ماذا الذى قالته استقالة ليبرمان؟

سهيل كيوان



ماذا الذى قالته استقالة ليبرمان؟



ليس جديدًا ولا مفاجئًا ما أعلنه وزير الأمن الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، عن استقالته، وذلك بسبب ما سماه، تخاذل حكومة نتنياهو ورضوخها للإرهاب.

 

منذ وعينا على هذه الدنيا منذ نحو ستة عقود، ونحن نسمع عن الحسم العسكرى والضربة القاصمة والقاضية والماحقة للإرهاب ومنابعه، والمقصود طبعًا كل شكل من أشكال المقاومة، لدرجة أننا لا نستطيع إحصاء الحملات العسكرية التى قامت بها دولة الاحتلال منذ عام ثمانية وأربعين، عام النكبة، وبمشاركات أجنبية فى بعض الأحيان، مثل العدوان الثلاثى على مصر عام 1956 والتدخل الأمريكى والفرنسى فى لبنان أكثر من مرة، ثم الحروب العالمية على العراق والأمة العربية حتى يومنا هذا، للقضاء على روح وشعلة ورغبة المقاومة لدى العرب ولدى أبناء الشعب الفلسطينى بشكل خاص، ودفعهم إلى التنازل عن مطلبهم العادل بالحرية وبحق العودة إلى وطنهم الذى طردوا منه والعيش فيه بحرية، بالإضافة إلى مئات وآلاف الهجمات العسكرية والاغتيالات، واستحداث وحدات عسكرية واستخبارية تتناسل بعضها من بعض فى الجيش الإسرائيلى، وتطوير أسلحة فتاكة والحصول على الأكثر حداثة منها على مستوى العالم.

 

لم يفوّتوا فرصة فى كل عقد أو أقل، لشن حملة عسكرية جديدة واسعة النطاق، سببت دمارًا ومجازر رهيبة وحصارات وجرائم حرب، إضافة إلى الزج بمئات آلاف الفلسطينيين والعرب فى السجون الإسرائيلية والمعتقلات التى ازداد عددها وسعتها عامًا بعد عام، وعشرات آلاف حالات الهدم للبيوت، ومئات آلاف حالات التشريد، من لجوء إلى لجوء، وتجنيد آلاف العملاء من الفلسطينيين ومن العرب، وحتى الجيوش العميلة، ومئات المرات من المناقشات فى أروقة الأمم المتحدة والهيئات الدولية والقرارات، وتقلّب الأحزاب الحاكمة ووزراء الحربية فى إسرائيل، من اليمين واليسار والوسط إلى يومنا هذا، وآخرها إعلان ليبرمان، استقالته، اليوم الأربعاء، بعدما كان قد هدد وتوعّد بمسح المقاومة الفلسطينية فى قطاع غزة عن وجه الأرض، وإمهال إسماعيل هنية ثمانيَ وأربعين ساعة لدفنه.

 

إلا أنه ورغم كل ما ذكرناه آنفًا، فإن القضية الفلسطينية لم تنتهِ، وبعد كل مواجهة جديدة، تعود من جديد شاخصة تطالب بحل رغم النزيف المستمر، والذى لا يمكن وقفه، لا بحملة عسكرية جديدة، ولا بحملات، ولا من خلال حكومة جديدة متطرفة أو أكثر تطرفًا، ولا بوزير حربية أقل أو أكثر دموية، فالمشكلة الفلسطينية مشكلة شعب طرد من دياره عنوة، يرى أبناء هذا الشعب وطنهم أمامهم بالعين المجردة، وطنهم الذى سلب منهم وطردوا منه بالقوة، بينما هم محرمون من الاقتراب منه إلا كمتسللين، أو كسائحين، وفى أحسن الأحوال كعمال أجيرين، بينما تكتظ بهم مخيّماتهم حتى الاختناق، وهذا يعنى أن المشكلة ليس لها حل ولن يكون، إلا باقتلاع سببها من جذوره.

