الجنة ليست حكرًا على المسلمين لأن الله ليس منحازًا لأحد

حاتم صادق



 الجنة ليست حكرًا على المسلمين لأن الله ليس منحازًا لأحد



تقريبا هذا المقال ليس لى.. بل هو عن مقال مهم وله قيمة كبيرة، وربما كان من المقالات التى يمكن أن تقع تحت مسمى «مقالات لها تاريخ» على الأقل من وجهة نظرى الشخصية البسيطة والمتواضعة.

 

إنه مقال الأستاذ فهمى هويدى الذى وضع له عنوان «الله ليس منحازًا لأحد» ونشره أولًا فى مجلة العربى، ثم أودعه كتابه الأشهر «القرآن والسلطان» الذى نشرته دار الشروق فى أوائل الثمانينيات.

 

لكن لماذا هذا المقال بالذات وبالتحديد؟! الإجابة المباشرة ودون مراوغة أو لف أو دوران يمكن أن أوجزها فى:

 

1- إن هذا المقال يتناول قضية من أخطر قضايا الفكر والفلسفة الإسلامية، والتى تتصل بالسؤال الحائر والمحير: «هل بعد بعثة النبى محمد «صلى الله عليه وسلم» أصبح دخول الجنة حكرًا على المسلمين وحدهم دون سواهم من أتباع الشرائع السماوية الأخرى؟

 

2- إن كاتب هذا المقال هو الكاتب الكبير فهمى هويدى المعروف بانتمائه للفكرة الإسلامية، فالرجل دائمًا ما يصرح بأنه مع الإسلام فى كل وقت وفى كل مكان، وهذا شىء نقدره له ونوافقه عليه.. وبهويته تلك وبتوصيفه هذا يصبح غير مجدٍ معه اتهامه بالنفاق أو العداء للدين أو التخطيط لهدمه أو إنكار ما علم منه بالضرورة.

 

3- إن الرجل - كما سنبين لاحقًا- قد توصل فى تناوله لهذا المبحث المهم والخطير فى هذا المقال الذى اخترناه له إلى رأى نوافقه عليه ونتفق معه تمامًا فيه، لم أرَ فيه من عقلانية وإنصاف واستنارة وفهم واع ومستبصر لآيات الكتاب الكريم ولحقيقة فكرة العدل الإلهى التى لا تحابى أحدًا ولا تنحاز لفرقة أو جماعة لمجرد الحصول على جنسية دينية محددة.

 

4- إن ما توصل إليه هويدى فى مقاله، بالطبع بعد استناده إلى آراء لعلماء وأئمة أجلاء لهم قدرهم ووزنهم عند عموم المسلمين، يقف طول الوقت شاهدًا على كذب وتزوير من يدعون أن الجنة هى فقط للمسلمين، وأن غير المسلمين ليس لهم إلا النار، وأنه لم يقل أحد من المسلمين بخلاف ذلك إلا منافقا أو جاهلا أو عدوا متربصا بالدين يظهر الإيمان ويخفى من ورائه كفرا صريحا لا شك فيه.

 

وإلى هنا أكتفى بتلك الأسباب، لأدخل بكم ومعكم إلى مقال فهمى هويدى البديع، الذى يستحق أكثر من المدح والثناء.

 

من أول كلمة يؤكد فهمى هويدى انحيازه وقناعته بوضوح باقتباسه تلك العبارة القاطعة للشيخ عبدالله كنون شيخ علماء المغرب والتى أوردها فى كتابه «الإسلام أهدى»: «غاية الأمر أن المسلمين يسمون أمة الإجابة، وغيرهم يسمون أمة الدعوة، فالجميع أمته».

 

«بهذه العبارة يتحدث، عبد الله كنون، عن ميزان العدل فى الإسلام» بين جميع الطوائف والعناصر، من غير اعتبار للون أو نزعة أيا كانت، وفى هذا الاتجاه، تصب أفكار واجتهادات العديد من فقهاء المسلمين، الذين يبنون مواقفهم على حقيقة أن بنى آدم خرجوا «من نفس واحدة»، وأن «الخلق كلهم عيال الله».

 

وهو اتجاه تحدد معالمه أبعاد قيمة العدل الإلهى، بكل تجرده وسموه، إذ لا انحياز ولا محاباة لأحد، لا فى الدنيا ولا فى الآخرة، بل إنه أمام «الموازين القسط يوم القيامة» بالتعبير القرآنى تسقط الهويات والأنساب والألقاب، ويبقى شىء واحد يحتكم إليه فى الثواب والعقاب، هو العمل الصالح أولا، والعمل الصالح أخيرًا!

 

ويواصل هويدى:

«إن الله ليس منحازًا لأحد.. هذه واحدة من الحقائق الأساسية فى التفكير الإسلامى، التى ينبغى التنبيه والتذكير بها، ومن التبسيط الشديد للأمور، ومن الفهم المسطح والقاصر للإسلام، أن يروج البعض لفكرة أن الطريق إلى السماء حكر على نفر من الناس، بل إنه من الإساءة إلى عدل الله أن يعلن كائن من كان أنه صادر لحسابه مفاتيح الجنة وهو قاعد فى مكانه».

 

ثم ينتقل لإيراد أدلته من القرآن الكريم:

«لقد حسمت النصوص القرآنية الأمر منذ نزل الكتاب قبل 14 قرنًا، عندما تخاصم أهل الأديان والرواية يسجلها ابن كثير فى تفسيره عن ابن عباس فقال أهل التوراة: كتابنا خير الكتب، ونبينا خير الأنبياء، وقال أهل الإنجيل مثل ذلك.. وقال أهل الإسلام: لا دين إلا الإسلام، وكتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتم النبيين، وأمركم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم، ونعمل بكتابنا.. فقضى الله بينهم، ونزلت الآية: «ليْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا».. «النساء: 123» وخير بين الأديان فقال: «وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۗ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ».. «النساء:125».

