الإسلام ليس دينًا علمانيًّا

أحمد الشوربجى



 الإسلام ليس دينًا علمانيًّا



سيدى القارئ الكريم، دعنى أكمل معك تاريخنا القديم لتكتشف أنه نفس حاضرنا الذى نعيشه، تغيرت الأحداث وتبدلت الأشخاص لكننا نعيش نفس الكوارث ونحصد نفس النتائج؛ لأننا نصر على رفض رسائل التاريخ الواضحة لنا، فالتاريخ يقول لنا إن كل كوارثنا كمسلمين جاءت نتيجة تحويل كل خلاف سياسى إلى خلاف دينى وشرعى وعقَدى، جاءت حينما تم تسييس الدين بدلا من تديين السياسة فوقع التناحر والاختلاف والتفرق والتشرذم والشتات، فالله الواحد أنزل الدين ليوحّد الناس ويجمعهم فيكونون أمة واحدة، فأعلمنا «إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ».

«الأنبياء: 92»، وحذرنا من «إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم فى شىء».

«159: الأنعام»، فلما تم تسييس الدين تحولنا إلى أمم بدلا من الأمة الواحدة، وفرَق وجماعات وشيَع متعددة، وارتكبت أكبر جريمة وهى تغيير الدين وتبديله وتحريفه حتى خرجنا به عن طبيعته السمحة العذبة الصافية وعن صبغته ولونه الربّانى «صبغة الله ومَن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون». «138: البقرة»،

فصرنا نرى الإسلام بصبغات وألوان ونسخ وجماعات ومذاهب متعددة، فصار لدينا الإسلام السُّنى والإسلام الشيعى والإسلام السلفى والإسلام الصوفى والإسلام الوسَطى والإسلام المتطرف، فداعش يعرض الإسلام ويدعو إليه، وياسر برهامى يعرض الإسلام ويدعو إليه، ومرشد الإخوان يعرض الإسلام بجماعته ويدعو إليه، فرَق وألوان وجماعات، وصرنا نسمع الإسلام الاشتراكى والإسلام الديمقراطى والإسلام العَلمانى، وللأسف تتورط جريدة كجريدتنا هذه فى نفس الدعوات، فتنشر عنوان «الإسلام دين علمانى»، يا الله، الإسلام دين الله ليس دينًا علمانيًّا ولا دينًا اشتراكيًّا ولا دينًا ديمقراطيًّا ولا دينًا سُنيًّا ولا دينًا سلفيًّا ولا دينًا شيعيًّا ولا إخوانيًّا ولا برهاميًّا ولا أحزابيًّا… كفى كفى.. أفٍّ لكم، كفى تلوينًا للإسلام، كفى تسييسًا للإسلام، كفى إنها الكارثة والجريمة التاريخية التى نريد إيقافها. واسمعوا صوت التاريخ حينما يأتى من سنة 37 هجرية من موقعة صفين التى كانت بين جيش سيدنا على بن أبى طالب وجيش معاوية بن أبى سفيان، والتى راح ضحيتها سبعون ألفًا من الصحابة والتابعين، ولما أوشكت الهزيمة أن تقع بجيش معاوية، رضى الله عنه، لجؤوا إلى حيلة رفع المصحف على أسنّة الرماح، مرددين: «كتاب الله بيننا وبينكم» بمعنى أنهم يطلبون تحكيم كتاب الله فى أمرهم جميعًا، ولك أن تسأل أين كان كتاب الله قبل أن تبدأ المعركة؟ إنه فرار من الهزيمة، إنه تكتيك سياسى باسم كتاب الله، إنه تحقيق المصلحة ودرء الهزيمة باسم كتاب الله، تمامًا مثلما يحدث الآن من جلب المصلحة الانتخابية وتحقيقها باسم كتاب الله وباسم شرع الله، نأخذ المقاعد ونحصد المناصب ونشكّل الوزارة «اختَر بين شرع الله وبين غيره»، بعد ألف وأربعمئة عام يخيّر الناس بين الإسلام وبين غيره، بعد ألف وأربعمئة عام من إسلام الناس تسمح حكوماتنا لأحزاب بأن تعرض الإسلام مرة أخرى على الناس، وتخيّر الناس بين الدين والسياسات، بين الاحتكام لكتاب الله أو الاحتكام للطواغيت، إنها حكومتنا السديدة ورئيسنا الرشيد، والتى تصر على إعادة التاريخ ولا تسمع للإمام علِى حينما حذّر مَن اقتنع من جيشه بهذه الحيلة فلم يسمعوا له وهددوه بالقتل فاستجاب وبدأت قصة التحكيم بين جيش سيدنا علِى وجيش معاوية، رضى الله عنهما، واختار معاوية من جانبه عمرو بن العاص حكمًا، بينما اختار الإمام علِى أبا موسى الأشعرى من جانبه حكمًا، واجتمع الحَكَمان ليحسما النزاع، هنا صرخ أناس من جيش الإمام على، رضى الله عنه: «كيف تحكِّم فى دين الله الرجال؟ (يقصدون أنهم دعوا الإمام علِى لتحكيم كتاب الله وليس لتحكيم الرجال) إن الحكم إلا لله، احكم بما أنزل الله ولا تحكّم الرجال، فالله يقول (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون). (44: المائدة)»،