 

كل الهزائم التى منى بها العرب والفلسطينيون منذ النكبة إلى حزيران- يونيو عام 67 إلى أيلول الأسود إلى احتلال بيروت ثم تدمير العراق وسوريا، وعدد من الدول العربية، وعقد صلح مع مصر والأردن، رغم كل هذا النزيف المستمر، فالقضية الفلسطينية بقيت لبّ الصراع، ومهما حاول رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، أو غيره تهميش قضية فلسطين وتحويل الأنظار إلى إيران أو غيرها، فالقضية الأساسية هى فلسطين، وستبقى كذلك حتى ينال شعبها حقوقه.

 

استقال ليبرمان بسبب خذلانه، كما يقول، ولكن لو سمح له أن يفعل ما يفكر به، لكان من المؤكد أن خذلانه سيكون أكبر بكثير، لأن جيشه سيتكبد خسائر أكبر من خسائره فى جولات سابقة، إضافة إلى أن إعادة احتلال قطاع غزة لن تعنى شيئًا سوى الفوضى، ثم هل سيبقى جيش الاحتلال فيها ويعيدها إلى الحلقة السابقة أم ماذا؟

 

لقد ذهب وزراء أكثر من ليبرمان حربجية، وبقيت قضية شعبنا شاخصة عصيّة على المحو، لا ليبرمان ولا «صفقة قرن»، ولا غيرها قادرة على أن تنسى شعبًا أرضه ووطنه المغتصب.

 

العبرة من استقالة ليبرمان هى أنه لا يمكن حل القضية بالتهديد والوعيد والأسلحة المتطورة.

 

لقد جاء إعلان ليبرمان لاستقالته فى وقته بالنسبة لنتنياهو، فهو يريد انتخابات مبكرة، رغم تصريحاته بأنه غير متعجل إليها بسبب تكاليفها المالية، فهو يطمح بتفويض جديد من الشعب بعد تحقيقات طويلة معه ومع أبناء أسرته والمقربين فى قضايا الرشوة وخيانة الأمانة، وبلا شك أنه مسرور بأن هذا الأمر أتى عن طريق ليبرمان وحزبه وليس عن طريقه هو مباشرة.

 

وسواء أقيمت الانتخابات قريبًا أو استمرت هذه الحكومة بمهامها فالأمر سيّان، لن يتغير على العقلية الإسرائيلية شىء إلا للأسوأ، ولن يكون هنا سوى مغامرات عسكرية جديدة قد تكون شمالًا أو جنوبًا أو أبعد حتى إيران، إلا أن الذى نستطيع تأكيده هو أنه مهما وأينما كانت هذه المغامرات، فإن القضية الفلسطينية لن تنتهى إلا بنيل شعب فلسطين حقوقه التاريخية التى لن تزول، مهما تغيّرت الأحوال وتقلبت الأيام والدول والوزراء والوزارات ومهما طال المدى.

 

نقلًا عن «عرب 48»

 


أقرأ أيضا

دماغ

رسالة إلى سعيد مهران: العالم الآن.. للأشرار الكبار فقط

الله يرحمك يا سعيد، فأنت غلبان وضحية ومجنى عليه، لهذا كان لابد أن تموت. ودعنى أختم رسالتى لك بكلماتك التى قُلتها للقاضى فى أثناء حلمك بمشهد محاكمتك: «لو دورتوا.. حتلاقوا كل اللى عندهم قلب مجانين».
يرحمكم الله

كلب الخليفة المقتول

فى أواخر شهر أكتوبر 2019، أُزيح الستار عن أحد أبرز المشاهد دلالةً فى تاريخ الإسلام السياسى، فقد استقبل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، فى البيت الأبيض، الكلب الذى شارك فى عملية قتل الخليفة الداعشى أبى بكر البغدادى...
البلد

الأكثر تأثيرًا عام 2019.. اخترنا لكم من قائمة «تايم 100»

