البخارى الجديد

أحمد الشوربجى



 البخارى الجديد



بعد حديث شيق وممتع مع المفكر الكبير الأستاذ جمال البنا رحمه الله فى مكتبته، أهدانى مجموعة من الكتب التى أعتز بها كثيرا. قرأت بعضها بتأنٍ وبعضها سريعا، ومرت أيام كثيرة، وفى أثناء بحثى فى مكتبتى وجدت بحثا بعنوان «قصور قواعد المحدثين فى التحقق من صحة الأخبار» مكونا من إحدى وعشرين ورقة، ولفت انتباهى أنى لم أقرأه وكأنى أراه لأول مرة.

تذكرت أنه كان ضمن ما أهدانيه الأستاذ جمال لكنى لم أقرأه، والعنوان فى حد ذاته ضخم فى معناه ومراميه رغم صغر حجم البحث، فلما قرأت الورقة الأولى منه شعرت كأن كاتب هذه الكلمات قد استخرج مكنون صدرى وما أشعر به من حرج ثم سكبه على تلك الصفحات بمنتهى الدقة والوضوح والاختصار والجرأة العلمية، ولم أستطع التوقف عن القراءة حتى كانت آخر كلمة فى البحث عندها قلت: من صاحب هذا البحث؟ وكيف لم يأخذ حظه من النشر والدرس والتوقف عنده؟ وهو يطرح ما يعد نقلة حقيقية بلا أدنى مبالغة فى علوم الحديث وطريقة التعامل مع السند.

 

كان البخارى ومسلم رحمهما الله يعدان من العلامات الفارقة فى التعامل مع السنة النبوية، ومن الذين توقفوا كثيرا أمام الأخبار المنسوبة إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فلما هالهما كثرة الأخبار والتساهل فى نقلها وضعوا شروطا دقيقة لقبول نسبة الخبر إلى النبى صلى الله عليه وسلم ونفى الكذب عنه والتقول عليه، فأخرجا لنا بضعة آلاف من الأحاديث هى التى صحت عندهما نسبتها إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فأخرجا لنا صحيحيهما فى بداية نهضة علمية حقيقية وتلقتهما الأمة بالقبول.

لكن للأسف بدلا من أن تعتبر أمتنا أن الشيخين الجليلين البخارى ومسلم هما بداية النهضة ونموذجان للتجديد والتدقيق، بدلا من كل ذلك راحت تجعلهما نهاية المطاف، ومع مرور الزمن أصبح البخارى ومسلم من المعلقات التى لا يصح المساس بها أو الاقتراب منها أو حتى التحاور حولها، فإن فعلت وحاولت استقبلت بموجات من الغضب والاتهامات والتجهيل والاحتقار، حتى إننى سمعت أحد الأزاهرة يخاطب واحدا ممن يستفسرون استفسارات توحى بالنقد قائلا له: انت مين انت يا حشرة علشان تتكلم عن البخارى؟!

 

ومِن هؤلاء المشايخ تعلم عامة الناس التقديس والتدنيس، التقديس للبخارى والتدنيس والطعن فى شخص ودين وتدين كل من يتكلم، حتى كان سؤال يتردد بداخلى كثيرا: هل عقمت هذه الأمة كلها بطولها وعرضها أن تنجب مثل البخارى ومسلم؟ سؤال كنت أردده داخلى فقط دون أن أخرجه أو أطرحه على أحد، فأنا أسمع كل مشايخى يجيبون بمنتهى الثقة أحيانا بطريقة غير مباشرة وأحيانا أخرى بطريقة أكثر من المباشرة بمعنى أن تكون مصحوبة ومشفوعة بوصلة كبيرة من التهكم والسخرية على السؤال أولا ثم القول بمنتهى الحسم نعم، عقمت أن تلد حتى ظفر البخارى ومسلم، وإن كنت راجل ورينا.

