إذا أُسرى بالنبى وعُرِّج.. فلماذا لا يرى الله جهرة؟!

سمير درويش



 إذا أُسرى بالنبى وعُرِّج.. فلماذا لا يرى الله جهرة؟!



الأئمة منقسمون إلى قسمين فى ما يتعلق برؤية النبى الله عز وجل حين عرج إلى السماء وتجاوز السماوات السبع إلى سدرة المنتهى، وفى القرآن الكريم آيات تؤيد كلا الرأيين، فذكر عن ابن عباس- فى رواية مسلم- أن الرسول رأى الله بفؤاده مرتين، وقال: ما كذب الفؤاد ما رأى، ولقد رآه نزلة أخرى، وكذلك قال أحمد فى مسنده وآخرون، غير أنه ثبت عن عائشة بنت أبى بكر قولها- فى رواية البخارى- من حدثك أن محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم رأى ربه فقد كذب، وهو يقول: لا تدركه الأبصار.. وعن أبى ذر- فى رواية مسلم أيضًا- قال: سألت رسول الله، هل رأيت ربك؟ قال: نورٌ أنَّى أراه.

 

الفريق الذى يقول إن النبى رأى الله ينطلق من فرضية أنه بشر مميز، وأنه نال ما لم ينله غيره فى الإسراء والمعراج، حيث أسرى به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى على ظهر البراق، يرافقه جبريل عليه السلام، حتى عرج به إلى السماء السابعة، وتخطاها حتى سدرة المنتهى، وبهذا تم تفضيله على جميع الرسل الذين جاؤوا قبله، والذين مر بسبعة منهم فى طريقه، كل نبى فى سماء.. حتى جبريل توقف عند السماء السابعة وتخطاها محمد وحده، ليس هذا فحسب، بل إنه ناقش المولى عز وجل فى أمر الصلاة التى فرضها على قومه، فخففها له الله من خمسين إلى خمس فى اليوم والليلة، بعد أن نصحه موسى عليه السلام بذلك، الذى يقطن السماء السابعة، قائلاً: إن أمتك لا تطيق ذلك، حسب ما ورد فى حديث البخارى.

 

اللافت هنا أن البخارى ومسلم هما أكثر كتابين فى كتب الأحاديث يثق فيهما عامة المسلمين، بالإضافة إلى مسند أحمد، وأنهما اختلفا فى أمر جلل كرؤية النبى لربه، والأهم أن إسناد الروايتين حسن، فأحدهما عن عائشة أم المؤمنين وأقرب زوجات النبى إلى قلبه بعد خديجة، والثانى عن ابن عباس، وأن القرآن يدعم الروايتين، والقرآن حمَّال أوجه كما ورد عن على بن أبى طالب، وقبله عن عمر بن الخطاب، وأنا أظن أن تثبيت الرؤية أو نفيها لا يفيد الآن، خصوصا أن المسلم لا يحتاج إلى تأكيد حول هذا الأمر؛ ليؤمن أو يرتد، وتحقق الرؤية من عدمها ينتمى إلى التاريخ الماضى الذى لن يعود ولن يتكرر، لكن الاختلاف- فى ظنى- يهز الثقة فى الروايات التى نقلت- ليس فى هذا الأمر وحده- ويؤكد أنها خضعت للتحريف والتشويه والتفسير على الهوى والتضخيم والنسيان وجميع مظاهر الضعف الإنسانى، وهو ما يضعف فكرة تقديس الأحاديث واعتبارها مكملة للقرآن، وناسخة لبعض أحكامه عند البعض.

 

بعض المتأخرين يقول إنه ليس ثمة تعارض بين الروايتين، فعائشة أرادت الرؤية بالعين، ولم يقل بها ابن عباس، وهم- إضافة إلى عائشة- يتعاملون مع الأمر باعتبار النبى بشرًا عاديًّا يسرى عليه ما يسرى على البشر، وأن رؤية الله جهرة تستعصى عليهم، وقصة قوم موسى التى وردت فى سورة البقرة «55» معروفة: «وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ»، وإن أبصار البشر قاصرة لا ترى ما لا يريد الله لها أن تراه: «لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ»، لكن ضعف تلك الرؤية يتبدى من أن الحدث كله غير عادى، ولا يمكن رؤيته من منظور بشرى، فليس ميسرًا لآحاد الناس طى المسافات التى تحتاج إلى أشهر فى ثوانٍ، فضلاً عن الارتقاء إلى السدرة ومخاطبة الأنبياء، بل مخاطبة الله جل شأنه، وبالتالى فالأقرب للمنطق هنا ألا نعامل النبى- فى تلك اللحظات- كما نعامل أنفسنا وإدراكاتنا.

