«جريجوار» يكتب تقريره النفسى

سارة وصفي



 «جريجوار» يكتب تقريره النفسى



بعنوان داخلى «عشت طفولة سعيدة» يبدأ «جريجوار بوييه» الكاتب والتشكيلى الفرنسى سيرته الذاتية فى روايته «تقرير عن نفسى» الفائزة بجائزة «فلو» الفرنسية 2002، والصادرة عن دار «الكتب خان» بترجمة ياسر عبد اللطيف، وفى مقدمة الرواية يسترجع مشهدًا من طفولته يجمعه بأهله لترى مدى الاضطراب والتوتر والعنف الذى عانى منه فى الطفولة، فتكتشف أنه اختار هذا العنوان كنوع من السخرية.

 

جريجوار يرى نفسه شخصية روائية، فهو ليس الكاتب أو الراوى فقط وإنما أيضًا الشخصية الديناميكية التى تؤثر فى الأحداث وتتأثر بها، واستمد كل مقومات بناء عمل جيد من حياته، هل كتب عن نفسه بشكل موضوعى كما يراها؟ أو يراها بصورتها الحقيقية أصلا؟، مصداقيتة لا تهمنى كثيرًا فى الحقيقة لكن ما يعنينى هنا هو «جريجوار» الشخصية الروائية بامتياز.

 

يسرد الراوى - جريجوار- قصته بحريه من يكتب مذكراته التى لن يراها غيره، ويسلط الضوء على مشاهد من الطفولة ربما أثرت فى تكوينه، ثم يعود إلى زمن قريب ويرجع ليروى مشهدًا آخر فى مرحلة مختلفة، ويتجول بحرية بين فترات حياته، كما يحكى حتى عن أهله قبل مولده:

«عند مولدى تم الاتفاق على تسميتى نيكولا، ولكن لأن برجيت باردو كانت قد وضعت طفلًا أسمته نيكولا، فقد غيرت أمى اسمى إلى جريجوار، وهكذا أصبحت (من يسهر فى السهرات)» وهو ما تعنيه كلمة جريجوار المنحدرة من الكلمة الإغريقية «إجريجواريان».

 

ويتأمل جريجوار بعض التفاصيل من حياته تأمل استبطانى، ويسردها بدقة معتقدًا أنها صنعت مصيره وقررته سلفًا، مثلها مثل اسمه، ورحلته الجوية من الجزائر لمدينة «ليون» «هذه الرحلة المتقلبة لا بد أنها قد تركت آثارها.

فطوال طفولتى كان يحضرنى الكابوس نفسه عن وجه عابس يقترب من سريرى بسرعات مختلفة، ثم يهبط فجأة نحوى بسرعة بطيئة».

 

انفصال والديه واضطراره للعيش مع أمه «كنت مستعدًا لبذل أى شىء فى سبيل أن لا أرى هذه النظرة فى عين ابنتى»، فقدانه حاسة الشم أصابته «بالعنقوديات الذهبية»، ومحاولة انتحار أمه المتكرر، وعلاقته غير السوية بها، والحرية الجنسية فى مكان نشأته، حتى تأثير الأنثى النائمة عليه نابع من ذكرياته فى الطفولة.

 

والجدير بالذكر أن المترجم أشار إلى استخدام جريجوار للجناس بين الكلمات فتظهر ما لديه من حس ساخر «قالت لى لورنس: أنت تعجبنى. رددت وأنا أظن نفسى أتخابث: عن أى جرح تتكلمين حضرتك؟»، وهنا يلعب على كلمتى:  Plais  بمعنى تعجبنى، وPlaie بمعنى جرح.

 

ويظهر أيضًا فى الرواية جريجوار الفيلسوف وأسئلته الوجودية «لقد ضاع الطريق فى مسار الرحلة، وهذا يعنى أن هناك رحلة»، «بإمكاننا أن نكون ملائكة كى ننفى الموت كما يمكننا أن نكون شياطين كى ننساه، لا يتبقى أقل من أننا كائنات إنسانية، ومن هنا يمكننا أن نبتكر شيئًا».

 

نجح جريجوار فى تكثيف حياته فى 118 صفحة، بإيجاز وجرأة، وختم روايته بأمه مثلما بدأها بها، ربما لما لها من تأثير بالغ فى حياته ظل ملازمًا له طوال عمره «همست: حتى الموت لا يريدنى.

أرسم على وجهى ابتسامة.

أقول لها إن ذلك من دواعى السعادة».



أقرأ أيضا

البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...
البلد

أنصتوا إلى الشعب اللبناني

في عام 2012، كتبت مقالاً عن لبنان ما زال ينم عن الواقع حتى الآن، وأنهيت مقالي باقتباس واحدة من أفضل المقالات التي كتبها «جبران خليل جبران»، بعنوان «أنت لديك لبنان الخاص بك، وأنا لدي لبنان الخاص بي»...
البلد

ترامب.. استراتيجية الانتصار!

في الوقت الذي يواصل فيه الديمقراطيون التصعيد ضد ترامب، في قضية أوكرانيا، على أمل أن ينجحوا بعزله، وهي المهمة المستحيلة، التي يعملون عليها، منذ أن فاجأ ترامب أميركا والعالم، بفوزه غير المتوقع بالرئاسة، يجوب ترامب القارّة الأميركية متحدّيا.
البلد

الأكراد.. تاريخ من الدم وحاضر من الفشل

عندما بدأت تركيا في التاسع من أكتوبر الماضي غزوًا وعدوانًا واحتلالًا عسكريًّا على مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطي (قسد) في شمال شرقي سوريا، ادَّعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن الهدف من هجومه هو تدمير "ممر الإرهاب" على الحدود الجنوبية لتركيا، غير أن كل الدلائل السياسية، التي سبقت العدوان العسكري التركي ضد قوات سوريا الديمقراطية، كانت تشير إلى هذه النهاية المأساوية لهذه القوات...
البلد

الجوكر وباتمان.. فن صناعة الشر

آرثر فليك، نموذج للمواطن الأمريكي الفقير المهمش الذي يحاول أن يجد له موضع قدم ولقمة عيش وسط مجتمع رأسمالي ساحق للفقراء بالعمل كمهرج أجير في النهار؛ أملًا منه في أن يكون فنان "ستاند أب كوميدي" في المساء.