فى عام 2016، كان الوضع فى إثيوبيا غايةً فى السوء، كانت الناس تُقتل وكان كثيرون فى السجن، وأردت أن يعرف العالم ما تقوم به الحكومة. لذلك، رفعت يدَىّ أعلى رأسى فى علامة «X» فى أثناء عبورى خط نهاية ماراثون 2016 فى أوليمبياد ريو، وهذا للتدليل على أن الشعب الإثيوبى يريد أن يوقف القتل والسجن، فنحن لا نريد ديكتاتورية.
البلد

عرب 2019.. ما الذي يجمع هذه الشخصيات الـ12؟

وجوه جديدة فى السلطة بتونس والسودان، ووجوه أخرى تغادر المسرح فى لبنان والعراق، فى حين ينتظر الجزائريون حسم السباق الرئاسى لخلافة عبد العزيز بوتفليقة. وجوه ثالثة تترك المشهد بالقوة، تمامًا كما دخلته بالقوة، مثل أبى بكر البغدادى.
البلد

عرب 2019.. بين النفوذ الإيرانى والأطماع التركية.. حراك شعبى يفاجئ الجميع

بين سندان النفوذ الإيرانى ومطرقة الأطماع التركية، شهدت شوارع عواصم عربية حراكـًا شعبيًّا فرض كلمته فى نهاية المطاف، وانتخابات رئاسية أفرزت وجوهـًا جديدة، وصراعات سياسية ثقيلة مرشحة لأن تطل برأسها فى عام 2020. كانت رياح التغيير قوية، فى حين وجدت الاضطرابات طريقها إلى مدن وعواصم عربية مختلفة. فى المقابل، أثبتت الاحتجاجات القوية فى العراق ولبنان أن النفوذ الإيرانى فى العواصم التى كان يتباهى بالسيطرة على مفاصل القرار فيها، صار مهددًا إلى حد كبير.  
فن

ضحكات الجوكر فى مواجهة عنف «سكورسيزى»!

خطف جوكر فيلم المخرج «تود فيليبس» الأضواء من أغلب أفلام العام، وهو فيلم تجارى ميزته الأكبر هى أداء «واكين فينكس»، وقد نجح تجاريًّا فى دخول نادى المليارات، وعلى مستوى الدراما يصور الفيلم بدايات شخصية الجوكر، أكبر أعداء «باتمان»، وعلى عكس التوقعات لم تكن أحداث الفيلم مغامرات قاتل ميت القلب، يضع ماكياج مهرج...
يرحمكم الله

الإسلام السياسى فى 2019 وحصاد المر

اتسم عام 2019 بالازدواجية، فهو عام الهزيمة والانتصار للإسلام السياسى، عام الموت لقيادات تاريخية وعام ميلاد قيادات أخرى. حصاد مربك ومرتبك، لا تملك اعتباره عام هزيمة الإسلام السياسى، لأن تنظيم الدولة انهزم ورحل من سوريا والعراق، ففى أسابيع كانت قوات «داعش» تتدفق على مالى وأفغانستان.
فن

مسلسل العام.. «ثلاثة عشر سببًا» للانتحار.. ما السر وراء أكثر مسلسلات «نتفليكس» مشاهدةً فى مصر والعالم العربى؟

يبدأ هذا المسلسل المثير للجدل ببداية «واقعية» غير مسبوقة ربما فى تاريخ الأعمال الدرامية. إذ يظهر الأبطال من المراهقين بشخصياتهم الحقيقية فى مشهد «تحذيرى» صريح يمتد إلى خمسين ثانية، قائلين إن المسلسل هو «من وحى الخيال»، لكنه يعالج مسائل واقعية صعبة، مثل قضايا الاعتداء الجنسى وتعاطى المخدرات و«الانتحار»، وما هو أكثر من ذلك، متمنين أن يساعد المسلسل المشاهدين بالبدء فى الحديث عن مشكلاتهم.