لا أهل الجنة يتحدثون اللغة العربية.. ولا أهل النار يتحدثون الفارسية

على أبو الخير



لا أهل الجنة يتحدثون اللغة العربية.. ولا أهل النار يتحدثون الفارسية



نزل القرآن الكريم على قلب النبى الأمين محمد، صلى الله عليه وسلم، بلغة قومه قبيلة قريش، قال تعالى فى سورة "يوسف- 2": "إنا أنزلناه قرآنا عربيًّا لعلكم تعقلون"، وأيضًا قال فى سورة "طه- 113": "وكذلك أنزلناه قرآنًا عربيًّا"، ثم قال كذلك فى سورة "الزمر- 28": "قرآنًا عربيًّا"، وغيرها من الآيات التى تتحدث عن عروبة لغة القرآن، وهو أمر بديهى، فكل نبى توحى إليه الرسالة بلسان قومه، فكل نبى لابد أن يتحدث بلغته وتنزل عليه رسالة الله بلغته، فأنبياء بنى إسرائيل ومعهم المسيح كانوا يتحدثون العبرانية مختلطة بالآرامية والسريانية، وهى لغات سامية، ونزلت الألواح بوصاياها العشر على موسى فوق جبل الطور بنفس اللغة، وأى لغة تنقسم وتتفاعل وتأخذ وتعطى غيرها من اللغات، فالله لم يبلبل ألسنة البشر فى مدينة "بابل العراقية"، لا لشىء إلا من أجل عدم تفاهمهم، كما جاء فى "العهد القديم"، لأن اللغات تبدو ككائن حى يتواصل بتواصل مسيرة الشعوب وتواصلها بعضها مع بعض من خلال الهجرات وتبادل الثقافات عبر جغرافيا الأرض رغم صعوبة وسائل التواصل، واللغة العربية مثل غيرها من اللغات، هى لغة سامية قريبة من باقى اللغات السامية، يقول الدكتور سيد القمنى فى كتابه "النبى إبراهيم والتاريخ المجهول": "إن اللغة الآرامية أصل اللغات السامية، وأن دولة أرمينيا هو موطن النبى إبراهيم، ومنها هاجر إلى فلسطين"، أما الباحث سعد العدل فى كتابه "أبو الأنبياء أخناتون" قال: "إن اللغة المصرية القديمة هيروغليفية أو ديموطيقة أو قبطية حديثة نسبيًّا، تُعتبر لغة (ضاد)، وأنها الأصل للغات السامية، وأن المصريين تعرّبوا مسلمين ومسيحيين، لأن اللغة العربية لهجمة من لهجات اللغة السامية"، وغيرها من الآراء البحثية العلمية، التى نتفق أو نتخلف من حولها.

 

كل ذلك أمر محمود، ولكنه فى النهاية لا يعطى أفضلية ولا قداسة على لغة دون لغة، ولكن يعتقد الشيوخ ورجال الدين والفقهاء والعوام جميعًا، أن اللغة العربية لغة مقدسة مصونة معصومة، لأنها لغة القرآن، ولأنها مقدسة فلابد أن تكون أصل اللغات، وتكون لغة آدم أبى البشر، ولغة أهل الجنة، نجد مثلًا ذلك فى ما ذكره ابن كثير فى تفسيره للقرآن الكريم، عند قوله تعالى فى سورة "الشعراء- 195": "بلسان عربى مبين"، قال واللسان يوم القيامة بالسريانية، فمن دخل الجنة تكلم بالعربية، رواه ابن أبى حاتم، ومنها ما ذكره ابن القيم فى كتابه "حادى الأرواح إلى بلاد الأفراح"، قال: عكرمة عن ابن عباس قال: لسان أهل الجنة عربى، وقال الزهرى: "لسان أهل الجنة عربى"، وقِيل إن العربية مشتقة من اسم "يَعرُب بن كنعان"، وقيل إنّ النبى إسماعيل بن إبراهيم، عليهما السلام، هو أوّل من قُوِّم لسانه بالعربية المُبينة، وهو فى سن الرابعة عشرة، وأرجح الروايات أن العربية كانت لغة آدم، عليه السلام، فى الجنة، وقد ألهمه الله تعالى النُّطق العربى، وعلَّمه الأسماء التى أصبح مُتعارَفًا عليها الآن بين الناس، مثل: إنسان، ودابّة، وأرض، وبحر، وسهل، وحمار، وغيرها، كما قال الله تعالى: "وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ"، وقِيل إنّ اللسان ظلَّ عربيًّا إلى عهد طويل، حتى حُرِّفت اللغة وأصبحت سريانيّة، وهذا ينفى القول إن العربية أصولها سريانية، أو آرامية".. انتهى ما قاله ابن كثير، ونجد فيه الكثير من الخلط والتخبط وعدم العقلانية فى ما يقول، ثم زاد آخرون على ابن كثير، فقالوا إن لغة أهل النار "فارسية"، لأنهم كانوا مجوسًا يعبدون النار، ثم نسبوا شعرًا أو حوارًا شعريًّا على حسب الأوزان والبحور والقوافى العربية، رثاء من آدم لـ"هابيل" وردودا "شامتة من إبليس اللعين"، جاء فيه:

 

