هل يستهتر الشبان العرب بالحياة؟

سهيل كيوان



هل يستهتر الشبان العرب بالحياة؟



إصابات العمل وحوادث الطرق تستصرخنا في كل يوم من جديد، لما تتركه من آلام ودمار لكثير من العائلات العربية.

 

نسبة إصابات العرب في إسرائيل هي الأعلى بسبب طبيعة الأعمال الخطرة التي يقومون بها، كذلك لدينا النسبة الأعلى في حوادث السير القاتلة، ويعود هذا لأسباب كثيرة ومتشعبة معروفة، منها سفر العمال العرب إلى مسافات بعيدة عن أماكن سكنهم، إضافة إلى البنية التحتية الرديئة، وصيانة السيارات التي تكون أقل اهتماما وتدقيقا لدى الشرائح الفقيرة.

 

إلا أننا لا نستطيع أن نرمي بكل المسؤولية على العوامل الموضوعية، فهل يوجد عامل نفسي وشخصي يميز الإنسان العربي عن اليهودي!  

 

كثير من الشبان العرب يعتبرون الوقوف في أمكنة خطرة في أمكنة العمل بدون أي وسائل حماية عملا رجوليا، مثل تسلّق موقع مرتفع بدون أي وسيلة أمان، الأمر الذي يؤدي إلى نتائج خطيرة، حيث تشكل نسبة الموت بسبب السقوط من ارتفاع حوالي 80% من نسبة حوادث العمل المميتة.

 

الكثير من العمال العرب لا يعتمرون قبعات واقية أو خوذات كما يقضي القانون في مكان العمل، وخصوصا في ورشات البناء، فقد تلاحظ فرقة عمال صينية يرتدي جميع أفرادها القبعات بلا استثناء، بينما ترى أن بعض العرب لا يهتم لهذا الإجراء الوقائي استهتارا، يظنه نوعا من التسليم للقدر أو الشجاعة. 

 

كثيرون لا يتوخّون الحذر عند الصعود فوق أسقف من الخشب أو الإسبست أو الإيسكوريت، أو مادة هشة أخرى، ويعتبرون هذا نوعا من الجرأة، وهذا يؤدي بدوره إلى كوارث.

 

إضافة للعوامل الموضوعية المعروفة هناك عامل أساسي، هو استهتار كثير من الشبان العرب بقيمة الحياة نفسها، فحبّ الحياة ثقافة.

 

يأتي تعريض النفس للمخاطر بشكل مقصود لدى البعض مثل السرعة القصوى في السيارة، وتجاوز الخطوط الحمراء في الحذر، من قبل شخصية مستهترة بقيمة الحياة نفسها، إلى جانب الجهل بتقدير عواقب الحوادث التي تؤدي عادة إلى دمار أسر كاملة.

 

بعض الشبان العرب، وربما كثيرون يحاولون تحقيق ذواتهم وتميّزهم من خلال الألعاب الخطرة كالتفحيط بالسيارات أو التراكتورونات، فهم يمارسونها بهدف الظهور بمظهر المختلف عن محيطه، وذلك عوضا عن التميز في مجالات أخرى علمية أو رياضية أو أدبية وغيرها.  

 

كثيرون يستخدمون الهاتف أثناء تنقلاتهم، في الحديث أو كتابة الرسائل النصية وقراءتها، ويبدو أنهم يعتبرون الانصياع لقوانين السير نوعا من الجبن، وهذا يؤدي إلى كوارث حيث يتضاعف احتمال التورط في حادث طرق عشر مرات.

 

ترتفع نسبة الحوادث طرديا لدى الشرائح الفقيرة في الدول المتقدمة، وتزداد في الدول التي تحكمها أنظمة قمعية، تحاصر الفرد ولا تمنحه قيمته الشخصية.

 

فلدى الإنسان المقموع عموما مشكلة مع قيمة الحياة، فالشعوب التي تفتقد للحرية والعدالة وتعجز عن مواجهة مضطهديها وقامعيها تفقد الرغبة القوية بالتمسك في الحياة، من هذا المنطلق فهي تستهتر بصحتها أولا، ولا تهمها العواقب الكارثية في تصرفاتها، وأقل اهتماما بالبيئة، وتتقبل التعرّض لدخول السجن بسبب أعمال جنائية. كذلك فهي أقل اهتماما بالبيئة والصحة.

