الحروب الصليبية كادت تنتهى باحتلال أنطاكية وليس القدس!

عصام الزهيري



الحروب الصليبية كادت تنتهى باحتلال أنطاكية وليس القدس!



بنفس الطريقة التى تعتمد بها القراءة الأصولية الدينية المتشددة على الجهل المريع لأتباعها سواءً فى مجال العقائد أو فى ميدان التاريخ، تقوم هذه النظرة بعزل واقعة الحروب الصليبية من سياقها التاريخى بصفتها فصلًا من فصول نزاع ملىء بالأفعال وردود الأفعال بشكل متبادل، بحيث لا يمكن اعتبار هذا النزاع نزاعًا دينيًّا خالصًا، ولا اقتصاديًّا وسياسيًّا خالصًا، ولا حتى ثقافيًّا وحضاريًّا خالصًا، ولا يمكن النظر إليه إلا بوصفه شكلًا واحدًا من أشكال كثيرة من علاقات الجدل والتبادل التى ربطت أمم العالم كلها قديمًا وحديثًا.


فى مقابل ذلك تستخدم النظرة الأصولية الواقعة الصليبية التى جرت منذ ألف عام تقريبًا دليلًا على صدق مقولة الصدام الحتمى بين الحضارات والأديان والمعتقدات، وبخاصة بين الجانبين المسيحى والإسلامى، ودليلا على أن مشاعر الكراهية والحقد الدينى والعدوان والغزو المتبادل هو أساس العلاقة السائد بين الأمم وبعضها، وعلى أنه تاريخ البشر كلهم يمكن تلخيصه فى سلسلة من الحروب والحروب المضادة، جهاد دفع وجهاد طلب، حروب غزو وحروب غزو معاكس، حتى لو كان كل تاريخ هذه الحروب لا يستغرق غير أسطر قليلة فى فصول متوالية من كتاب علاقات ضخم يعكس التبادل والتداخل والجدل والامتزاج والتأثر والتأثير بين مختلف الأمم والشعوب والحضارات!

 

لذلك كانت المعرفة هى الضمان الوحيد الدائم لتبديد شحنات العداء والكراهية والتعصب الأصولى، بحكم ما تنبنى عليه النظرة الأصولية من الجهل الشامل بحقائق الطبيعة والتاريخ البديهية، وما ترتكز عليه من انتقائية شديدة لأحداث التاريخ، ومن نظرة جزئية تصادر وتطارد الحقائق، ومن إعلاء لمفاهيم وقيم التجييش والتجنيد والأدلجة والعسكرة على حساب الوعى والفهم والإدراك والدراسة، وكل ذلك يجعل من إعادة القراءة المدققة والعلمية والتفصيلية لواقعة مثل الحروب الصليبية فى سياقها التاريخى الصحيح ومن كتابات مؤرخيها واجبًا لا مفر من أدائه.

 

ورغم أن محور الحروب الصليبية يدور مكانيًّا حول بيت المقدس: القدس بالاصطلاح العربى، أورشليم فى الاصطلاح اليهودى، إيلياء فى الاصطلاح المسيحى، إلا أن أول ما يلفت النظر من حقائق الحملة الصليبية الأولى العسكرية أن معركة حصار بيت المقدس الذى استمر 11 يوما فقط لا غير، لم تكن هى المعركة الأم أو الأساسية الفاصلة فى تاريخ هذه الحملة، بل إن معركة "فتح" أنطاكية واستيلاء الفرنجة عليها كانت هى الحرب الحقيقية الفاصلة، والأكثر إدهاشا أنه كان من الممكن جدا ومن غير المستبعد تاريخيا -وطبقا لشهادات المؤرخين الصليبيين أنفسهم- أن تكون أنطاكية وليس القدس هى المعركة الختامية فى الحرب الصليبية الأولى.

