«حروب الرحماء».. رواية معاصرة جدًّا

محمود عبد الشكور



«حروب الرحماء».. رواية معاصرة جدًّا



 

عندما نشر إبراهيم عيسى الجزء الأول من «رحلة الدم» (دار الكرمة)، وصفتُ الرواية الكبيرة بأنها «تراجيديا قوية ومؤثرة»، ومع صدور الجزء الثانى عن الدار ذاتها، هذا العام، «حروب الرحماء»، يتأكد عندى تمامًا أن هذا العمل من أفضل ما كتب عيسى فى الرواية، ذلك أنه فطن إلى التراجيديا فى وقائع التاريخ وشخصياته، التى عاشت سنوات الفتنة الكبرى، وأنه نجح بامتياز فى رصدها من مقتل عثمان إلى مقتل علِى بن أبى طالب.

 

بل نجح فى ما هو أهم وأعمق، وهو ربط تراجيديا الأمس الناشئة عن خلط الدين بالسياسة، وتصدّر أصحاب المطامع والآفاق الضيقة للسلطة والصورة، واختلاط الحق بالباطل، بما نراه اليوم من استغلال للدين فى القتل والاستحلال، فكأننا أمام رواية تاريخية معاصرة جدًّا، تسقط حكايتها على الحاضر، وكأن الماضى يتكرر بتنويعات أخرى فى قلب المعاصر والآنى، ذلك أننا نقرأ التاريخ دون أن نفهمه، أو نستفيد منه.

 

لا توجد شخصية ولا واقعة غير حقيقية، أو لا نجد أصلها فى مراجع التاريخ، ومع ذلك فإننا أمام رواية ممتازة، أبطالها شخصيات تاريخية، ولكنهم شخصيات روائية أيضًا، أى ينتظمون بناءً محكمًا، ويخضعون لمنطق الرواية فى السرد، والاختزال، والتكثيف، وبناء الحبكة، وضبط الصراع، ويخضعون لما هو أهم: البناء النفسى الداخلى المعقّد الذى لا تذكره كتب المؤرخين.

 

ينتظم السردَ منهجٌ واضحٌ وقوى، يزن الشخصيات بأفعالها، دون أن يتجاهل بشريتها ونقاط ضعفها، وهو بناء تراجيدى بالأساس، إذ يذكرنا حصار عثمان ثم قتله (الجزء الأول)، وانفضاض بعض أنصار علِى عنه إثر قبوله التحكيم (الجزء الثانى)، ونبل الرجلين رغم نهايتهما، ورغم أخطائهما، بأفضل نماذج الشخصيات النبيلة فى الدراما الإغريقية، تلك التى ترتكب خطأ يودى بها، وتبدو مُسيّرة إلى مصير محتوم، لا تستطيع أن تتراجع عن موقفها، ولا يمكنها أبدًا أن تنجح أو تنتصر.

 

إننا أمام عمل فنّى مادتُه التاريخ، وليس سردًا تاريخيًّا مملًّا، حتى مَن يعرف تلك الوقائع، لن يترك الرواية حتى يفرغ من قراءتها، متشوقًا ومتأملًا، مثلما كان الجزء الأول، تتحرى الرواية التاريخية الوقائع، ولكنها تجعلنا نراها بشكل جديد، وبطريقة معاصرة، تمنحنا مسافة للتأمل، تعيد تحليل مكونات الشخصية، فتفصل، مثلًا، بين فروسية الإمام علِى وتقواه، وبين الطريقة التى أدار بها حربه، ضد عدو يعرف السياسة بوصفها فن الخداع والخسة، تجعلنا نتأمل الضعف الإنسانى، وتقيم صراعًا داخل الشخصيات، لا يقل أهمية عن الصراع الدموى على الأرض، الذى تفنن عيسى فى وصفه وتجسيمه، فكأن أشلاء الأمس، تذكرنا بأشلاء اليوم، وكأن تكفير المسلمين لبعضهم بدعة شنيعة، تتخفى فى ثوب الفتنة، وتلبس فى كل عصر ثوبًا.

 

وكأن ضيق أفق حفاظ القرآن الذين خرج منهم قتلة عثمان وعلىّ، يكشف لنا خطورة أن يلغى الإنسان عقله، ويذكرنا بأن بيننا الآن مثل قتلة عثمان وعلِى، فى التزمت وضيق الأفق واحتكار الإيمان والإسلام، الشيطان فى الرواية يكمن فى التفاصيل، وفى النفوس أيضًا، والسلطة أمس واليوم وغدًا إغواء خارق، يندر أن لا يتلوث الإنسان فى سبيل طلبها، أو ممارستها.