 

كنت دائما أهدهد نفسى وأحسن الظن بمشايخى فأقول إنهم يقصدون إن كنت رجلا فى العلم يعنى، لكن لا شك أنهم يقهرون فى نفوس الأمة كلها بهذا الأسلوب كل مشاريع الرجولة العلمية مبكرا، فتخرج مقهورا لديك رغبة عارمة فى ممارسة القهر الذى مورس عليك، حتى قرأت هذا البحث لذلك الباحث فدب الأمل لدى من جديد فى وجود رجولة علمية أفلتت من سطوة القهر والتخويف واستطاع بحق أن يكون أحد رجالات العلم الحقيقيين بل نموذجا مشرفا ومبهرا لرجل العلم الذى تكونت لديه فكرة، فلم تأخذه الرعونة أو الطيش بل راح يصقل هذه الفكرة بالتعليم والمزيد من البحث، فلم يكتف بكونه تلقى تعليمه بالأزهر وحصل منه على ليسانس اللغة العربية، وعلى ليسانس الشريعة والقانون، وعلى بكالوريوس الهندسة الكهربية، بل زاد فاشتغل بتحصيل مزيد من العلم فذهب إلى كل مكان يمكن أن يختبر به فكرته فتتلمذ فى علوم الحديث النبوى الشريف على يد شيخ السلفيين فى العالم كله اليوم محمد ناصر الدين الألبانى رحمه الله تعالى، ودرس علوم القرآن الكريم والقراءات القرآنية فى كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية فى الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة على أيادى المشايخ عبد الفتاح القاضى شيح عموم المقارئ المصرية الأسبق وأعلام آخرين ممن راجعوا طبعات المصاحف فى مصر وفى السعودية، ثم عاد لمصر زاهدا فى كل شىء سوى العلم فأغلق باب معمله العلمى على نفسه مدة تزيد على عشرين سنة مكتفيا بكفاف العيش من أجل أن يسهم فى مسيرة هذه الأمة وينفى الكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينافح عنه ويكافح بمنتهى التجرد لا ينطق ولا يتكلم ولا يعلن عن نفسه حتى تأكد تماما من سلامة فكرته فأخذ على عاتقه أن ينجز موسوعاته الضخمة فى هذا المجال.

 

الحق أنى لم أضيع الوقت ولم أهدأ حتى قابلت هذا الرجل فوجدته نموذجا حقيقيا للعلماء ولأهل العلم الذى يقدم لك كل ما عنده فيعطيك إياه عن طيب خاطر وبطريقة وكأنه شاكر لك أن أخذت وليس متفضلا، يعطيك العلم ويطلب منك الشك والسؤال والحوار على ما أعطاه لك فإذا أبديت شكا أو تساؤلا أصغى إليك وكأنه يتعلم ولا يعلم شيئا وأنت تملك ناصية العلم إنه شخص لا يفعل مثل آخرين يقولون لك: انت مين انت يا حشرة علشان تتكلم فى البخارى؟ شيوخ القهر المتخصصين فى قتل الرجولة العلمية.

 

إنه رجل لم يُقهر فكان رجل علم لا يُقهر ولا يحب القهر، ومن ثم أحب أن يرى الأمة كلها رجالا رجل علم يتكلم عن البخارى فيقول رحمه الله كان جليلا لكنه أخطأ، إنه مثال للتواضع والأخلاق والإنسان المهذب الراقى المحب الحانى إنه نموذج لأهل الله إنه الشيخ الكريم الكبير الشيخ متولى إبراهيم الذى أزعم أن خروجه للرأى العام سيكون التاريخ الفصل فى علوم الحديث، وبالتالى فى كل فروع الشريعة الذى يؤسس لحقبتين ما قبل متولى إبراهيم وما بعده، إنه بخارى العصر الحديث بلا أدنى مبالغة وإنى لأدعوكم إلى قراءة بعض ملامح شخصيته الجسورة الهادرة الهادئة العالمة من خلال ما كتبه هو بنفسه فى مقال أهدانى إياه حيث قال: يتبع.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.