المواريث بين الفقه متعدد الأوطان

على أبو الخير



المواريث بين الفقه متعدد الأوطان



هجوم متعدد الزوايا من الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية وخطباء الجمع والجماعات ضد القانون المقترح من الحكومة التونسية، التى أعلنت دعمها مشروع قانون غير مسبوق فى العالم العربى يضمن المساواة فى الإرث بين الرجل والمرأة، وهو الأمر الذى ما زال يثير جدلًا كبيرًا فى تونس وخارجها.

 

هذا وقد قال الرئيس التونسى القايد السبسى، فى خطاب ألقاه بمناسبة يوم المرأة التونسية: (أقترح أن تصبح المساواة فى الإرث قانونًا)، إلا أنه أوضح أن مشروع القانون الجديد سيترك المجال مفتوحًا أمام اختيار تطبيقه أو عدم تطبيقه، وقال فى هذا الإطار: (بما أن رئيس الدولة هو رئيس الجميع، ومن واجبه التجميع أكثر من التفرقة، فإذا كان المورّث يريد تطبيق القوانين الشرعية فله ذلك، وإذا أراد تطبيق القانون فله ذلك أيضاً)، ولقد أخطأ الرئيس التونسى عندما فرّق بين القوانين الشرعية والقانون، وطبعًا يقصد القانون المدنى، فالقانون هو القانون، ونعلم أن المسلمين أو أغلبهم فى الدول الإسلامية، لا يعطون النساء مواريثهم، لا نصفًا ولا ربعًا، يحرمون الإناث الأخوات أو بنات الأخ من ميراثهن، فى عادات قميئة بعيدة عن أى دين، وبالتالى فالرجال فى تونس ربما سيتحايلون على القانون، ولن يأخذوا به، ولن يعطوا شيئًا، لا نص ولا ثلث، فالضمير هنا هو الأولى إحياؤه، والثقافة يجب تغييرها للأفضل.

 

ولذلك، وفى المقابل لا نجد مسوّغا لكل هذا الهجوم الضارى على الحكومة التونسية، وبمن رأى أن الميراث يخضع للاجتهاد البشرى، مثل الدكتور سعد الدين الهلالى، الذى ناله من الهجوم الكثير، لأنه رأى حقًّا لتونس فى المساواة فى الميراث.. هناك، فى تونس، وليس خارجها، ومن قبل رأى الدكتور نصر حامد أبو زيد أن الإسلام طوّر من الفكر البشرى، ووضع اللبنة الأولى للتساوى فى الميراث بين الذكر والأنثى، عندما جعل للمرأة ميراثًا مهما قلّ، بعد أن كانت هى نفسها تُورّث، والتطور يفرض نفسه على أن تتساوى الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة فى الميراث وغير الميراث، ورأى الدكتور "أبو زيد" أيضا أنه من غير المقبول أن تكون شهادة المرأة الحاصلة على الدكتوراه تعادل نصف شهادة رجل جاهل، وهى آراء استعدَت عليه رجال الدين من كل الاتجاهات، فرحل ليغترب ويموت وحيدًا، كما هو معروف.

 

على أننا لا نبحث قضية الميراث بقدر ما نبحث فى تعدد الفتاوى والاجتهادات، مثلا مصر تعانى من تنامى وتضخم عدد السكان، وتسعى لتنظيم أو تحديد النسل، وبالتالى تأتى الفتاوى التى تناسب وضع مصر الاقتصادى والسكانى، ولكن توجد دول إسلامية أخرى تعانى نقص عدد السكان، فتأتى الفتاوى الداعية إلى كثرة الإنجاب والتناسل، الذى يباهى الرسول، عليه السلام، الأمم بها، ولكن الأصل هو تناغم الفتوى مع البيئة التى تنشده، أو هو فقه متعدد الأوطان.

 

الفقهاء مثلًا قالوا إن الإمام الشافعى غيّر كثيرًا من فقهه عندما استقر به الأمر فى مصر، نظرًا لاختلاف وضع مصر عن وضع العراق، خصوصًا فى ما يتعلق بزكاة الزرع، ولكنهم رفضوا ما اقترحته حكومة تونس، حتى قبل أن يصدّق عليه مجلس النوّاب التونسى، هذا بالإضافة إلى أن أكثر شيوخ تونس رحّبوا بالقانون سواء عن اقتناع أو موالاة للسلطة الحاكمة، خصوصًا أن تونس تحديدًا عاشت عقودًا على فكر الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، الذى منع الحجاب وتعدد الزوجات والطلاق وغيرها من أمور الأحوال الشخصية.

