تحولات الربيع اليمنى المختطف




 تحولات الربيع اليمنى المختطف



«اعتدت عشق الثورات وتخيل سيناريوهات مهرجانات ممتعة، كم تبهجنى؟! لكنى لم أتخيل الموت فيها قط»


بين التاريخ المعاصر لليمن وواقعه الراهن، بكلّ تناقضاته ومشاكله وتعقيداته تدور أحداث رواية «ابنة سوسلوف» الصادرة فى بيروت عن دار الساقى للروائى حبيب عبد الرب سرورى.

اختار الكاتب لبطله عمران أن يختزل بحكاياته وتجاربه وحواراته الحميمة مع «ملاك الموت» تلك الفترة الزمنية بكلّ تناقضاتها ومشاكلها وتعقيداتها. يروى عمران سيرته منذ أن كان فى مطلع شبابه، فيعود إلى مرحلة السبعينيات حين كان يعيش فى اليمن قبل أن يحصل على منحة استكمال دراسته الجامعية فى واحدة من أهم دولتين أوروبيتين، فرنسا أو ألمانيا. وكانت فى تلك المرحلة قد تسرّبت المبادئ الاشتراكية إلى ذهنه، فاختار فرنسا لعله يرى من كثب انهيار الرأسمالية بأم عينه.

وهذه واحدة من الروايات القليلة التى تستثمر يوميات «الاشتراكية العلمية» فى عدن، وهى تجربة تستحق أن ترصد، باعتبار أن نظاما يساريا تمكن من الوصول إلى رأس دولة عربية مسلمة، معظم قيادتها قبلية نصف أمية. لكن أفكاره سرعان ما تتغير فى فرنسا بعد أن يقع فى غرام امرأة تغير له الكثير من مفاهيمه، يتزوجها ويجد السعادة الحقيقية معها، لكن الإرهاب يسرقها منه بعد حادثة تفجير فى إحدى محطات المترو فى فرنسا ليمتزج دمها بأقلام الرصاص التى حملتها له كهدية.

يعود عمران إلى اليمن «المتحد شمالًا وجنوبًا»، وانتشرت فيه السلفية الدينية حتى وصلت إلى عدَن، مدينة صباه ليجد أن السنوات التى أمضاها خارجًا قد جعلت وطنه غريبًا عنه.


 ترصد الرواية الربيع العربى فى اليمن واندلاع ثورة فبراير 2011 فى اليمن ونزول الناس إلى الساحات حاملة أحلامها القديمة وفكرًا علمانيًّا متنورًا بينما يثور السلفيون على نظام كان راعيهم.


يستذكر «عمران» نشيد الصوفى الذى كان يقود الناس ليرشدهم إلى طريق الخلاص الروحى، لكن هذا النشيد يتحول مرة واحدة إلى نشيد عنيف، يضج بالقوة والسخط، إنه التأسيس للعنف بكل تفاصيله وتحولاته، وهذا التناقض بين النشيدين يجعل بطل الرواية فى حالة تيه فكرى، ويتساءل: «لماذا لم تبتكر الجماهير الشعبية الكادحة لحنًا آخر ينسجم مع هذه الكلمات النارية، بدلاً من ذلك اللحن الصوفى الرقيق الذى كنا نغنيه فى طفولتنا؟ ما أتفه الحس الفنى للجماهير الشعبية الكادحة! ما أتعس الكسل! ما أقبح وألعن سوء الذوق!».


يفسر الكاتب التحولات التى أصابت القادة الشيوعيين فى اليمن وحولتهم للنقيض تمامًا بحثًا عن النفوذ والمال من خلال أحد أهم القادة الشيوعيين اليمنيين، الذى اتخذ من لقب «سوسلوف» اسمًا له والذى كان يقود الجماهير الثورية ضد النظام الرجعى، وقد تحول فى ما بعد إلى متدين سلفى، و«أمة الرحمن» التى تشبه «هاوية» ابنة القائد الملقب بـ«سوسلوف» التى كانت تقود الجموع فى ميدان التحرير اليمنى فى أثناء ثورة الربيع العربى، وهى من قادة السلفية المتطرفة فى اليمن متطرفة فى أفكارها إلا أنها لا تمانع أن تمارس مع عمران حبًّا محرّمًا.


تنتمى الرواية إلى عالم القرن الواحد والعشرين، من حيث مسرح أغلب أحداثها وفضاء انفعالاتها والسباحة فى العالم الافتراضى، وبخاصة الفيسبوك الذى لعب دورًا مهمًّا فى تحريك الأحداث والتأثير فى مجرياتها خلال السنوات الأخيرة.


«ابنة سوسلوف» هى اليمن بكل ما فيها من تناقضات: عمل سرى منظم، وأسماء تنكرية فى كل مكان، وجيوش ظلام، وتطرف سلفى. بأحدث التقنيات من تكنيك البوح الممتع والمتميز، والسباحة فى عالم افتراضى رمزه الفيسبوك، واللغة الشاعرية الممتعة والحالمة.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.