العالم يتجاوز «ترامب».. وآخرون يخطون إلى الأمام

ديفيد إجناشيوس



العالم يتجاوز «ترامب».. وآخرون يخطون إلى الأمام



 

ترجمة: أميرة جبر عن «واشنطن بوست»

 

إن واحدًا من الافتراضات التى يستخدمها الاقتصاديون أحيانًا لصياغة المعادلات هو تحديد أن بعض العوامل ستظل ثابتة الأمر الذى تعبر عنه العبارة اللاتينية «ceteris paribus».

 

وكثيرًا ما نرتكب نفس الخطأ فى السياسة والخارجية. فنحن نركز على قضايانا المحلية ونفترض أن باقى العالم سيظل ثابتًا بينما نرتب أمورنا. سنعود إليكم فى ما بعد – ولنقل فى عام ٢٠٢١.

 

غير أن العالم يمضى قدمًا. إنه فى حالة حركة، وليس فى حالة جمود، فالتغيرات العشوائية فى بلد تنتج ردود أفعال فى بلاد أخرى. وتصبح التحالفات التى بدت ذات مرة صلبة أضعف وتعاد صياغتها، وتستغل القوى الطموحة الفرص الجديدة التى خلقت نتيجة الديناميات المتغيرة، وتصعد بعض الدول وتسقط أخرى.

 

وقدمت أحداث عطلة نهاية الأسبوع الماضى فى باريس عرضًا دراميًّا لكيف أن افتراض «بقاء العوامل الأخرى على حالها» ليس مأمونًا. يتحرك العالم نحو التكيف مع حقيقة أن «دونالد ترامب» هو رئيس الولايات المتحدة. ربما يأمل أصدقاؤنا وحلفاؤنا ألا يعاد انتخابه، وربما يعتقدون أن الولايات المتحدة قد تجاوزت منعطفًا فى الانتخابات النصفية لعام ٢٠١٨. لكن لا يمكنهم الاعتماد على ذلك، وبالتالى يجب على تلك الدول النظر فى أن الولايات المتحدة ربما دولة غير تلك التى كانوا يعتقدونها.

 

وقد عبر الرئيس الفرنسى «إيمانويل ماكرون» عن هذه الحقيقة الأسبوع الماضى. ففى إحدى تعليقاته إحياءً لذكرى الحرب العالمية الأولى، قال لقناة راديو فرنسية إن أوروبا بحاجة إلى «جيش أوروبى حقيقى» فى الوقت الذى تبدو فيه الولايات المتحدة حليفًا أقل موثوقية. وقال «ماكرون»: «يجب أن نحمى أنفسنا فى ما يتعلق بالصين وبروسيا وحتى بالولايات المتحدة الأمريكية».

 

وانتقد «ترامب» تعليقات «ماكرون» باعتبارها «مهينة جدًّا»، واستمر فى التذمر عبر تغريدات يوم الثلاثاء عن الجحود الفرنسى، وادعى أن «ماكرون» يحاول صرف الانتباه عن نسب تأييده «المنخفضة جدًّا». غير أن المستشارة الألمانية «أنجلا ميركل» انضمت إلى «ماكرون» يوم الثلاثاء، إذ قالت للبرلمان الأوروبى إنها تشارك رأى الآخرين بأن «جيشًا أوروبيًّا مشتركًا سيظهر للعالم أن أوروبا لن تشهد حربًا مرة أخرى أبدًا».

 

وقد ذبذب «ترامب» تحالف «الناتو» منذ أول يوم تولى فيه المنصب، وأثار الشكوك حول استمرار استعداد الولايات المتحدة للدفع من أجل دفاع بلاد أخرى. وقد قضى الأوروبيون عامًا يحاولون التصرف بلطف، لكن يبدو أن الرسالة قد وصلتهم. لم تعد الولايات المتحدة حاميًا موثوقًا فيه. والأوروبيون فعلًا بحاجة إلى تحمل مسؤولية أكبر فى دفاعهم – والاعتماد أقل على «الناتو» الذى تقوده الولايات المتحدة. ما فعله «ترامب» فى رأيى حماقة، لكنه ما أراده بالضبط.

 

فبشكل آخر، يتجاوز العالم فكرة «ترامب» عن القوة الأمريكية «أمريكًا أولًا». لقد أعلن «ماكرون» يوم الاثنين عن «نداء باريس من أجل الثقة والأمن فى الفضاء الإلكترونى». واقترحت الوثيقة قواعد سلوك أساسية لمنع التدخل فى الانتخابات والاختراقات الخبيثة. وقد دعمتها أكثر من ٥٠ دولة و٩٠ منظمة غير ربحية و١٣٠ شركة خاصة من بينها «مايكروسوفت» و«جوجل» و«فيسبوك» و«آى. بى. إم».

 

وقد غابت الولايات المتحدة عن القائمة – إلى جانب روسيا والصين وإيران وإسرائيل. عظيم؛ فهؤلاء هم الـ٥ الكبار فى الحرب السيبرانية.

 

غير أن تحالف الدول والشركات والمؤسسات غير الحكومية فى «نداء باريس» على الأرجح سيمضى قدمًا فى شأن الفضاء الإلكترونى – مثله مثل تحالف دولى مشابه ظل على حاله ليقاتل تغير المناخ على الرغم من رفض إدارة «ترامب» المشاركة.