 

هذا ينطبق إلى حد بعيد على المجتمع العربي في الداخل الفلسطيني، فالعربي الذي يجد نفسه مهمّشا في الحياة السياسية العامة، وخارج نطاق التأثير، ويعيش أفقا ضيّقا في مختلف مجالات الحياة، يستهتر بقيمته الشخصية، ثم بقيمة الحياة وإجراءات السلامة، هكذا فلو أجرينا بحثا عميقا لوجدنا أن الضحايا في مواقع العمل وعلى الشوارع هم في الأساس من الشرائح الاجتماعية الضعيفة، التي تفتقد دافعية التمسك بالحياة وشغفها.

 

من ناحية أخرى، نتوجه للشباب عموما ولأبناء شعبنا خاصة، ونقول لهم، مهما كانت الصعوبات والإحباطات، فالشجاعة هي في تحدي الحياة نفسها وليس التهرب منها.

 

الشجاعة هي في الحفاظ على أنفسنا، لأن بلدنا ووطنا وأبناءنا بحاجة لنا، وأعلى مراتب البطولة هي تقدير ذواتنا واحترامها، والتزام الوقاية في أماكن العمل، كذلك الأمر بالنسبة للسيارات والطرقات، فلا شيء يستحق منا أن نجازف لأجل الرد على الهاتف أو إرسال رسالة (واتساب) أثناء القيادة. بالإمكان الوقوف جانبا ولينتظر العالم كله، والقضية ليست محصورة بالحوادث المميتة فقط، بل أيضا في الحوادث التي تحوّل الكثيرين إلى مشلولين وعاجزين.

 

طبعا هناك حوادث عمل أو سير لم يستطع البعض أن يتفاداها رغم حرصه، تلك قضية أخرى، وهو ما لا أقصده في هذه المقالة، إنما أقصد الحوادث التي يكون إهمالنا هو سببها. أتمنى لشبابنا المزيد من اليقظة والوعي فأنتم الحياة، لا تسمحوا للظروف الموضوعية ولا للعنصرية بأن تهزمكم، مهمتكم في هذه الحياة هي الصبر والنصر حتى الحرية والعيش الكريم في وطن الآباء والأجداد لكم أنتم وللأجيال القادمة، إنها مسؤوليتكم، وأمانة في أعناقكم.

 

...

 

نقلًا عن «عرب 48»



أقرأ أيضا

البلد

توافق وافتراق في ثورات الجيران

اجتازت إيران ولبنان والعراق في الشهرين الماضيين عتبة التجربة السورية في ثورة شعوبها على أنظمة التسلط والفساد الحاكمة. ورغم ما ظهر في إيران من استيعاب نظام الملالي لهبة الإيرانيين الأولى، وتوجهه المؤكد نحو انتقام عميق من معتقلي وناشطي جمهور الهبة، فإن ذلك لا يعني نهاية الحراك الإيراني المتكرر في العام الماضي...
البلد

الصين وأمريكا.. حرب سياسية

فرحة عارمة اجتاحت مناصري الحراك الاحتجاجي في هونغ كونغ بعد اكتساحهم الهائل لنتائج الانتخابات البلدية وفوز مرشحيهم ضد مرشحي الحكومة المركزية في بكين، ما تسبب في إحراج شديد لكاري لام الحاكم التنفيذي للمقاطعة والمعيّن من قِبل الصين.
البلد

إلى أين يجري العالم؟

عندما انتهى المؤرخ البريطاني العظيم أرنولد توينبي من كتابه الحافل «تاريخ البشرية» والذي درس فيها قرابة ثمانٍ وعشرين حضارة إنسانية لامعة، قال جُملته التي لخّصت أكثر من أربعين عاماً كرّسها لوضع ذلك الكتاب الموسوعي النفيس وبيّنت باختصار أسباب زوال الأمم: «إنّ الحضارات لا تُغتال ولكنها تنتحر طوعاً»!
البلد

عودة العمدة

صفارة العدو نحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية تبدأ عادة مع أول الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري، وهي التي تكون في ولاية «أيوا» في وسط الغرب الأمريكي، وسوف تكون في شهر يناير القادم.
البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...
البلد

أنصتوا إلى الشعب اللبناني

في عام 2012، كتبت مقالاً عن لبنان ما زال ينم عن الواقع حتى الآن، وأنهيت مقالي باقتباس واحدة من أفضل المقالات التي كتبها «جبران خليل جبران»، بعنوان «أنت لديك لبنان الخاص بك، وأنا لدي لبنان الخاص بي»...
البلد

ترامب.. استراتيجية الانتصار!

في الوقت الذي يواصل فيه الديمقراطيون التصعيد ضد ترامب، في قضية أوكرانيا، على أمل أن ينجحوا بعزله، وهي المهمة المستحيلة، التي يعملون عليها، منذ أن فاجأ ترامب أميركا والعالم، بفوزه غير المتوقع بالرئاسة، يجوب ترامب القارّة الأميركية متحدّيا.