!مفسرون بلغوا عنان السماء بصرح من فخّار

عصام الزهيري



!مفسرون بلغوا عنان السماء بصرح من فخّار



«وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ» (القصص: 38).

لم تستوقف المفسرين الأوائل لآية القصص ملاحظة بخصوص معنى أن يأمر فرعون بأن يوقد له على الطين ليبنى صرحًا من الفخار أو الطوب اللبن يفترض فيه أن يكون عاليًا شاهقًا بدرجة مذهلة، وأن يرتفع بما يكفى ليشق عنان السماء، حتى يتمكن فرعون من تكذيب نبى الله موسى ويثبت له خلو السماء من أى آلهة غير الفرعون، فى حين أن فرعون ذاته هو ابن لحضارة اشتهرت ببناء الصروح الجبارة المهيبة العالية التى ظلت تثير دهشة الدنيا بضخامتها وارتفاعها، لكنها كانت كلها بحكم الضرورة الفنية والعملية مشيدة من الحجارة وليس من طين لبن أو طين فخارى!

 

حقيقة الأمر أنه لا يمكن لوم المفسرين –قدماء ومحدثين- لو لم يستوقفهم مثل هذا النوع من الملاحظات التفصيلية، وهى ملاحظة تبدو شكلية لو قيست إلى الغاية الأصلية والهدف المحورى من القص القرآنى وهو العظة والعبرة وتثبيت قلوب النبى والمؤمنين، ليس سرد سير الأنبياء والصالحين بدقة أو تأريخ أحداث حياتهم بحذافيرها، وهو ما جعل السرد القصصى فى القرآن الكريم على ما هو عليه مقارنة بالسرد التأريخى الزمنى المتسلسل كما يظهر فى كتاب مقدس آخر مثل «التوراة»، مكرسًا بالأساس للتأريخ لقبيلة بنى إسرائيل وتتابع أيامها ووقائع معاركها وقصص أنبيائها، فالمقارنة تبرز سمة عدم اهتمام القرآن بالتفاصيل، وإيجازه وإجماله بسبب ذلك للأحداث، والمرور العابر على الملامح الدقيقة واكتفائه بالعام وشديد العمومية منها، وهو ما جعل من الغموض سمة أخرى أساسية من سمات السرد القصصى القرآنى.

 

غير أن إغفال ملاحظة هندسية عملية تتعلق بإمكانيات البناء الطينى والبنيان الحجرى لم يكن ناتجًا عند المفسرين الأوائل عن فطنتهم لغاية واستهداف القصص القرآنى وبالتالى عموميته، بقدر ما كان ناتجًا عن جهلهم بمثل هذه الفروق على بساطتها، ففى تفسير الطبرى مثلًا وبعد أن يفسر الطين باللَبِن المطبوخ، يورد قول ابن جريج وقتادة: «وأول من أمر بصنعة الآجر وبنى به فرعون»! الآجر طبعًا هو الطين واللَبِن المطبوخ لكن ليس المصريون القدماء أو فراعنتهم هم أول من «أمروا» بصنعة الآجر وبنوا به، وحتى لو صح ذلك فلم يكن لدى قتادة وابن جريج طريقة يمكنهم أن يعرفوا بها ذلك ويستوثقوا منه، طالما لم يذكره الوحى ولم يرد له خبر فى كتاب الله.

 

الطريف أن الطبرى يورد خبرًا آخر لابن زيد فى تفسير الآية بعبارة دائرية تشبه قول الشاعر المأثور عن تفسير الماء بالماء، يذكر فيه عن الطين المذكور فى الآية أنه: «المطبوخ الذى يوقد عليه هو من طين يبنون به البنيان»! بعد ذلك يورد من قول «السدى» خرافة عجيبة تقول بنصها: (فلما بنى له الصرح ارتقى فوقه، فأمر بنشابة فرمى بها نحو السماء، فردت إليه وهى متلطخة دمًا فقال: قد قتلت إله موسى، تعالى الله عما يقولون)! ولعل الغاية من ذكر خرافة كهذه تكون تأكيد نفور السامعين من فرعون وجلب السخط عليه، وإن كان الرواة والمفسر معًا لم ينتبهوا إلى أنها تعنى أن الصرح والسهام وصلت للسماء فعلًا، ليس هذا فقط ولكنها طالت شيئًا غامضًا فيها وحملت أثر دمه كذلك! وبكل تأكيد لن يبقى بعد إغفال تساؤل مدهش عن مصدر لدم تلوثت وعادت به سهام الفرعون الموجهة للسماء أمل فى أن يفطن المفسر لتساؤل عن صعوبة بناء صرح سماوى بالطين والفخار وليس بالحجر والجرانيت!

 

عندما نصل إلى تفسير ابن كثير تكتسب المسألة تعقيدًا أكثر، إذ يؤكد المفسر أن الصرح الذى بناه فرعون بالطين: (لم ير فى الدنيا بناء أعلى منه)! وهو ما يوقف القارئ -لعلم ابن كثير المؤكد بوجود الأهرام المصرية- أمام احتمالين لا ثالث لهما: إما أننا نتحدث عن صرح يفوق أهرام مصر ارتفاعًا مع صعوبة تصور ذلك باستخدام الطين، أو أن الصرح المقصود هو الأهرام نفسها أو أحدها أو يشبهها رغم أنها مبنية بالحجر وليس بالطين! ورغم أن الآراء التى يسوقها (الفخر الرازى) فى «التفسير الكبير» تضيف إلى الطين مواد أخرى من قبيل الجص والخشب والمسامير، كما يذكر حسب هذه الآراء أن خمسين ألف عامل اجتمعوا لبناء الصرح غير الأتباع والأجراء -هكذا يقول دون أن يحدد مصادر أرقامه- إلا أن ذلك كله لا يكفى من وجهة فنية وعملية للقول إن البنيان بلغ ما لم يبلغه بنيان أحد من الخلق!

