جموح الفخرانى ومتعته

د.سيد ضيف الله



 جموح الفخرانى ومتعته



فى مجموعته القصصية «طرق سرية للجموح» الصادرة عن دار «إشراق»، يقدِّم محمد الفخرانى عددًا من القصص الممتعة، ليس فقط بأسلوبها القصصى المتميز لغويًّا بانسيابيته الملحوظة، وإنما للاستمتاع النقدى لما تطرحه هذه القصص من أسئلة حول نمط الخيال الذى يتآلف مع فن القصة القصيرة.

 

يبدو لى أن للخيال أنماطًا أو درجات تتخذ ملامح مميزة فتصبح فى الذاكرة القرائية للأدب أنماطًا للخيال، ويبدو لى كذلك أن الذاكرة القرائية فى كل ثقافة -أو بالأحرى لدى كل متلقٍّ فى سياق ثقافى محدد- قد تقود كل منا فى صمت للقول بأن هذا النمط من الخيال هو خيال شعرى، وذاك النمط من الخيال هو خيال روائى، أما هذا فهو أقرب لما اعتدنا قراءته فى القصة القصيرة. وقد نخرج عن صمتنا حين تتزعزع التصنيفات فى أذهاننا عندما نرى ما حسبناه خيال الشعر قد أصبح مجاله الرواية، والمفارقة أننا لا نقول رواية شعرية لتداخل أنماط

 

الخيال، بينما نقول إنها رواية شعرية فقط عندما تتداخل أساليب اللغة المألوفة للشعر مع تلك المألوفة للرواية!

ومن هنا فإن قصص محمد الفخرانى «طرق سرية للجموح» تخالف المألوف من نمط الخيال المقترن فى أذهاننا بالقصة القصيرة، ذلك لأنه اختار أن يكتب قصة حياة الأفكار والمعانى لا قصص حيوات الشخوص والكائنات. وذلك خلافًا لما اعتاده العرب فى بلاغتهم حين جعلوا الأفكار والمعانى تتضح بتشخيصها أو أنسنتها عبر الاستعارات والتشبيهات والكنايات!

إن الفخرانى لا يشخصن المعانى، لأنه يسردها باعتبارها الأوْلى بالسرد، والواضحة بذاتها وضوحًا أغناه عن مقاربتها بعالمنا، فخلق لنا عالمًا من المعانى التى يصعب أن نجرها إلى عالمنا، وإن كانت ستبقى تذكِّرنا بكلمات فى لغتنا تشير إليها، مع أن المفترض أن يشير اللفظ إلى المعنى!

 

إن الفخرانى يوضح -مثلًا- بما رسمه من قص لحياة الحرية فى قصة «لها ضوء وجموح، تجول الشوارع، وتحلل العالم» مشاعر دقيقة للحرية فنرى خفتها، تلك الخفة التى لا يماثلها بملموس وإنما يماثلها بفكرة! ونرى أزمة تعريفها من خلال ذلك الكائن/ المعنى الذى يشعر بأنه قابل الحرية فى حياة سابقة مثل صديقاتها من المعانى، وسوف يقابلهن فى حيوات أخرى، لكنها الحرية وحدها التى يحتفظ لها بعلاقة خاصة لا يستطيع تسميتها، لكنها ليست علاقة الحب على كل حال.

«قلت إنها ليست حبيبتى، لكننى لم أقل ماذا تكون»!

 

ومثلما تتجلَّى الحرية معنى فى قصتها يتجلَّى الزمن معنى فى قصة «دقيقة»، إنها تلك الدقيقة التى استطاعت أن تبقى فى الحاضر لترقب مرور الدقائق الأخرى للماضى! وإن ظهر الإنسان هنا فظهوره بصفته صائد الدقائق المبهج منها والمؤلم أو من توقفت حياته على دقيقة ما، لتنشأ علاقة تراضٍ/ ألفة بين دقيقة ترقب دقائق أخرى تمر للماضى، وإنسان يصطاد الدقائق التى ليست سوى حياته التى تمر نحو الماضى!

والأمثلة على ذلك عديدة فى هذه المجموعة القصصية بما يسمح لنا بالقول إنها مجموعة قصصية مثيرة للعقل النقدى وممتعة للذائقة الأدبية.



أقرأ أيضا

البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...
البلد

أنصتوا إلى الشعب اللبناني

في عام 2012، كتبت مقالاً عن لبنان ما زال ينم عن الواقع حتى الآن، وأنهيت مقالي باقتباس واحدة من أفضل المقالات التي كتبها «جبران خليل جبران»، بعنوان «أنت لديك لبنان الخاص بك، وأنا لدي لبنان الخاص بي»...
البلد

ترامب.. استراتيجية الانتصار!

في الوقت الذي يواصل فيه الديمقراطيون التصعيد ضد ترامب، في قضية أوكرانيا، على أمل أن ينجحوا بعزله، وهي المهمة المستحيلة، التي يعملون عليها، منذ أن فاجأ ترامب أميركا والعالم، بفوزه غير المتوقع بالرئاسة، يجوب ترامب القارّة الأميركية متحدّيا.
البلد

الأكراد.. تاريخ من الدم وحاضر من الفشل

عندما بدأت تركيا في التاسع من أكتوبر الماضي غزوًا وعدوانًا واحتلالًا عسكريًّا على مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطي (قسد) في شمال شرقي سوريا، ادَّعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن الهدف من هجومه هو تدمير "ممر الإرهاب" على الحدود الجنوبية لتركيا، غير أن كل الدلائل السياسية، التي سبقت العدوان العسكري التركي ضد قوات سوريا الديمقراطية، كانت تشير إلى هذه النهاية المأساوية لهذه القوات...
البلد

الجوكر وباتمان.. فن صناعة الشر

آرثر فليك، نموذج للمواطن الأمريكي الفقير المهمش الذي يحاول أن يجد له موضع قدم ولقمة عيش وسط مجتمع رأسمالي ساحق للفقراء بالعمل كمهرج أجير في النهار؛ أملًا منه في أن يكون فنان "ستاند أب كوميدي" في المساء.