والعظام والعسب وغير ذلك، صحيح أنه لم يجمعه فى مصاحف متعددة، ولكن لابد أن تكون هناك نسخة نبوية، هى التى اعتمد عليها أبو بكر وعمر عند جمع القرآن، ولكنّ المؤرخين لم يبحثوا جيدًا عن تلك النسخة، لأنها هى التى يصدق فيها قول الله تعالى فى سورة "الحجر 9 ": "إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون"، وهو ما يحتاج إلى حديث آخر، لأنه فى النهاية الكثير من آيات القرآن لم يكن لها قيد سوى حفظ الصحابة، وأن بعضهم قد قتل فى المغازى، وذهب معهم ما كانوا يحفظونه من القرآن، قبل أن يأمر أبو بكر بجمع القرآن.

 

قال الشيخ محمد عبد العظيم الزرقانى من علماء الأزهر الراحلين فى كتابه "مناهل العرفان فى علوم القران": "إن همّة الرسول وأصحابه كانت منصرفة فى أول الأمر إلى جمع القران فى القلوب، لأنه النبى الأمى الذى بعث فى الأميين، من هنا كان التعويل على الحفظ فى الصدور يفوق التعويل على الحفظ بين السطور على عادة العرب من جعل صفحات صدورهم وقلوبهم دواوين لأشعارهم، وهذا من أسباب خوف عمر حين  قتل القرّاء الذين كانوا  يحفظون القرآن، فلو كان القرآن قد جمع أى كتب كما يدَّعى المسلمون، لما كان هناك مبرر لخوف عمر وأبى بكر من أن يذهب الكثير من القرآن بمقتل القراء، أى حفظة القرآن"، ولكن نرى فى المقابل أن خوف أبى بكر وعمر من أن يذهب الكثير من القرآن بمقتل القراء حفظة القرآن دليل على أنهما لم يكنا حافظين لكامل القرآن، فلو كانا يحفظان كل القرآن، فلا داعى لخوفهما من أن يضيع القرآن بمقتل الحفظة، ولكن ومن الواضح أن حفظ القرآن كان مقتصرًا على فئة قليلة من الصحابة، وليس على كل الصحابة آو أكثريتهم، وهذا ما يبرر خوف وفزع أبى بكر وعمر بمقتل الحفّاظ، قال الأستاذ أحمد أمين فى كتابه "فجر الإسلام" : "ولم يكن شائعًا فى عهد النبى حفظ القرآن جميعه كما شاع بعد، إنما كانوا يحفظون السورة آو جملة آيات ويتفهمون معانيها، فإذا حذقوا ذلك انتقلوا إلى غيرها، فكان حفظ القرآن موزعًا على الصحابة، قال أبو عبد الرحمن السلمى حدثنا الذين يقرؤون القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود أنهم كانوا، إذا تعلموا من النبى عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، وعن أنس قال: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران، جد فى أعيننا" أى يشيرون إليه بكل فخر.

 

هنا نلاحظ أن أبا بكر وعمر كلّفا لجنة برئاسة الصحابيين "زيد بن ثابت" و"أبيّ بن كعب"، بكتابة المصحف، وقاما بالفعل بجهد مشكور فى الجمع، كما قاما أيضًا ومعهما آخرون بكتابة المصاحف بلهجة قريش فى عهد "عثمان بن عفّان"، ولقد أصابوا، عندما استبعدوا معاوية بن أبى سفيان من كتابة المصاحف، رغم أن المؤرخين يزعمون أنه أحد كتّاب الوحى للنبى الأعظم، ونرى أنه معاوية لم يكتب شيئا للنبى، ولكنها من المناقب التى رُوّجت في العصر الأموى، لأن معاوية أسلم عند فتح مكة المكرمة فى شهر رمضان سنة 8هـ، وتألف الرسول قلبه بمئة من الإبل مثل أبيه أبى سفيان، لأنهما من المؤلفة قلوبهم، ومن الطلقاء، وذلك فى غزوة حنين التى حدثت بعد فتح مكة بنحو شهر، أى فى شهر شوّال سنة 9هـ، أما غزوة تبوك وهى آخر غزوات النبى، فقد حدثت فى شهر رجب سنة 9هـ، وبعدها بستة أشهر، حج النبى عليه السلام حجة الوداع فى ذى الحجة سنة 10هـ، ومات النبى الحبيب فى 12 ربيع الأول سنة 11هـ، أى بعد حجة الوداع بثلاثة أشهر، وكان الوحى قد اكتمل بما جاء فى سورة (المائدة 3) "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا"، ويُقال نزلت بعض الآيات الأخرى مثل سورة العصر، أو غيرها، فماذا كتب معاوية؟ ومتى كتب؟ لقد بدأ الوحى يكتمل بحجة الوداع، ثم جاءت سورة التوبة بمناسبة غزوة "تبوك" التى تُسمّى "العسرة"، فمعاوية لم يعاصر النبى إلا عامين، منهما سنة كاملة لم يحضر للمدينة، وأول ذكر له فى غزوة تبوك، التى لم يحدث فيها قتال، ثم لا يمكن للنبى أن يأتمن شخصًا أسلم بعد الهزائم المتتالية، فاستبعده أبو بكر وعمر فى الجمع الأول، وعثمان عند الجمع الثاني، فأصابوا.