 

بدأ الجزء الأول بقتل علِى بن أبى طالب، ثم عاد عيسى عشرين عامًا لتتبع حياة قاتله عبد الرحمن بن ملجم، وفى الجزء الثانى يتكرر التكنيك ذاته، إذ نرى عبد الرحمن محبوسًا بعد قتل علِى، ثم نعود خمس سنوات، لنكتشف أنه بايع علِى، وشهد مواقعه، ثم تغيّر وتحوّل.

 

ينتهى الجزء الأول بقتل عثمان، وينتهى الجزء الثانى بخسارة على التحكيم، وتمدد نفوذ معاوية وعمرو بن العاص، ينتصر الموت والدم فى الجزءين، ولكن الدائرة تنفتح إلى الأبد حتى اليوم، ما زالت المصاحف مرفوعة لأسباب سياسية، ما زال المسلمون يتقاتلون من أجل السلطة، وما زال التكفيرُ سيفًا على رقاب الجميع.

 

«حروب الرحماء» مثل «رحلة الدم»، روايتان بديعتان تختبران المثالية فى مواجهة الواقع، وتفصلان ببراعة بين الدين والمصحف، وبين فهم المسلمين لهما، روايتان عن تعقيد الطبيعة الإنسانية، وتقلبها، وهو أمر أبعد غورًا، وأعظم منالًا، من كتب التاريخ، وكتابات المؤرخين، ثم إن الفتنة التى يحكيها عيسى ما زالت تنفثُ سمومها حتى اليوم!

 

نقلًا عن «الشروق»



أقرأ أيضا

تأملات

هل يصاب المؤمن بالاكتئاب؟

عبارة وردت على لسان الدكتور مصطفى محمود، رحمه الله، مفادها أن الإنسان المؤمن لا يُصاب بالاكتئاب، لأن إيمانه بالله يحميه من الاكتئاب. وقد تواترت هذه العبارة كثيرًا على ألسنة كثيرين من علماء الدين والدعاة، وانتشرت بين عوام الناس ومثقفيهم، فما مدى صحة هذه العبارة من الناحية العلمية؟
البلد

حينما تضحك التراجيديا

نكتة مدينة جوثام الدامية، ضحكة كبيرة مرسومة بالدم، القمامة تملأ الشوارع، السلالم تصعد إلى ما لا نهاية، العنف في الخارج يصل إلى درجة الجنون، والجرذان تهاجم كل شيء. الأغنياء في قصورهم، والإعلامي في الاستوديو الخاص به، بينما الشوارع تضج بالجنون والتنمر والفزع، الضحك اللا إرادي والكوميديا التي هي آخر ما تصل إليه التراجيديا من حدود، ضحكة تفجر الأسى والواقع حينما يلامس الفلسفة، كل ذلك هو فيلم "الجوكر".
البلد

توافق وافتراق في ثورات الجيران

اجتازت إيران ولبنان والعراق في الشهرين الماضيين عتبة التجربة السورية في ثورة شعوبها على أنظمة التسلط والفساد الحاكمة. ورغم ما ظهر في إيران من استيعاب نظام الملالي لهبة الإيرانيين الأولى، وتوجهه المؤكد نحو انتقام عميق من معتقلي وناشطي جمهور الهبة، فإن ذلك لا يعني نهاية الحراك الإيراني المتكرر في العام الماضي...
البلد

الصين وأمريكا.. حرب سياسية

فرحة عارمة اجتاحت مناصري الحراك الاحتجاجي في هونغ كونغ بعد اكتساحهم الهائل لنتائج الانتخابات البلدية وفوز مرشحيهم ضد مرشحي الحكومة المركزية في بكين، ما تسبب في إحراج شديد لكاري لام الحاكم التنفيذي للمقاطعة والمعيّن من قِبل الصين.
البلد

إلى أين يجري العالم؟

عندما انتهى المؤرخ البريطاني العظيم أرنولد توينبي من كتابه الحافل «تاريخ البشرية» والذي درس فيها قرابة ثمانٍ وعشرين حضارة إنسانية لامعة، قال جُملته التي لخّصت أكثر من أربعين عاماً كرّسها لوضع ذلك الكتاب الموسوعي النفيس وبيّنت باختصار أسباب زوال الأمم: «إنّ الحضارات لا تُغتال ولكنها تنتحر طوعاً»!
البلد

عودة العمدة

صفارة العدو نحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية تبدأ عادة مع أول الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري، وهي التي تكون في ولاية «أيوا» في وسط الغرب الأمريكي، وسوف تكون في شهر يناير القادم.
البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...