لا نعرف مَن هو «ذا الكفل» المذكور فى القرآن مرتين!

عصام الزهيري



لا نعرف مَن هو «ذا الكفل» المذكور فى القرآن مرتين!



«وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين» (الأنبياء: 85).

«واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار» (ص: 48).

 

لم يقصد القرآن الكريم بذكر الأنبياء وبالأمر بإدامة ذكرهم أن نتذكر أسماءهم المجردة وحدها بالطبع، لكن المقصود بكل تأكيد أن نذكر نبواتهم وأعمالهم الصالحة وسيرهم العطرة. وهو أمر رغم أنه فى غير حاجة إلى تأكيد عقلًا فإنه يمكن استفادته من سياق الآيات ذاتها بدليل، والدليل من الآيتين السابقتين مثلًا إرداف أسماء الأنبياء الواردة فيها مرة بصفة الصبر ومرة بصفة الخير، وهو ما يعنى أن ذكرهم -وغيرهم ممن لم يذكرهم القرآن الكريم- لابد أن يذكروا فى سياق هذه الصفات الخلقية الجليلة، وهى صفات لا يستفيدها الإنسان من مجرد ذكر أسماء الأنبياء للتبرك، ولكنها تستفاد من قصصهم ومواقفهم ومواعظهم وسجاياهم السلوكية فقط.

 

هذا التصور يجسم فداحة ما يعنيه جهلنا بأسماء بعض الأنبياء التى وردت فى القرآن مثل النبى (ذى الكفل). ليس ذلك فقط وإنما فداحة اعتمادنا على نفس مصادر التفسير والتاريخ التى أعلنت منذ قرون طويلة جهلها العجيب به، وهو ما يجعل من اكتفائنا بذات تلك المصادر، واستمرار اعتمادنا عليها طبقًا للإصرار الأصولى والسلفى المتحجر الشهير، محض تكريس فاحش للجهل وإضراب -إن لم يكن رفضًا- للأمر القرآنى بالسعى للعلم والتدبر والتفكر والاجتهاد والمعرفة.

 

وليس غريبًا هنا لو سألنا عبّاد المأثور والموروث عن العلم الذى استفادوه عن الأنبياء السابقين -ومنهم ذو الكفل- من مدونة الحديث ومثانى الخبريات والمأثورات التى يبلغون بها درجة التقديس والتصديق الأعمى. وهى نفس المصادر التى أكد شيخ الأزهر منذ أيام قليلة -للغرابة- إمكانية أن نستفيد منها ومن مذاهب الفقه ثلاثة أرباع ديننا، ومن القرآن بناء على ذلك ربع ديننا فقط!

 

وبداية بمدونة الحديث فإن هناك حديثًا غريبًا جدًّا -كما يقول ابن كثير- يرويه كل من أحمد والترمذى، ويقول: «عن ابن عمر قال: سمعت من رسول الله حديثًا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين -حتى عد سبع مرات- ولكن قد سمعته أكثر من ذلك، قال: كان الكفل من بنى إسرائيل، لا يتورع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارًا، على أن يطأها، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته، أرعدت وبكت، فقال: ما يبكيك؟ أكرهتك؟ قالت: لا، ولكن هذا عمل لم أعمله قط، وإنما حملنى عليه الحاجة. قال: فتفعلين هذا ولم تفعليه قط؟ فنزل فقال: اذهبى فالدنانير لك. ثم قال: والله لا يعصى الله الكفل أبدًا. فمات من ليلته فأصبح مكتوبًا على بابه: قد غفر الله للكفل». وطبقًا للحديث ومصدر غرابته أن كل مجد (الكفل) الذى رشح اسمه ليوضع بين أسماء الأنبياء ويُذكر فى القرآن مرتين أنه وهب مالًا لامرأة نظير مضاجعتها دون أن يضاجعها ثم تاب عن الزنى!، ووصف (غريب جدًّا) فى هذه الحالة أقل ما يمكن أن يوصف به هكذا حديث.

 

لكن تفسير الطبرى الذى يعتمد على المأثور اعتمادًا كبيرًا يقدم لنا بدائل إخبارية أخرى، وكلها لا تقل بعدًا عن التصور عن حديث أحمد والترمذى، وإن كانت تقل عجبًا بسبب أنها تعتمد فى محاولتها على تحديد مَن هو ذا الكفل على تخمين سيرته، مرة من صفتيه اللتين وردتا فى القرآن وهما صفتا: الصبر والخيرية، ومرة من اسمه وهو (ذو الكفل)، وعلى ذلك تتصور هذه الأخبار أنه يتوجب على رجل يحمل مثل هذا الاسم أن يكون قد كفل شيئًا!

 

من هذه الأخبار التى يوردها الطبري، خبر عن عبد الله بن الحارث يبدأ بأن (نبيًّا من الأنبياء..)، هكذا على العموم وعلى المجهول من قومه وزمنه وسيرته: (قال: مَن تكفل لى أن يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب؟ فقام شاب فقال: أنا، فقال: اجلس. ثم عاد فقال: مَن تكفل لى أن يقوم الليل ويصوم النهار ولا يغضب؟ فقام ذلك الشاب فقال: أنا، فقال: اجلس، ثم عاد فقال: مَن تكفل لى أن يقوم الليل ويصوم النهار ولا يغضب؟ فقام ذلك الشاب فقال: أنا، فقال: تقوم الليل وتصوم النهار ولا تغضب، فمات ذلك النبى فجلس ذلك الشاب مكانه يقضى بين الناس فكان لا يغضب، فجاءه الشيطان فى صورة إنسان ليغضبه وهو صائم يريد أن يقيل، فضرب الباب ضربًا شديدًا فقال: مَن هذا؟ فقال: رجل له حاجة فأرسل معه رجلًا فقال: لا أرضى بهذا الرجل، فأرسل معه آخر فقال: لا أرضى بهذا، فخرج إليه فأخذ بيده فانطلق معه حتى إذا كان فى السوق خلاه وذهب، فسمى ذا الكفل).