وانطلقت الدعوات لتكفير الإمام علِى بمنطق غريب، ما جعل الإمام على يجمع الناس ويأتى بمصحف عظيم أمامه ثم يضربه بيده ويقول: «أيها المصحف حدِّث الناس، أيها المصحف حدِّث الناس»، فقالوا: «يا أمير المؤمنين، إنه ورق ومِداد لا ينطق»، فقال: «إن بعضًا منكم رأى أن نستجيب لمَن طلب تحكيم كتاب الله فلما وافقتهم وأرسلت حكَمًا قالوا طلبنا حكم كتاب الله وليس حكم الرجال، والله يقول فى كتابه (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا). (35: النساء)».

فالقرآن لا ينطق وإنما ينطق الرجال، والله سمَّاهم حكَما وقال «حكَما من أهله وحكما من أهلها»، فهل اقتنع هؤلاء الناس بحجّة الإمام على؟ قطّ، لم يقتنعوا وخرجوا على علِىّ، رضى الله عنه، وأرسلوا إليه رجلين، منهم زرعة بن البرج الطائى، وحرقوص بن زهير، فلما دخلا على علِىّ دار بينهم هذا الحوار الكاشف، إذ قالا: «لا حكم إلا لله»، فقال على: «لا حكم إلا لله»، فقال له حرقوص: «تُبْ من خطيئتك واذهب بنا إلى عدوّنا نقاتله حتى نلقى ربنا»، فقال علِى: «قد أردتكم على ذلك فأبيتم وقد كتبنا بيننا وبين القوم عهدًا والله يقول (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم). (91: النحل)»، فقال له حرقوص: «ذلك ذنب ينبغى أن تتوب منه».

 

هذه هى الكارثة التاريخية التى ينبغى أن نتخلص منها، هذه هى الكارثة التى فرقت وقسمت الأمة، هذه هى الكارثة والفتنة التى ما زالت تمارسها جماعات اليوم تحت سمع وبصر ورعاية الأنظمة المصرية المتعاقبة، هذا هو المبدأ الهدّام الذى صكّه هؤلاء على لسان حرقوص بن زهير حينما قال للإمام علِى «ذلك ذنب ينبغى أن تتوب منه»، إنه تحويل الخلاف السياسى -تحويل الخلاف فى الرأى- إلى خلاف شرعى ودينى وعقَدى يأثم به صاحبه.

كان الإمام على يدرك ذلك؛ لذا قال لحرقوص: ما هو بذنب ولكنه عجز من الرأى وقد تقدمت إليكم فى ما كان منه ونهيتكم عنه، فقال له زرعة بن البرج: «أما والله يا علِى لئن لم تدع تحكيم الرجال فى كتاب الله، لأقاتلنّك أطلب بذلك رحمة الله ورضوانه»، فلما قام الإمام على خطيبًا للجمعة، قامت جماعة من هؤلاء فتعرضوا للإمام على سبًّا وشتمًا مرددين فى صوت واحد: لا حكم إلا لله، ثم قام واحد منهم معلنًا كفر علِى وذهاب فضله، وتلا قول الله تعالى «ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونَنّ من الخاسرين». «65: الزمر»،

ثم خرجوا ليؤسسوا أول جماعة إسلامية فى التاريخ، وسموا أنفسهم «الشراة» أى الذين يشرون أنفسهم ابتغاء مرضاة الله بسبّ على وشتمه وتكفيره وقتاله هو ومن معه، فالأمة الإسلامية كلها فى جانب وهم فقط ومن معهم فى جانب آخر تمامًا.

 

هم الشراة، هم الدعاة، هم المتمسكون بكتاب الله، هم الخوارج، أول فرقة فى التاريخ وضعت البذرة العفنة من تحويل كل خلاف سياسى إلى خلاف شرعى ودينى وعقَدى، فيترتب عليه الإثم والكفر والقتل والقتال. إنه نفس المبدأ الذى ما زال يشقينا إلى الآن برعاية السيد رئيس الجمهورية، والسيد رئيس الوزراء وحكومته؛ لذا وجب علينا غدًا أن نكمل المسير والنذير. يتبع..



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.