اختفاء المقال

يوسف القعيد



اختفاء المقال



يحدث فى مصر الآن

...

لولا ما كتبته جريدة «الأهالى» سواء فى مانشيت الصفحة الأولى أو القصة الخبرية فى الصفحة الثالثة بعددها قبل الأخير، ما عرفت بتوقف جريدة «المقال» التى يرأس تحريرها صديقنا وابننا، سواء فى الإبداع الروائى أو الصحفى: إبراهيم عيسي، عن الصدور.

 

فأنا من قراء الجريدة، وأبحث عنها كل ثلاثاء بعد أن تحوَّلت من الإصدار اليومى إلى الأسبوعى، وأجدها بصعوبة. والعدد الأخير من الجريدة لا يحمل أى إشارات أو تلميحات لاحتمال التوقف عن الصدور.

 

عمومًا سنعرف القصة الداخلية لتوقف جريدة مهمة مثل جريدة «المقال» عن الصدور فى وقت أتصور أن مصر كانت فى أشد الحاجة إلى هذه المطبوعة من أجل معركتها لتجديد الخطاب الديني، وتحرير الإسلام السمح والجميل والمستنير من البدع التى أضيفت إليه عبر سنوات طويلة.

 

فى الوقت الذى كان يقول تجار الدين فيه إن الله هو المنتقم الجبار كانت الجريدة تصرخ فى وجوههم: إن الله هو الغفور الرحيم. لم تكن تدعو إلى الخطأ بقدر ما كانت تحاول قيادة الناس إلى الصواب.

 

توقفت فى خبر «الأهالى» أمام أن الجريدة يعمل بها 20 صحفيًّا، علاوة على عدد غير قليل من كتاب الشأن الإسلامى. وأنا أعترض على التعبير، فالكتابة عن الإسلام ملك لكل قادر على الكتابة، أتصور أن الجريدة كان يعمل بها عدد من العاملين غير الصحفيين، سواء فى الإدارة أو تنظيم العمل اليومى أو مقر الجريدة.

 

أذهلنى خبر توقف الجريدة، وفى كل أسبوع عندما كنت أشترى نسختها الأسبوعية، كنت أتساءل: متى تعود مرة أخرى للإصدار اليومي؟ ولديَّ أسبابى التى تدفعنى لهذا الإحساس، تدور حول مصر الراهنة: هنا والآن.

 

فإن كنا فى أمس الحاجة إلى تجديد الخطاب الديني، وإن كانت جهات الدولة المعنية بهذا الأمر أو التى يجب أن تقوم به تقاعست عن هذا الدور وتخلت عنه، فإن الجريدة كانت تلعب دورًا مهمًّا فى هذا الشأن، وتقدم الثوابت، وتشرح البديهيات، وتخلص الإسلام من كل ما حاول تجار الدين إلحاقه به، وربطه باسمه والإسلام منه برىء، ولكن مَن يقول؟ ومَن يسمع؟

 

لم تتوقف الجريدة أمام تجديد الخطاب الدينى وغربلة الإسلام من كل ما لحق به عبر أزمنة طويلة وممتدة، بل كانت لها كتابات عن الشأن العام الذى نعيشه ونحياه، تحاول أن تقدم رؤية مغايرة وتصورًا مختلفًا، وبقدر ما نجد مَن يؤيدون الحكومة الحالية فلابد أن نسعد أكثر بمَن يعترض على ما تقوم به، انطلاقًا من الثوابت الوطنية.. كان عمر بن الخطاب «رضى الله عنه»‬ يقول إن أسعد ما يسعده فى الحياة مَن يهدى له عيوبه، ولم يقل إنه يسعده بأى درجة من درجات السعادة مَن يمتدحه أو يبرز حسناته.

 

أيها السادة، لابد أن نفرق بوضوح وجلاء بين تعبيرين: الحكومة والدولة, الدولة ثابت من ثوابت الوطن، الدولة هى الأرض والناس والحكومة والإمكانية المتاحة أمامهم لصنع تجربة حياة. أما الحكومة فهى الجهاز الذى يدير موارد هذه الدولة لصالح الشعب، والخلط بينهما قد يؤدى إلى ما لا تحمد عقباه فى الزمن الآتى.

 

نقلًا عن «الأخبار»



أقرأ أيضا

تأملات

هل يصاب المؤمن بالاكتئاب؟

عبارة وردت على لسان الدكتور مصطفى محمود، رحمه الله، مفادها أن الإنسان المؤمن لا يُصاب بالاكتئاب، لأن إيمانه بالله يحميه من الاكتئاب. وقد تواترت هذه العبارة كثيرًا على ألسنة كثيرين من علماء الدين والدعاة، وانتشرت بين عوام الناس ومثقفيهم، فما مدى صحة هذه العبارة من الناحية العلمية؟
البلد

حينما تضحك التراجيديا

نكتة مدينة جوثام الدامية، ضحكة كبيرة مرسومة بالدم، القمامة تملأ الشوارع، السلالم تصعد إلى ما لا نهاية، العنف في الخارج يصل إلى درجة الجنون، والجرذان تهاجم كل شيء. الأغنياء في قصورهم، والإعلامي في الاستوديو الخاص به، بينما الشوارع تضج بالجنون والتنمر والفزع، الضحك اللا إرادي والكوميديا التي هي آخر ما تصل إليه التراجيديا من حدود، ضحكة تفجر الأسى والواقع حينما يلامس الفلسفة، كل ذلك هو فيلم "الجوكر".
البلد

توافق وافتراق في ثورات الجيران

اجتازت إيران ولبنان والعراق في الشهرين الماضيين عتبة التجربة السورية في ثورة شعوبها على أنظمة التسلط والفساد الحاكمة. ورغم ما ظهر في إيران من استيعاب نظام الملالي لهبة الإيرانيين الأولى، وتوجهه المؤكد نحو انتقام عميق من معتقلي وناشطي جمهور الهبة، فإن ذلك لا يعني نهاية الحراك الإيراني المتكرر في العام الماضي...
البلد

الصين وأمريكا.. حرب سياسية

فرحة عارمة اجتاحت مناصري الحراك الاحتجاجي في هونغ كونغ بعد اكتساحهم الهائل لنتائج الانتخابات البلدية وفوز مرشحيهم ضد مرشحي الحكومة المركزية في بكين، ما تسبب في إحراج شديد لكاري لام الحاكم التنفيذي للمقاطعة والمعيّن من قِبل الصين.
البلد

إلى أين يجري العالم؟

عندما انتهى المؤرخ البريطاني العظيم أرنولد توينبي من كتابه الحافل «تاريخ البشرية» والذي درس فيها قرابة ثمانٍ وعشرين حضارة إنسانية لامعة، قال جُملته التي لخّصت أكثر من أربعين عاماً كرّسها لوضع ذلك الكتاب الموسوعي النفيس وبيّنت باختصار أسباب زوال الأمم: «إنّ الحضارات لا تُغتال ولكنها تنتحر طوعاً»!
البلد

عودة العمدة

صفارة العدو نحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية تبدأ عادة مع أول الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري، وهي التي تكون في ولاية «أيوا» في وسط الغرب الأمريكي، وسوف تكون في شهر يناير القادم.
البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...