ثلاثة أدلة سلفية لا تُرَد على تحريم استخدام الكهرباء

عصام الزهيري



ثلاثة أدلة سلفية لا تُرَد على تحريم استخدام الكهرباء



عندما يمط سلفى شفتيه أمامك ويملأ فمه بكلمة «العلم» ليقذفها فى وجهك بطريقة مخيفة، فأرجوك ما تتخضش، حتى لو لم تكن لك أى علاقة مسبقة بأى فرع من فروع العلم ولا بأى مناهجه وأبوابه وفلسفته وأدواته، لأنك لابد أن تتيقن أن ما يقصده السلفى من هذه الكلمة الضخمة لا علاقة له بصور كثيرة تستدعيها كلمة «علم» إلى عقلك ومخيلتك باعتبارك واحدا من أبناء عصرنا.

 

العلم مثلا يوحى لك عادة بصورة مكوك فضائى أو صاروخ يصعد إلى القمر أو مكتشفات مذهلة فى طبيعتها أو اختراعات تدير العقول بدقتها وتعقيدها، وكل هذه الصور التى صارت مرتبطة بالعلم ارتباط النتيجة بالسبب، قرابتها من علم السلفيين مثل قرابة التكنولوجيا التى اعتمد عليها استخدام ستى، الله يرحمها، لإبرة وابور الجاز بتكنولوجيا الميكرويف الذى تستخدمه زوجتى اليوم فى مطبخها، أو بتكنولوجيا الهواتف النقالة والأقمار الصناعية والحواسيب والإنترنت التى صار أولادنا يلهون بها.

 

أما لو اعتقدت أن هناك رائحة قرابة بين علم السلفيين والصور التى يمكن أن يوحى بها لك العلم النظرى، مثلا صورة مكتبة الكونجرس الهائلة، أو على الأقل صورة مكتبة البلدية الموجودة فى كل محافظة بمصر، أو بالميت صورة مكتبة بيت الثقافة الموجودة فى كل مركز من أى محافظة، فأنت كذلك مخطئ بشدة. لأن أصغر مكتبة فى قرية مصرية اليوم تضم أعدادا من الكتب يستحيل على ذاكرة أى إنسان أن تستوعب حفظ ما فيها، ولأن حفظ ما فى بطون عدد من الكتب هو بالضبط علم القدماء الشفاهى الذى كانت تستوعبه ذاكرتهم البشرية المحدودة وينقلونه لتلامذتهم، لا أبعد من ذلك، ولا أفضل من ذلك، ولا أكثر ذكاء ونباهة وإبداعا وابتكارا وعلما من ذلك.

 

علم السلفيين، فى الخلاصة، ليس علما بالمعنى الحقيقى، ولا يختلف عن مجموعة من المحفوظات يجتهد السلفيون فى ترديدها، ثم يجهدون عقولهم فى البحث عن النص الذى يناسب منها كل شىء حولهم، ليلبسوا الجديد ثوب النص القديم، أو يلبسوا النص القديم ثوب الشىء الجديد، بطريقة الجاهز وليس التفصيل. فلو لم يجدوا للجديد نصا يناسبه فى المحفوظات الفقهية السلفية فإنهم: إما يتجاهلون هذا الشىء ويضربون عليه السلام عليكم كأنه لم يوجد أبدا، أو يأخذون بالأحوط فيحرمونه.

 

من هذا الطريق وصل السلفيون إلى تحريم أشياء لا تنتهى لمجرد أنهم لم يجدوها –أو يجدوا ما يشبهها– بين المحفوظات.

لذلك فإن الثابت تاريخيا أنهم حرموا، كل شىء لم تكن لهم به سابق معرفة: حرّم الفقهاء السلفيون مثلا صنبور الماء اعتقادا منهم أن الماء «الجارى» لابد أن يظل جاريا على الطريقة التى رآه بها السلف جاريا فى الترع والأنهار، أما أنه يجرى فى الصنابير والمواسير فذلك لا يجعله جاريا بنفس الطريقة.

ولم ينقذ المسلمين من أيدى السلفيين وقتها سوى أن فقهيا حنفيا قرر أن يجتهد ويحلل ما حرمه السلفيون، واكتسب الصنبور لذلك لقبه الذى لا نزال نعرفه به وهو «الحنفية».

بنفس المنطق السلفى حرم السلفيون السعوديون التيلجراف أو «البرق»، اعتقادا منهم –بعد العودة إلى كتب «العلم»- أن الطاقة الكهربائية ما هى إلا مردة الجن التى يوظفها الكفرة لتجرى فى الأسلاك الكهربائية لتضل المؤمنين، لا لتضيئهم.

ولن تتمكن من تفسير هذه الطريقة «الرفضية» التى يفكر بها السلفيون من دون الرجوع لمعنى «العلم» السلفى، ولتصل إلى هذا المعنى يجب أن تعرف أنهم ليحرموا خطوط البرق «التيلجراف» كان يجب أن «يجتهدوا» اجتهادا علميا على طريقتهم. والاجتهاد عندهم معناه البحث فى المحفوظات والكتب الصفراء وعلوم السلف عن حكم هذا الشىء الذى يريدون أن يدخلوه دائرة «العلم».

ولما بحثوا وجدوا أن السلف لم يخبر عن وجود شىء لا يُرى ويرى أثره أو قوة خفية أو كائنات غير منظورة اسمها الكهرباء، ووجدوا أن الشىء الوحيد الذى أخبر عنه السلف وتنطبق عليه هذه المواصفات اسمه الجن. وعرفوا أن ما يسمى «كهرباء» ليس من اكتشاف المسلمين أولا، وأنه مستورد من عند الغرب الكافر ثانيا.

وبهذا اتضح لعقولهم السلفية «الحكم العلمى» لتحريم استخدام الكهرباء، وهو حكم كان مدعما بأدلة سلفية شرعية لا ترد: فهم كسلفيين محرم عليهم بنص القرآن الكريم تسخير الجن والكائنات غير المنظورة وقواها، حتى لو غيّر أحد اسمها تضليلا وسماها كهرباء، وهم كسلفيين مأمورون بمخالفة الكافر ولو كان فى شكل الزى الذى يرتديه ومن الأولى إذن أن يخالفوا الكفار فى استعمالهم لطاقة الكهرباء الخفية أو أى قوى أخرى غير منظورة، ولأن خداع المؤمنين من عمل شياطين الأنس فالمؤكد أن علماء الغرب الكافر كانوا على دراية تامة بتسخيرهم للجن ولكنهم ينكرونه ويسمونه كهرباء تضليلا للمؤمنين.

 

شفت الفطنة والكياسة والنصاحة والاجتهاد؟! عموما، كانت هذه الحقيقة العلمية السلفية الأخيرة، يعنى تضليل الكافرين للمؤمنين، تفسيرا مهما عند العالم السلفى الأشهر «ابن باز»، للصور التى رآها العالم بعد أن التقطتها الأقمار الصناعية للكرة الأرضية، وكذلك فى إنكار إمكانية أن يصعد إنسان إلى القمر ليه؟ لأن القمر والشمس آيتان!



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...