 

وفى الوقت الذى تتراجع فيه ولايات «ترامب» المتحدة عن التعاملات الدبلوماسية الدولية تخطو دول انتهازية أخرى للأمام. والمثال الأوضح هو روسيا. ربما يمسك الرئيس «فلاديمير بوتين» بأوراق ضعيفة، لكنه مشارك فى اللعبة. فروسيا تتحدث مع الجميع: إسرائيل وإيران، السعودية وتركيا، «طالبان» والحكومة الأفغانية.

 

و«بوتين» ربما يكون ولدًا متنمرًا إلا أنه يلعب دور الدبلوماسى برعايته لمفاوضات حول سوريا وأفغانستان وغيرها من القضايا. ذات مرة، كانت أمريكا تملك دور الوسيط العالمى، لكن ليس بعد.

إن المستفيد الأكبر من تراجع «ترامب» هو الصين، التى تصرح علنًا برغبتها فى تحدى سيادة الولايات المتحدة للعالم.

قال لى مسؤول أسترالى كبير هذا الأسبوع أن أينما نظرت أستراليا فى آسيا تحد الصين تحاول البحث عن قواعد محتملة لجيشها متزايد القوة. وأستراليا واحدة من الدول التى تعتمد على القوة الأمريكية، ولا يزال المسؤولون يأملون أنه رهان جيد. ولكن، بالنظر إلى «ترامب»، لا بد أن يتساءلون.

لقد أشار المعلقون إلى أن عام ١٩١٨ كان نقطة انحراف عالمية. فبعد بشعات الحرب العالمية الأولى، انهارت إمبراطوريات وتلاشت الأرستقراطيات وتحدى المواطنون المهضومة حقوقهم النظام القديم وأطاحوا به فى النهاية. وكان عام ١٩٤٥ عامًا انتقاليًّا آخرًا حين بدأ نصف قرن من الهيمنة الأمريكية الساحقة على العالم.

لقد تعرضت الولايات المتحدة لتعثر سياسى عام ٢٠١٦ عندما انتخبت رجلًا كان من الواضح أنه ليس مستعدًا ليكون رئيسًا. ويأمل أغلب العالم أن نستعيد توازننا مجددًا، ولكن إلى حينه، يجب أن ينظروا فى صياغة ترتيبات أخرى.

 

 

...

 

ديفيد إجناشيوس
كاتب صحفى وروائى أمريكى، محرر مشارك وكاتب عمود فى جريدة «واشنطن بوست» الأمريكية، يستضيف بالمشاركة مع الصحفى والمذيع فريد زكريا حوارًا على الإنترنت عن القضايا الدولية، كتب عددًا من روايات الجاسوسية من بينها «جسد من الأكاذيب» (Body of Lies)، والتى حولها المخرج ريدلى سكوت إلى فيلم سينمائى.

 



أقرأ أيضا

البلد

حينما تضحك التراجيديا

نكتة مدينة جوثام الدامية، ضحكة كبيرة مرسومة بالدم، القمامة تملأ الشوارع، السلالم تصعد إلى ما لا نهاية، العنف في الخارج يصل إلى درجة الجنون، والجرذان تهاجم كل شيء. الأغنياء في قصورهم، والإعلامي في الاستوديو الخاص به، بينما الشوارع تضج بالجنون والتنمر والفزع، الضحك اللا إرادي والكوميديا التي هي آخر ما تصل إليه التراجيديا من حدود، ضحكة تفجر الأسى والواقع حينما يلامس الفلسفة، كل ذلك هو فيلم "الجوكر".
البلد

توافق وافتراق في ثورات الجيران

اجتازت إيران ولبنان والعراق في الشهرين الماضيين عتبة التجربة السورية في ثورة شعوبها على أنظمة التسلط والفساد الحاكمة. ورغم ما ظهر في إيران من استيعاب نظام الملالي لهبة الإيرانيين الأولى، وتوجهه المؤكد نحو انتقام عميق من معتقلي وناشطي جمهور الهبة، فإن ذلك لا يعني نهاية الحراك الإيراني المتكرر في العام الماضي...
البلد

الصين وأمريكا.. حرب سياسية

فرحة عارمة اجتاحت مناصري الحراك الاحتجاجي في هونغ كونغ بعد اكتساحهم الهائل لنتائج الانتخابات البلدية وفوز مرشحيهم ضد مرشحي الحكومة المركزية في بكين، ما تسبب في إحراج شديد لكاري لام الحاكم التنفيذي للمقاطعة والمعيّن من قِبل الصين.
البلد

إلى أين يجري العالم؟

عندما انتهى المؤرخ البريطاني العظيم أرنولد توينبي من كتابه الحافل «تاريخ البشرية» والذي درس فيها قرابة ثمانٍ وعشرين حضارة إنسانية لامعة، قال جُملته التي لخّصت أكثر من أربعين عاماً كرّسها لوضع ذلك الكتاب الموسوعي النفيس وبيّنت باختصار أسباب زوال الأمم: «إنّ الحضارات لا تُغتال ولكنها تنتحر طوعاً»!
البلد

عودة العمدة

صفارة العدو نحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية تبدأ عادة مع أول الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري، وهي التي تكون في ولاية «أيوا» في وسط الغرب الأمريكي، وسوف تكون في شهر يناير القادم.
البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...
البلد

أنصتوا إلى الشعب اللبناني

في عام 2012، كتبت مقالاً عن لبنان ما زال ينم عن الواقع حتى الآن، وأنهيت مقالي باقتباس واحدة من أفضل المقالات التي كتبها «جبران خليل جبران»، بعنوان «أنت لديك لبنان الخاص بك، وأنا لدي لبنان الخاص بي»...