السُّنة ليست وحيًا بنص القرآن

أحمد وفيق



 السُّنة ليست وحيًا بنص القرآن



أمضى سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- فى هذه الدنيا ثلاثًا وستين سنة، الثلاث والعشرون الأخيرة منها قضاها فى تبليغ الرسالة التى أنزلها الله عليه.

والحد الفاصل بين الأربعين الأولى من حياته الشريفة والثلاث والعشرين الأخيرة هو نزول جبريل، عليه السلام، بالوحى على الرسول فى غار حراء، ومنذ هذه الليلة تحول محمد بن عبد الله من كونه بشرًا إلى النبى المُرسل محمد بن عبد الله، البَشَرى، الذى يوحَى إليه، كما تقول الآية 110 من سورة الكهف: «قل إنما أنا بشر مثلكم يوحَى إلى أنما إلهكم إله واحد…»، أى أن طبيعته البشرية لم تُلغَ أو تتبدل بطبيعة أخرى، كل ما فى الأمر أنها أُضيف إليها طبيعة جديدة أو صفة جديدة، إذا أردنا الدقة.

 

وعلاقة الصفتين البشرية والمُوحَى إليه مع بعضهما، والحدود الفاصلة بينهما، من أكثر الأمور غير المنطقية فى أذهان وكُتُب كهنة السلفية ومتبعيها من المسلمين، فهم يؤمنون بأن نبينا محمدًا كل ما فاهَ به فى سنوات البعث من عند الله، وبالتالى أقواله وأفعاله ملزمة لكل المسلمين فى كل زمان ومكان وجوبًا لا اختيارًا، مثلها مثل القرآن، وإن جاءت تالية له فى المرتبة.

ومن هنا وضعت قاعدة أن السُّنة هى المصدر الثانى للتشريع الإسلامى.

 

وهذا التصور الخاطئ بالكلية عدم منطقيته تكمن فى كونه يلغى الطبيعة البشرية تمامًا، فى مناقضة صريحة للقرآن الكريم، كما أوردنا آية سورة الكهف، وكذا مناقضة لحديث الرسول نفسه فى صحيح مسلم، عندما قال: «إنّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَىْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْىٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ».

 

ولأن لكل شىء أصلا وبداية؛ فإن أصل هذه اللخبطة وبداية هذا الخلط الخطير، وقع بسبب التفسير القاصر والسطحى للآيتين 3 و4 من سورة النجم، حيث يقول الله تعالى: «وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى».

وبناءً على تفاسيرهم، فإن الآية تخبرنا بأن كل ما يقوله الرسول الكريم فى مُطلقه وحى من لدُن عليم خبير، فى تجاهل أو نقص فهم للآية واضحة المعنى، فربّ العزة يخبرنا بوضوح وحسم بأن كل ما ينطق به الرسول وحى، ولم يخبرنا بأن كل ما يقول الرسول وحى.

 

تسألنى: ما الفرق؟ أجيبك: النطق هو نقل الشخص قول غيره؛ مثل الناطق باسم جهة ما الذى لا يتعدى دوره توصيل وجهة نظر ورأى الجهة الممثل لها، أما القول فهو رأى الشخص نفسه الذى يعبر عن أفكاره وقناعاته؛ لذلك فإن كل ما نطق به الرسول مبلغًا عن الله وَحى بلا جدال، ويؤكد هذا أن الآية كانت ردًّا على اتهام مشركى قريش الرسول بتأليف القرآن، فأنزل الله الآية جازمًا بأن كل ما ينقله وينطق به سيدنا محمد من التنزيل الحكيم هو وحى.

 

واتباعًا للمبدأ الذى يسير عليه المفسرون والفقهاء فى فهم معانى الآيات، القائل إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فببحث مواضع الفعل «نطقَ» فى المصحف، يمكننا بسهولة أن ندرك الفرق بين القول والنطق، حيث يقول الله فى سورة «الجاثية- الآية 29»: «هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنَّا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون»، أى أن كتاب أعمالنا سوف يشهد ناقلًا ما سبق وفعلناه فى حياتنا الدنيا دون زيادة منه أو نقصان.

ومثلها الآية 62 من سورة «المؤمنون»: «ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون».

وباقى الآيات الموجود فيها فعل النطق تجدها فى سياق محاولة استنطاق شخص أو شىء ما لشىء معين؛ مثل: «قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون».

 

«الأنبياء- 63»، و«ويل يومئذ للمكذبين هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون». «المرسلات- 34 ،35 ،36».

 

قد ترى أن كل ما سبق مجرد سفسطة لغوية لا تقنعك، إذن أخبرنى كيف يكون كل ما قاله سيدنا محمد وحيًا، أى مطلق الدقة والصدق ومناسبًا لكل زمان ومكان، ثم يعاتبه الله على أكثر من تصرف؛ مثل: «يا أيها النبى لما تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله غفور رحيم». «التحريم- الآية 1»، و«ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم». «الأنفال- الآية 67».

إذا لم تجد ردًّا فسأقول لك إن النطق من اختصاص الرسول محمد الذى يبلغ رسالة ربه كما هى، وبالتالى لا يمكنه أن يخطئ فلا يكون هناك مجال لعتاب الله له؛ لذلك جاء العتاب الإلهى لمحمد النبى.

 

وحتى لا تظن أننى من القرآنيين الذين يرفضون الاعتراف أو الاعتداد بالأحاديث النبوية، دعنا نستشهد بمجموعة من مواقف السيرة النبوية الكاشفة لمعرفة الصحابة جيدًا أن كل ما يقوله النبى ليس وحيًا من عند الله. ففى غزوة بدر عندما نزل منزل سأله الخباب بن المنذر: أهذا منزل أنزلك الله أم هو الرأى والحرب والمشورة والمكيدة؟ قال: هو الرأى والحرب، قال: هذا ليس لك بمنزل.

وفى غزوة الخندق أراد كسر الحصار المضروب حول المدينة فتفاوض مع ممثلى غطفان ونجد على ثلث ثمار المدينة فى نظير فتح ثغرة فى هذا الحصار، لكنه قبل أن يمضى المعاهدة سألوه: أهذا وحى أم هذا رأى رأيته لنا؟ قال: هذا رأى رأيته لكم، فقالوا إنهم مشركون لم يكونوا يتذوقون ثمار المدينة إلا بقرى الضيف أو بالتجارة، كيف نعطيهم ثلث ثمار المدينة بعد أن أعزّنا الله بالإسلام؟ فرفض النبى المعاهدة.

ولك أن تسأل نفسك: كيف للصحابة أن يراجعوا نبيهم ورسولهم وبين أيديهم آية تقضى بأن كلامه كله وحى؟!

 

طيب، هل ما تم عرضه ومناقشته هدفه إنكار أو رفض الأخذ بالأحاديث؟ الإجابة: لا.

لكن الغاية هى وضع أحاديث النبى فى مكانتها الحقيقية بعيدًا عن التقديس الذى يرفعها لمنزلة الوحى، وعن الرفض الذى يجعلها مجرد أقوال مأثورة أو تاريخ مضى وانتهى، فهذه الأحاديث عبارة عن قول نبى لأتباعه فى زمانهم لا يلزمنا منها كل ما يتعارض مع النص الدائم والمُطلق وهو القرآن، وكذلك ما لا يناسب واقعنا وظروفنا المعاصرة.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.