 

ولكنهم أخطأوا، عندما استبعدوا على بن أبى طالب من جمع القرآن، لأنه كان حافظًا لكل القرآن، قال ابن أبى الحديد فى "شرح نهج البلاغة"، وأيضًا سبط بن الجوزى  فى "تذكرة الخواص"، و"أنساب الأشراف" للبلاذرى، و"ينابيع المودة للقندوزى"، و"الفهرست" لابن النديم: "اتفق الكل على أنه -أى على بن أبى طالب- أنه كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله، ثم هو أول مَن جمعه، نقلوا كلهم أنه قد تأخر عن بيعة أبى بكر وتشاغل بجمع القرآن، فهذا يدل على أنه أول مَن جمع القرآن، لأنه لو كان مجموعًا فى حياة النبى لما احتاج إلى أن يتشاغل بجمعه بعد وفاته"، وعلى نفسه قال، كما ذكر القندوزى فى كتابه "ينابيع المودة": وفى مسند الإمام أحمد عن ابن عبّاس قال، قال على بن أبى طالب من على المنبر: "سلونى قبل أن تفقدونى.. سلونى عن كتاب الله، وما من آية إلا وأنا أعلم حيث أنزلت أبليل أم بنهار، فى سهل أم فى جبل.."، فلماذا الاستبعاد الخاطئ؟ قال الشيخ محمود أبو رية فى كتابه الأشهر "أضواء على السنّة المحمدية": "من أغرب الأمور، وممّا يدعو إلى الحيرة، أنّهم لم يذكروا اسم على، فى مَن عُهد إليهم بجمع القرآن وكتابته، لا فى عهد أبى بكر ولا فى عهد عثمان، ويذكرون غيره ممّن هم أقلّ منه درجة فى العلم والفقه، فهل كان علِى لا يحسن شيئًا من هذا الأمر؟ أو كان من غير الموثوق بهم؟ أو ممّن لا يصح استشارتهم أو إشراكهم فى هذا الأمر؟ الّلهم إنّ العقل والمنطق ليقضيان بأن يكون علِى أوّل مَن يُعهد إليه بهذا الأمر، وأعظم مَن يشارك فيه، وذلك بما أتيح له من صفات ومزايا لم تهيّأ لغيره من بين الصّحابة جميعًا، فقد ربّاه النّبى على عينه، وعاش زمنًا طويلًا تحت كنفه، وشهد الوحى مِن أوّل نزوله إلى يوم انقطاعه، بحيث لم يندْ عنه آية من آياته، فإذا لم يُدعَ إلى هذا الأمر الخطير فإلى أى شىءٍ يُدعى؟ وإذا كانوا قد انتحلوا معاذير ليسوّغوا بها تخطّيهم إيّاه فى أمر خلافة أبى بكر فلم يسألوه عنها ولم يستشيروه فيها، فبأى شىءٍ يعتذرون مِن عدم دعوته لأمر كتابة القرآن؟ فبماذا نعلّل ذلك؟ وبماذا يحكم القاضى العادل فيه؟ حقًّا إنّ الأمر لعجيب، وما علينا إلّا أن نقول كلمة لا نملك غيرها وهى: لك الله يا علِى، ما أنصفوك فى شىء"، نعم لم ينصفوه سياسيًّا، وإن أنصفه المسلمون روحيًّا، وأنصفوا معاوية سياسيًّا، ولكنَّ المسلمين رأوه داهية سياسى بخواء روحى، ولله فى خلقه وتاريخه شؤون.

 

على أن الأمر فى النهاية استقر على أن النسخ القرآنية جميعًا واحدة، اتفقوا جميعًا على التنزيل، ولكنهم عند التأويل اختلفوا، وهو الخلاف الذى جلب كل مصائب الأمة، حتى اليوم.. والله أعلم.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..