 

كما أن فكرة رؤية الله ليست مستبعدة بالكامل، فقد ورد فى غير موضع أن ذلك سيتيسر للمؤمنين فى الجنة، ويمتنع عن الكفار فى النار، ففى الصحيحين من حديث جرير بن عبد الله البحلى قال: كنَّا جلوسًا مع النبى، فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة، فقال: إنكم سترون ربكم عيانًا كما ترون هذا، ولا تضامون فى رؤيته.. أى لا تحرمون منها، وفيهما عن أبى هريرة أن ناسًا قالوا لرسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضامون فى رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا، قال: هل تضامون فى رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترونه كذلك.. والمعنى أن المؤمنين سيرون الله رؤية واضحة صحيحة لا لبس فيها.. بل إن غالبية الفقهاء ذهبوا إلى تكفير من يقول بغير رؤية الله يوم القيامة؛ لأنه يكذب رسول الله الذى قطع برؤيته دون حجاب.. وقد ورد فى كتب الأحاديث أن الله سيسأل المؤمنين إن كان ينقصهم شىء، فيردون بأنهم منعمون لا ينقصهم شىء، فيرفع الله سبحانه وتعالى الحجاب ليرونه كأعلى مكافأة لهم على إيمانهم، وأن رؤيته تعالى لا يعادلها شىء.

 

رحلة الإسراء والمعراج ثابتة فى القرآن الكريم- كإحدى المعجزات الكبرى للنبى- فى قوله تعالى: «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» «الإسراء:1»، كما جاء فى صحيح مسلم عن النبى أن كفار قريش حين لم يصدقوه عمدوا إلى إحراجه؛ لتكون تلك الضربة القاصمة له ولدعوته، يقول عليه الصلاة والسلام: لقد رأيتنى فى الحجر وقريش تسألنى عن مسراى، فسألتنى عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربة ما كربت مثلها قط، قال: فرفعه الله لى أنظر إليه، ما يسألونى عن شىء إلا أنبأتهم به، وقد رأيتنى فى جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلى، فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى ابن مريم عليه السلام قائم يصلى أقرب الناس به شبهًا عروة بن مسعود الثقفى، وإذا إبراهيم عليه السلام قائم يصلى أشبه الناس به صاحبكم، يعنى نفسه، فحانت الصلاة، فأممتهم، فلما فرغت من الصلاة قال قائل: يا محمد، هذا مالك صاحب النار، فسلِّمْ عليه، فالتفتُّ إليه، فبدأنى بالسلام.

 

فكيف بالله نحاج الذين يقولون إن محمدًا رأى الله بالقول إنه بشر، وإن البشر لن يروه جل وعلا فى حياتهم إلا فى الحلم، فهل البشر يطوون الأرض ويتخطون الزمن ويؤمون الأنبياء فى الصلاة- وكلهم ماتوا-، ويأتيه الله بالمسجد الأقصى أمامه حتى يصفه للسائلين دحضًا لشكوكهم وردًّا لاستفساراتهم، والأهم أنه يبحث عن شبيه للأنبياء بين صحابته!

آفة بعض تلك الكتب أنها تخضع لأفهام رواتها، والذين روت عنهم، وبعضهم قاصر فهمه، أو يخضع لهوى قلبه وانتمائه لقبيلته، هذا إن صح أن تلك الروايات قيلت بالفعل، أو قيلت على النحو الذى وردت به، وكثيرون- أنا منهم- يشكون فى هذا لتضارب الروايات أحيانًا، ولا معقوليتها ثانية، وتعارضها مع النصوص القرآنية فى أخرى، وآفة الناقلين الاستسلام للروايات وتصديقها على علاتها، والميل إلى تبريرها، بل والخوف من الجهر بتعارضها، اعتقادًا بأن ذلك يهز اليقين بالعقيدة ذاتها، ناسين أن الدين هو ما أنزله الله على نبيه فقط، وأن ما دون ذلك لا يعدو شروحًا وتفسيرات يمكن أن تكون صحيحة كما يمكن أن تكون خاطئة، فضلاً عن أن مرور الزمن وظهور المستجدات يفرز ضرورة المراجعة كل حين، حتى لا يفقد النص حيويته التى هى أهم ما يميزه باعتباره صالحًا لكل مكان وزمان.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.