مصابنا أكبر من «حتى»؟

أسماء الفاضل



مصابنا أكبر من «حتى»؟



ها أنا أعود إليكم بعد عام مضى، بل هي أعوام مضت، أعود اليوم وكلي حبور، بعد أن أنهكني الكثير من الإعياء. لقد تجاهلتموني كثيراً، وفقد أبناؤكم تجويد حروفي وكلماتي، ثم جعلتموني بينهم تراثاً منسيا.


نعم.. أنتم، الذين أخرجتموني من مناهجهم، ولم تعبأوا بسلامتي، فأثقلتني الأوجاع لكثرة الأخطاء وانتهاك حرمة جودتي وجمالي.

 

اليوم أعود في يومي الذي يحييه العالم لأجلي وأنا مبتهجة بعودتي إلى أبنائكم، يملؤني الشوق والسعادة لاستبشاركم وفرحكم بالعودة إلى تدارسهم لي، وكلي أمل أن تعيدوا الهيبة لأجزائي الأخرى التي تم دمجها حتى أصبحت مبهمة المعالم، لقد اختلط النحو بالبلاغة واشتبه في الصرف معربه بمعجمه، لربما الذي استشعر أهمية بعضي المتمثلة في الخط والإملاء يستشعر أهمية بقية الأجزاء. أعيدوا هيبتي بين أبنائكم.. أخبروهم بأني «حَصَانة» لألسنتهم وثقافتهم، أخبروهم أني أنا الماضي والمستقبل.

 

ربما يجهلون أني معجزة الله الخالدة التي اختارها لكتابه الكريم، هل عرفوا روعة بلاغتي في كتاب الله المحفوظ؟ هل يعلم أبناؤكم أن حروفي الثمانية والعشرون هي بحر لا منتهى له؟ هل علموا عن المعلقات العشر؟ أم هل تعلموا منظومة ابن مالك الألفية؟ أين أنا الآن من أبنائي، لِمَ هذا العقوق؟! أين حافظ إبراهيم لينشدني بحراً كامن الدرر؟

 

أتعلمون أن بعض القيادات في العالم حاولوا عمداً التحدث في خطاباتهم الرسمية بحروفي؟

أراكم طربتم لها وأسعدتكم حين خاطبوا العالم بها، وشعرتم أنها مفخرة لكم..

أنا أيضاً استشعرت سعادتكم فأسعدتني، وأعلم يقيناً أن أبنائي وإن تجاهلوني لن يلقي بي تجاهلهم إلى عالم الجحود.

 

أوما علمتم أن اللغة هي التراث والثقافة والحضارة والأصالة والبقاء ليس لي فقط بل لكل اللغات! غير أني أنا أبدو أكثر تميزاً عنهم جميعاً، إذ إن لكل كلمة من كلماتي مرادفات لا تسعها المجلدات بل هي موسوعات، أجل.. ولديّ أكثر من ذلك!

 

أوما علمتم أني بحر زاخر من الكلمات والمعاني، وفي كل مفردة تأتي مشتبهة الحروف متغيرة الحركات تكون لها معانٍ مختلفة تماماً، وهذا شيء من أسرار إعجازي!

أوما علمتم أني الوحيدة بين اللغات التي جعلت لنسوة العالم نون!

أعيدوا مجدي إليكم فأنا البيان والثقافة والرصانة والحصانة والقوة والسلاح، ولن تهزم أمة حفظت لغتها.

ألم تجدوا ذلك متمثلاً أمامكم عند زيارتكم لبعض الدول التي تحفظ لغتها ولا تستبدلها بلغة أخرى حتى وإن كانت الأخرى هي السائدة، ألم تجدوا مشقة في التحدث إليهم؟ لِمَ جعلتموني أقل شأناً منهم ولم تتشبثوا بي؟ إنهم يستهينوا بكم وينقصوا قدركم حينئذٍ.

 

لا بأس، فالأمل كبير بأن أكون الأقوى والأهم لديكم. كما استشعرتم أهميتي وأعدتموني إلى مناهجكم أنا على يقين تام أن أكون الأجدر والأولى في لغاتكم وأحاديثكم وثقافاتكم، ثم يعود بينكم المتنبي وحافظ وغازي وآخرون وربما يكونون أقوى شعراً وبياناً.

 

أيها المعلمون أدركوا ما بين أيديكم من أبنائي، واجعلوا من وقت النشاط درساً للإملاء، فإنها جريحة تئن لكثرة آلامها، لقد وجدت بين أبنائي من نالوا من الشهادات أعلاها وهم لا يعرفون موقعاً لهمزة أو حرف علة!

 

ومضة: أتعلمون شيئاً عن «حتى»؟ لقد مات لأجلها جدكم سيبويه!

 

نقلًا عن «الحياة»



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...