 

أنطاكية هى المدينة السورية التى تقع اليوم مع الإقليم الذى يضمها وهو "لواء الإسكندرون" تحت طائلة الاحتلال التركى، تعتبر من أهم المدن فى تاريخ سوريا، إذ كانت عاصمتها قبل "الفتح" العربى فى القرن السابع الميلادى، وهى المدينة التى استولى على موقعها "سلوقس نيكتور" أحد قادة الإسكندر الأكبر ووارثى القسم السورى من إمبراطوريته بعد وفاته، سماها "أنطاكية" على اسم أبيه "أنطيوخوس"، وقد لُقبت فى ما بعد بلقب "مهد المسيحية" بسبب الدور المحورى الذى لعبته فى تاريخ الديانة، إذ خرج لقب "مسيحى" الذى أطلق على المؤمنين بالمسيحية لأول مرة سنة 42م تقريبا من هذه المدينة بالذات، ووقعت المدينة ضمن أملاك الإمبراطورية البيزنطية المسيحية الشرقية حتى احتلها الفرس، ثم دخلها العرب سنة 637م قبل أن يستردها من يد العرب الإمبراطور البيزنطى "نيكفوروس الثانى"، لكنها وقعت من جديد ولأربعة عشر عامًا قبل الحروب الصليبية فى أيدى الأتراك السلاجقة، وكانت حروب هؤلاء وتوسعهم على حساب الإمبراطورية البيزنطية أحد الأسباب المعلنة للحروب الصليبية فى الغرب.

 

فى يونيو 1097م وصلت الحملة الصليبية الأولى إلى أسوار أنطاكية بعد أن نجحت جيوشها فى سحق السلاجقة فى معركة "ضوروليوم"، كانت هذه المعركة أول انتصار كبير يحرزه الصليبيون فى الشرق ووصفه مؤرخو الحملة بأنه "معجزة إلهية"، حيث عدوا -بما لا يخلو من المبالغة بالطبع- قوام القوات المعادية بثلاثمئة وستين ألف مقاتل، قالوا إنهم كانوا من الأتراك والعرب والفرس والبيالصة، والأخيرة هى فرقة مقاتلة من المسيحيين أتباع القديس بولس، يعتبرها المسيحيون الغربيون والشرقيون من فرق المبتدعة المهرطقة وحاربت فى صفوف المسلمين ضد الصليبيين. ويثبت مؤرخو الحملة فى سياق معركة "ضوروليوم" موافقتهم لمقولة لا تستغرب عنصريتها على ثقافة تلك الأزمنة، وتدول حول انتساب الأتراك السلاجقة لجنس الغازين الفرنجة: "ولديهم قول شائع بأنهم والفرنج من أصل واحد، وأنهم فقط والفرنج خلقوا ليكونوا فرسانا، وهذا حقيقى، ولا يستطيع أحد أن ينكره"!

 

على كل حال أخلت هذه المعركة الكبيرة الطريق أمام الفرنجة إلى المدينة المسيحية المهمة، وهناك ضربوا من حول أنطاكية حصارا طويلا ذاقوا خلاله الأمرّين جوعا وعطشا وعنادا، يقول "فوشيه الشارترى" الراهب ومؤرخ الحملة أنهم أكلوا فى هذه الضائقة أعواد الفول التى كانت لا تزال تنمو فى الحقول، وأنواع الأعشاب دون ملح، والأشواك التى لم يكن يتم طهوها بسبب النقص فى أخشاب الوقود، ثم امتد الأمر إلى أكل الخيول والبغال والجمال النافقة، ثم الكلاب وحتى الفئران، بل وبذور الغلال التى وجدت فى الفضلات وأكوام القمامة، وعلى العادة كان التبرير الدينى حاضرًا: "اعتقدنا أن هذه الكوارث حلت بالفرنج وأنهم لن يستطيعوا الاستيلاء على المدينة بسبب خطاياهم، ذلك بأنهم أفسدوا بسبب الإسراف والجشع والكبرياء والطمع. وبعد عقد اجتماع تشاورى طردوا النساء من الجيش، سواء المتزوجات أو غير المتزوجات حتى لا يغريهن الطمع فيغضبن الرب"!

 

وبدأ تسلل وهروب بعض القادة وكثير من الجنود الفقراء المذعورين بعد أخبار قدوم جيش سلجوقى ضخم لحصار محاصرى المدينة من الفرنجة، واستيقظت معجزات ورؤى وخزعبلات هدفت كلها لإنقاذ الروح المعنوية المحطمة لجنود وقادة الحملة، ولولا أن المدينة سقطت بطريق الخيانة لانسحقت الحملة الصليبية هناك عند أسوار أنطاكية سحقًا نهائيًّا.