 

يزيد الطين بلة تلك البصمة الأسطورية الخاصة والصارخة التى جلل بها الخبر عندما قال: (فبعث الله تعالى جبريل عليه السلام عند غروب الشمس، فضرب البنيان بجناحه فقطعه ثلاث قطع، قطعة وقعت على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل، وقطعة وقعت فى البحر، وقطعة فى المغرب ولم يبق أحد من عماله إلا وقد هلك)! وبغض النظر عن الدقة الزمنية فى الخبر -عند غروب الشمس!- إلا أننا لا نعرف كيف قتل البنيان المتداعى ألف ألف من عسكر فرعون، فإذا زاد حسب الخبر عسكر الفرعون على المليون الذين قتلهم الصرح المنهار، فكم يبلغ عدد جيشه كاملًا؟! وكم كان يبلغ عدد سكان مصر فى تلك الآونة وهو لابد أن يزيد بهذا التقدير عن تعدادهم اليوم؟!

 

كذلك لن نعرف أبدًا أين يقع (البحر) الذى سقطت فيه القطعة الثانية من الصرح طالما نتحدث عن مقر الفرعون فى قلب وادى النيل.

 

إلا أنه ولحسن الحظ ينتهى الرازى إلى رأى مَن قالوا إن هذا الصرح لم يُبن أصلًا رغم أن الفرعون أمر ببنائه، وذلك لأنه بتعبير الرازى: «يبعد من العقلاء أن يظنوا أنهم بصعود الصرح يقربون من السماء مع علمهم بأن من على أعلى الجبال الشاهقة يرى السماء كما كان يراها حين كان على قرار الأرض ومن شك فى ذلك خرج عن حد العقل»، ويضيف المفسر محقا وإن كان لا يزال منساقًا لفرضية أن غاية القص القرآنى هى التأريخ وليس العبرة: (فلا يليق بالعقل والدين حمل القصة التى حكاها الله تعالى فى القرآن على محمل يعرف فساده بضرورة العقل فيصير ذلك مشرعًا قويًّا لمن أحب الطعن فى القرآن فالأقرب أنه كان أوهم البناء ولم يبن).

 

ويبدو لقارئ «التفسير الكبير» عند هذا الحد أن الرازى نجح فى العثور على حل بسيط وذكى عندما يصل إلى أن فرعون يمكن أن يكون أمر ببناء مثل هذا الصرح الأسطورى باستخدام الطين على سبيل التهكم فقط، وإن كان لا يفوتنا ملاحظة تطلب مرور كل تلك القرون -توفى الرازى سنة 606هـ- لتنشط فكرة على هذا القدر من البديهة الذكية.

 

لكن ما يدهش أكثر أن قرونا أكثر كان يجب أن تمر حتى يأتى مفسر محدث مثل سيد قطب -توفى سنة 1966- ليستعير رأى الرازى وبديهته بالنص واللفظ دون إضافة، ليقع عبء الإضافة لجهة مَن رأوا أن البنيان بُنى بالفعل على عاتق مفسر محدث آخر هو (الطاهر بن عاشور) الذى توفى سنة 1973. واقترح ابن عاشور لذلك مخرجًا ذكيًّا مفاده أن حرق الطين لم يكن غير أولى خطوات الشروع فى بناء الصرح، ويستفاد من ورود الأمر به على لسان فرعون رغبته فى الإسراع فى وضع حجر أساس البناء والبدء فورًا فى العمل فيه، يقول: «أراد بقوله فأوقد لى يا هامان على الطين أن يأمر هامان العملة أن يطبخوا الطين ليكون آجرًا ويبنوا به فكنى عن البناء بمقدماته وهى إيقاد الأفران لتجفيف الطين المتخذ آجرًا. والآجر كانوا يبنون به بيوتهم فكانوا يجعلون قوالب من طين يتصلب إذا طبخ وكانوا يخلطونه بالتبن ليتماسك قبل إدخاله التنور كما ورد وصف صنع الطين فى الإصحاح الخامس من سفر الخروج. وابتدأ بأمره بأول أشغال البناء للدلالة على العناية بالشروع من أول أوقات الأمر».

 

غير أن العقبة التى تنهض فى وجه مخرج ابن عاشور السهل هى الوقت الطويل الذى يمكن أن يكلفه بناء محكم وشاهق بالحجر يدخل الآجر كمكون فى بنائه فقط، والمعروف مثلًا أن هرم خوفو استغرق لإتمامه عشرين عامًا، لذلك يضطر المفسر بعد هذا التحليق الذكى إلى السقوط من جديد فى فرضية الشروع فى بناء بهذا الارتفاع والرسوخ باستخدام طين محروق، فيقول: «وكأنه لم يأمره ببناء من حجر وكلس قصدًا للتعجيل بإقامة هذا الصرح المرتفع إذ ليس مطلوبًا طول بقائه بإحكام بنائه على مر العصور بل المراد سرعة الوصول إلى ارتفاعه كى يشهده الناس ويحصل اليأس ثم ينقض من الأساس»! لكن لماذا يُنقض الصرح من الأساس وبمثل هذه السرعة فلا يبقى له أثر أو ذكر ولا ينوه على الأقل بمعجزته الهندسية العرضية والتى اشترك خمسون ألف عامل فى تشييدها؟!
 

لا يسأل المفسر بالطبع مثل هذا السؤال.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...