وجاورنا عدوًّا ليس يفنى لعينَ ألا يموتُ فنستريحُ؟
أهابلُ إن قُتلتَ فإنَّ قلبى عليك اليوم مكتئبٌ جريح
فأجاب إبليس قائلًا: تنحَّ عن الجنان
وساكنيها، ففى الفردوس ضاق بك الفسيحُ
وكنتَ بها وأهلك فى رخاءٍ وهمُّكَ عن أذى الدنيا مريح
فما برحت مكابدتى ومكرى إلى أن فاتك الثمنُ الرَّبِيْحُ
ولولا رحمةُ الرحمن أمسى بكفِّك من جنان الخلد ريحُ

 

ونجد فى الشعر المنسوب لآدم ما يغيظ أى باحث أو صاحب عقل، ولذا كان من حق الدكتور طه حسين فى كتابه "فى الشعر الجاهلى"، أن يورد شعر آدم، وهو يسخر قائلًا: نحن نكتب جادين ولسنا هازلين، لأن ورود مثل هذا الشعر وغيره يتنافى مع أصل اللغات وتفرعها من خلال اللهجات عبر آلاف أو ملايين السنين، واللغة القرآنية كانت بحروف سبعة، ضاعت ستة وبقيت لغة أو لهجة قريش، المتداولة اليوم، يعنى أنها ليست مقدسة لأن باقى الأحرف الستة تظل أيضًا مقدسة، وإلا فالجميع سواء، وبالتالى لا نجد أى سبب أن تكون اللغة العربية أصل اللغات أو لغة آدم أو أنها لغة أهل الجنة، واللغة العربية لا تعطى ميزة للمسلم العربى على غير العربى، فالله تعالى يقول فى سورة "الحجرات 13": "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، وقال النبى محمد عليه السلام: "لا فضل لعربى على عجمى ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح"، فالأفضلية بالعمل وليس اللغة، بالعقل وليس اللسان، ولو تأملنا لوجدنا أن أكثر من ثلثى المسلمين لغتهم غير عربية مثل إندونيسيا وماليزيا وباكستان وبنجلاديش ونيجيريا وتركيا وإيران، وغيرها من بلاد المسلمين، وهم مسلمون أفضلهم هو أتقاهم، والرسول قال أيضًا "ليست العربية لكم بأب أو أم، فمن تحدث العربية فهو عربى"، هو عربى بلا ميزة، ولكنّ المؤرخين قالوا بقداسة اللغة، وقداسة أهل اللغة، وهم العرب، ولذلك لم يتول الخلافة إلا بنسب عربى، وقرشى على وجه الخصوص، أو بالغلبة العسكرية، وهى القهر بالمفهوم الفقهى السلطانى، كما جاء فى كتاب "الأحكام السلطانية" لأبى الحسن الماوردى، وتغاضى الفقهاء عن عروبة وقرشية السلاطين العثمانيين، ولكنهم ظلوا يرددون فقه قداسة لغة العرب، ولا نعلم مصير وكيفية حديث المسلم غير العربى فى الجنة وهو لا يعلمها فى الدنيا.

 

المدهش أن شعبين من أكثر الشعوب تأثيرًا فى التاريخ الإسلامى، أخذا الإسلام ورفضا اللغة، وهاتان الدولتين هما فارس الشيعية وتركيا السنّيّة، فارس عرفت الإسلام مبكرًا، وصارت اللغة العربية لها اللغة الأم، وكان منها فقهاء كأبى حنيفة النعمان، وشعراء مثل أبى نوّاس مهيار الديلمى، وواضع كتاب "الكتاب" فى النحو العربى هو سيبويه الفارسى وابن سينا.. وغيرهم كثيرون، أما الأتراك فقد برزوا فى الحروب العسكرية منذ أن أتى بهم الخليفة العباسى المعتصم من شرق آسيا، ليستقروا فى النهاية فى المنطقة التى يعيشون فيها اليوم، وأسسوا "الدولة السلجوقية"، ومنها استمد العثمانيون دولتهم الحالية، خصوصًا بعد أن تمكن محمد الفاتح من السيطرة على المدينة التاريخية "القسطنطينية" عام 1453، ومع كل ذلك عاد "الترك" و"الفرس" إلى لغتهم الأصلية بكثير من المصطلحات العربية، هذا وقد احتار المؤرخون فى سبب العزوف عن اللغة العربية، أرجعوها لأسباب كثيرة متعددة ليست دينية، لا مجال للكتابة عنها.

 

إن اللغة العربية القرآنية عرّبت من اتخذوها "لغة أم"، ولكنها لم تقدس العرب، ويمكن تخطِّى الوجدان العربى، ونقول إن المسلمين غير العرب، عرفوا الديمقراطية وتداول السلطة فى بعض الدول مثل إندونيسيا وماليزيا، وحكمت نساء مسلمات كما حدث فى بنجلاديش وباكستان، والمسلمون العرب أكثر المسلمين نشرًا ورعاية للفكر السلفى الوهابى، لا نقول إن اللغة سبب الإرهاب، ولكن نريد الفصل بين الإسلام كمقدس، واللغة ككائن معنوى غير مقدس، يمكن نقده، وهو أمر يعطى مسافة هائلة وواسعة لتجديد الخطاب الدينى، هذا لمَن كان له عقل رشيد، وقلب منيب، والله تعالى أعلى وأعلم.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...