قصة هذه الخيانة يمكن أن تبدأ برواية الراهب ومؤرخ الحملة "ريمون الأجويلرى" الذى يقول: "عندما استولى الأتراك على أنطاكية قبل أربعة عشر عامًا، حولوا الشباب الأرمنى واليونانى إلى الإسلام، كما لو كانوا خدما وزوجوهم، وعندما كان أمثال هؤلاء الرجال يجدون فرصة للهرب كانوا يأتون إلينا بالخيول والأسلحة". أحد هؤلاء المتحولين للإسلام قسرًا كان "فيروز" أو "بيروس" الذى كان نائبا لحاكم المدينة السلجوقى، وكان أرمينيا ويعنى اسمه فى اللغة الأرمينية: "المنتصر". ساعد "فيروز" الصليبيين على تسلق أسوار المدينة بليل وقتل الحراس وفتح أبوابها من الداخل، وعلى العادة أيضًا كان التبرير الدينى للخيانة حاضرًا، يقول "الشارترى": "فقد تجلى سيدنا (يقصد السيد المسيح) لواحد من الأتراك اختاره بنعمته وقال له: انهض أيها النائم فإننى آمرك أن تعيد المدينة للمسيحيين! وقد صمت الرجل المندهش عن هذه الرؤيا، ومرة أخرى تجلى الرب له وقال: أعد المدينة للمسيحيين لأننى أنا المسيح حقا آمرك بهذا! وحار الرجل فى أمره ولم يدر ماذا يفعل فذهب إلى سيده أمير أنطاكية وأخبره بنبأ الرؤيا، فأجابه بقوله: هل تريد أيها الرجل أن تطيع شبحًا؟ ثم عاود الرب الظهور له قائلًا: لماذا لم تفعل ما أمرت به؟ ليس لك أن تتردد لأننى الذى آمر بهذا سيد الجميع!".

 

بعد استسلام المدينة الذى أعقب قتالا شرسا ومذابح غزيرة وخيانات وبشاعات دموية هائلة فى يوليو 1098م أرسل قادة الحملة رسالة إلى بابا روما فى 11 سبتمبر 1098م يطلبون منه المجىء والإقامة فى أنطاكية لقيادة حملة استرداد بيت المقدس، رغم أن الطريق إلى القدس بات بعد هذه الهزيمة الكبرى للسلاجقة عند أسوار أنطاكية مفتوحا وسهلا، إلا أن النزاعات التى نشبت بين أمراء الحملة على الحق فى حكم المدينة المهمة أدت إلى استرخاء وتفرق الجيش الصليبى، وأخذت قطاعاته تحت إمرة قادة صغار تستولى على القرى والأراضى المجاورة طمعًا فى الحصول على إقطاعيات مستقلة، وجد الصليبيون بعد الرحلة الشاقة والمعارك المهلكة السكن لذيذًا والإقامة مريحة، ولولا ثورة الجنود الفقراء الذين لم تتحقق أطماعهم وتهديدهم بحرق أنطاكية والإطاحة بأملاك القادة لبقى الصليبيون فى أنطاكية للأبد، ولما بدؤوا مسيرة لاحتلال أورشليم التى بدت قياسًا لما لاقوه عند أسوار أنطاكية غنيمة سهلة. "ريمون الأجويلرى" مؤرخ الحملة يقول عن ذلك: "تبعثر الجيش فى مناطق الريف المجاورة لجمع المؤن، ولم يرد حتى ذكر ضرورة تجهيز الآلات اللازمة للاستيلاء على المدينة، فقد كان كل رجل يخدم فمه ومعدته. ما هو أسوأ من ذلك فإنهم حتى لم يطلبوا من الرب أن يحررهم من مثل هذه الشرور العظيمة المتعددة".

 

وكما ترى فإن حقائق التاريخ تختلف اختلافًا كليًّا عن نظرة الأصولية الدينية الشائكة والتمجيدية على كلا الجانبَين.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.