 

ومن الفائدة هنا أن أذكر ما رأيته وسمعته وشهدت عليه بنفسى فى العراق عندما عشت فيها بعض الوقت، شاهدت وشهدت حالات بعض الآباء من المنتمين إلى أهل السنة والجماعة، كان الرجل يذهب لمحكمة الأمور الشخصية ليبدل مذهبه من سُنى حنفى (المنتشر بين أهل السنة فى العراق) إلى (شيعى جعفرى)، وكان السبب فى هذا التحول هو وجود بنات إناث للرجل، وعدم إنجاب الرجل ذكورًا، ويخاف أن يرث أخ أو ابن أخ أو ابن عم مع ابنته أو بناته، لأن المذهب الجعفرى يعطى للذكر مثل حظ الانثيين، عندما يكون المتوفى أبًا لذكور وإناث، أما فى حالة وجود إناث فقط، ابنه واحدة أو عدة بنات، فحسب الفقه الجعفرى، تأخذ البنت أو البنات التركة كلها، كيف؟ يقولون إن البنت تأخذ نصف الميراث أو البنات يأخذن الثلثين، أما الباقى فيعود على البنت أو البنات حسب ما جاء بسورة (الأحزاب 6) «وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله»،  أى أن البنت أو البنات أو الأخوات يأخذن النصف أو الثلثين من الميراث بالفرض والباقى بالرد، وهى حالات تحول مذهبى، من أجل المال ودون تأمل دينى.

 

ولهذا السبب الدنيوى رأينا النساء يُحرمن الميراث، هذا بالإضافة إلى أن المسلمين اعتبروا حديث رواه البخارى ومسلم بألفاظ مختلفة ومعانيها واحدة (أعطوا أصحاب الفروض فروضهم، ثم ما بقى لأقرب رجل ذكر، أو لأول رجل ذكر)، وهو حديث يميّز بين الرجل والمرأة، وأن مثًلا العصب أو العاصب الذكر، يأخذ نصف تركة البنت الوحيدة، طالما أنه مثلًا ابن عم عم عم المتوفى، وهو ما لا يتفق مع الآيات الكريمة، ولا مع العقل ولا مع قرب البنت لأبيها أكثر من عمها وأقاربها، ولا مع قرب الفتاة من المتوفى، أبًا كان أم جدًّا أم أمًّا، ولكل ذلك تختلف الرؤى الفقهية، باختلاف الزمان والمكان، وحسب البيئة أو الدولة التى يعيش فيها المسلم، مع العلم أن أكثر الفقهاء لم يفكّروا فى النظر فى أى رؤى جديدة تخص المواريث، خصوصًا أبناء الأبناء، وعلى سبيل المثال، فإن ابن الابن لا يرث إذا مات أبوه فى حياة جده، ولكن مصر، ربما تكاد تكون الدولة الإسلامية الوحيدة، التى أعطت ابن الابن المحروم من جده الحى تركة أبيه الميت فى حدود ثلث التركة، حسب ما قالوه "الوصية الواجبة".

 

وبمناسبة الوصية الواجبة، لنا أن نتساءل ونسأل الشيوخ: لماذا يقولون (الوصية الواجبة)، حيث لا توجد (وصية) فقط ، أو(وصية واجبة)؟ فالوصية هى الوصية، والله سبحانه قال فى سورة (النساء11): «يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين»، كما ذكر الله الكريم بعد أغلب آيات التوريث «من بعد وصية يُوصى بها أو دين»، فهل الوصية هنا فرض أم غير واجبة، نعرف أنها وصية ملزمة كما يرون، وأنها واجبة الاتباع فى كل ديار المسلمين، ولشيوخ مصر أن يعترضوا على شيوخ تونس وبالعكس وفى كل البلاد، وبين كل شيوخ دولة ودولة أخرى مهما ابتعدت المسافات، والأدهى أن الشيوخ اختلفوا كثيرًا وعقّدوها، ومع ذلك نريدهم ترك كل دولة لنفسها ومواطنيها.

 

فى الختام ، نجد أن الله جل شأنه، ترك كلمة الوصية وفعل "يُوصى" دون أن يذكر سبحانه أنها فرض أو غير فرض، لترك الباب مفتوحًا للاجتهاد عبر الزمان وباختلاف المكان والظروف، هنا رأينا خطأ، ولكن يحتمل كثيرًا من الصواب، والله أعلى وأعلم.



أقرأ أيضا