 

وعلى المألوف من تضارب الأحاديث والأخبار يورد الطبري خبرًا آخر عن أبى موسى الأشعرى ينفى النبوة كلية عن (ذى الكفل)، ويقول: (إن ذا الكفل لم يكن نبيًّا ولكن كان عبدًا صالحًا تكفل بعمل رجل صالح عند موته، كان يصلى لله كل يوم مئة صلاة، فأحسن الله عليه الثناء فى كفالته إياه)! ثم تستمر بقية مأثورات (ذى الكفل)، لتغزل على نفس المنوال، مما جعل الرازى بعد نحو 300 عام من تفسير الطبرى يجدد فى (التفسير الكبير) حيرته، وإن كان يجزم مع ذلك بنبوة (ذى الكفل)، إذ يقول: (أما ذو الكفل فهو نبي اختلف فى تعيينه، فقيل هو إلياس المسمى فى كتب اليهود إيليا، وقيل: هو خليفة اليسع فى نبوة بنى إسرائيل، والظاهر أنه عوبديا الذى له كتاب من كتب أنبياء اليهود وهو الكتاب الرابع من الكتب الاثنى عشر وتعرف بكتب الأنبياء الصغار).

 

ونظرًا لأن التخمين على هذا النحو يوصلنا إلى نبيَّين مختلفَين ومرشحَين ليكونا معًا (ذا الكفل) يبذل الرازى محاولة أخرى أكثر جزمًا، إذ يقول: (والكفل: بكسر الكاف وسكون الفاء أصله النصيب من شىء، مشتق من كفل إذا تعهد، لقب بهذا لأنه تعهد بأمر بنى إسرائيل لليسع. وذلك أن اليسع لما كبر أراد أن يستخلف خليفة على بنى إسرائيل، فقال: مَن يتكفل لى بثلاث أستخلفه: أن يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب. فلم يتكفل له بذلك إلا شاب اسمه "عوبديا"، وأنه ثبت على ما تكفل به فكان لذلك من أفضل الصابرين، وقد عد عوبديا من أنبياء بنى إسرائيل على إجمال فى خبره).

 

افتراض الرازي أن ذا الكفل نبى التوراة إيليا يتناقض مبدئيًّا مع الترتيب القرآنى (إليسع وذا الكفل)، ذلك أن إيليا يسبق (إليشع) ولا يأتى خلفه، وكما تقول إصحاحات سفر الملوك التوراتية، فإنه بعد أن غادر (إيليا) الأرض وصعد للسماء فى عربة نارية، أمسك "إليشع" بردائه الذى سقط عنه ووقف على شاطئ نهر الأردن صارخًا: أين هو الرب إله إيليا؟ ثم ضرب الماء بالرداء فانفلق وسار معه على اليبس وقال مَن رأوه: قد استقرت روح "إيليا" على "إليشع". أما إيليا فتحكى التوراة عن منعه نزول المطر على بنى إسرائيل ثلاث سنين بسبب عبادتهم "بعل زبوب"، وكان من معجزاته النبوية التحكم فى المطر، وبعد مضى السنين الثلاث قام "إيليا" بذبح كل أنبياء البعل بيديه، كما تروى عن أنباء الرسل من قادة الجند الذين أرسلهم الملك "أخزيا" إلى النبى بسبب رغبته فى لقائه، وأن "إيليا" كان يجيبهم: "إذا كنت أنا رجل الله فلتنزل نار من السماء وتأكلك أنت والذين معك"، وتنزل بالفعل النار من السماء وتلتهم الرسول الملكى وكل مَن معه من الجند فى كل مرة، وهكذا حتى يقرر "آخزيا" صعود الجبل ولقاء "إيليا" بنفسه والجثو أمامه على ركبتيه طبعًا.

 

أما "سفر عوبديا" فيتحدث عن رؤيا هذا النبى التوراتى بادئًا بقوله: "هكذا قال السيد الرب عن أدوم سمعنا خبرًا من قبل الرب وأرسل رسول بين الأمم قوموا ولنقم عليها للحرب"، ومن البادى أن الرؤيا تدور حول انتقام "رب الجنود" من "أدوم" وتنتهى بهذا التهديد المروع: "ألا أبيد فى ذلك اليوم -يقول الرب- الحكماء من أدوم والفهم من جبل عيسو فيرتاع أبطالك يا تيمان لكى ينقرض كل واحد من جبل عيسو بالقتل"!

 

من ثم فلا مجال لحديث هنا عن صبر وخيرية تأمر آيات القرآن الكريم بذكر (ذى الكفل) بالذات على خلفية منها، هذا لو كان (ذو الكفل) هو نفسه أحد هذين النبيين على قول الرازي فى "التفسير الكبير".

 

لكننى -رغم ذلك- ما زلت لا أستسيغ من علمائنا الأفاضل الذين طالما أدانوا جهل غير المتخصصين، ولم يتوقفوا عن الصدح بمختلف دعاوى العلم، أن يكون كل ردهم إذا سُئِلوا عن "ذى الكفل" قولهم: (هكذا ذكره ربنا سبحانه فى كتابه ولا نعلم عنه غير ذلك وليست له قصة تذكر والله أعلم بحقيقة ذلك)! والله أعلم بالطبع بكل الحقائق وما من أحد أدعى سلطة علمية وإلا كان الجهل طريقه.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...