 

ثم يتقدم هويدى خطوة ليأتى بآراء الأستاذ الإمام محمد عبده وتلميذه رشيد رضا حول المسألة الشائكة:

«وفى تفسير الآيتين يقول الإمام محمد عبده «الأعمال الكاملة الجزء الخامس»: «إن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهى، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والمدح بها، بلوك الألسنة والتشدق فى الكلام.. بل شرعت للعمل.. وإنما سرى الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب، لا بأعمالهم».

 

ثم يضيف الإمام: إن كثيرا من الناس من يقولون تبعا لمن قبلهم فى أزمنة مضت، إن الإسلام أفضل الأديان، أى دين أصلح إصلاحه؟.. أى دين أرشد إرشاده؟.. أى شرع كشرعه فى كماله؟ ولو سئل الواحد منهم، ماذا فعل للإسلام؟ وبماذا يمتاز على غيره من الأديان، لا يجد جوابًا.

 

وفى هذا السياق نزلت الآية: «وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ».. «النساء: 124»، التى يعقب عليها الشيخ محمد رشيد رضا فى تفسير «المنار» بقوله: أى أن كل من يعمل ما يستطيع عمله من الصالحات، وهو متلبس بالإيمان مطمئن به، فأولئك العاملون المؤمنون بالله واليوم الآخر يدخلون الجنة بزكاء أنفسهم وطهارة أرواحهم».

 

ثم يضيف معقبًا على الآيتين «123 – 124» أن فيهما «من العبرة والموعظة ما يدك صروح الأمانى ومعاقل الغرور التى يأوى إليها الكسالى، الجهال والفساق «كذا!» من المسلمين، الذين جعلوا الدين كالجنسية السياسية، وظنوا أن الله العزيز الحكيم يحابى من يسمى نفسه مسلما، ويفضله على كل من يسمها يهوديا أن نصرانيا بمجرد اللقب، وأن العبرة بالأسماء والألقاب لا بالعلم والعمل».

 

ثم يعود مرة أخرى لآيات القرآن، وهنا ننقل عنه باختصار طفيف غير مخل:

ثمة آيات قرآنية أخرى، من رب الناس، تطل على كل الناس من منظور أكثر اتساعا وشمولا، وتعطى قيمة العدل عند الله سبحانه، أبعادا وآفاقا بغير حدود.

 

«إن الذين آمنوا، والذين هادوا، والنصارى، والصابئين، من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا، فلهم أجرهم عند ربهم» «البقرة 62».

 

«إن الذين آمنوا، والذين هادوا، والصابئون والنصارى، من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون» «المائدة 69».

 

والآيتان تسويان بين الجميع أمام الله سبحانه، وتشترطان فقط الإيمان بالله والعمل الصالح، ليثاب الخيرون عما فعلوا، وليطمئن الجميع إلى عدالة الله «ولموازين القسط» يوم القيامة.

 

ولابد أن نلاحظ أن «الصابئين» ذُكروا فى هاتين الآيتين، وهم ليسوا من أصحاب الأديان السماوية على أى حال، وإن قيل فيهم إنهم يؤمنون بالله، وببعض الأنبياء. وحتى هؤلاء، من عمل منهم صالحا فله أجره عند ربه.

 

وفى تفسيره للآية الأولى من سورة البقرة يقول الإمام محمد عبده «الجزء الرابع من الأعمال الكاملة» إن أنساب الشعوب وما تدين به من دين وما تتخذه من كل ذلك لا أثر له فى رضاء الله ولا غضبه، ولا يتعلق به رفعة قوم ولا منعتهم، بل عماد الفلاح ووسيلة الفوز بخيرى الدنيا والآخرة، إنما هو صدق الإيمان بالله تعالى.

 

ويؤيد هذا التفسير، ويردده، محمد رشيد رضا صاحب «المنار» ويضيف عليه قوله: إن حكم الله العادل سواء، وهو يعاملهم -الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين- بسنة واحدة، ولا يحابى فريقا ويظلم فريقا. وحكم هذه السنة، أن لهم أجرهم المعلوم بوعد الله على لسان رسولهم، ولا خوف عليهم من عذاب الله.

 

انتهى إلى هنا اقتباسنا المطول من المقال المستطرد لفهمى هويدى، والذى أفاض فيه الرجل فى شرح موقفه من تلك القضية المعلقة للحكم.. ودعم كلامه بكل الأدلة والقرائن والمستندات التى تمنح موقفه قوة وتماسكا وصلابة.

 

ونحن بالفعل نثمن له ما كتبت يداه وانتهى إليه فكره فى تلك المسألة ونوافقه فيه جملة وتفصيلا.

 

وكالعادة سيترك أصحاب العقول المغيبة والضمائر الغائبة فهمى هويدى ومحمد وعبده ورشيد رضا وغيرهم من العلماء والأئمة.. سيتركون كل هؤلاء وسيغضون الطرف عن مقولاتهم واستنتاجاتهم، ويتوجهون إلينا نحن بما احترفوه من سفاهة إلقاء التهم فى العقل والرأى والسمعة والدين.. وفى النهاية يريدون الجنة لأنفسهم فقط. غفر الله لنا ولهم.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...