المقاعد الخلفية.. لحظات الحب «المموهة»

محمد هشام عبيه



المقاعد الخلفية.. لحظات الحب «المموهة»



تعبر هذه الرواية بذكاء ووعى عن قطاع عريض كبير من «جيل الألفية»، ذلك الجيل الذى ولد فى النصف الأخير من ثمانينيات القرن الماضى، ونما وعيه وإدراكه مع ثورة معرفية كبرى وانقلاب ضخم فى طرق التواصل بين البشر وبعضهم مع بعض، مما جعل «القرب الإنسانى» متاحًا وسهلًا نسبيًّا، لكن ذلك على عكس المأمول والمتخيّل، ضاعف من مخاوف الوحدة المفاجئة، وأدخل المرء فى حسابات معقدة عن المستقبل الغامض مع ذلك الشخص الذى استقر له القلب.

فى «المقاعد الخلفية» -الدار المصرية اللبنانية- وهى الرواية الثانية لمؤلفتها نهلة كرم، نرى العالم من وجهة نظر نسائية لا تخلو من نزق طفولى وتمرد مراهقين وجنون عاشقين، كل هذا مغلف بتفاصيل هذا الزمن، حتى إنه لو جرى حصر أبطال هذا العمل، لتمت إضافة «فيسبوك» إليهم بطلًا رئيسيًّا. تتقاطع هنا عدة قصص أبطالها كلهم نساء مصريات فى سنوات عشرينياتهن التى تشتعل فيها المشاعر والرغبات، ويبدو فيها الحب خير ملاذ للإحباطات الكبرى على المستوى الشخصى أو حتى على مستوى الوطن. ومن بين قصص آمالهن وشقائهن تبرز قصة سارة.
سارة، فى منتصف العشرينيات من عمرها، تعمل معدة للأفلام الوثائقية فى شركة متخصصة، دخلت فى أكثر من علاقة حب، لكنها دومًا كانت حريصة على أن تهرب فى اللحظة السابقة للاعتراف المتبادل بالحب، تلك اللحظة التى يجب أن يتبعها زواج، الذى تراه كما كتبت هى نفسها على «فيسبوك» ذات مرة «الزواج ليس سوى غرفة يظل يقنعك الآخرون بمدى أهمية دخولها حتى تدخلها بنفسك وتكتشف كم هى فارغة».
سارة، لأسباب عدة تتكشَّف تدريجيًّا وبنعومة لقارئ «المقاعد الخلفية»، لا تعانى، كما تُحَدِّث هى نفسها فى حوار خشن، من «gmophopia» الخوف من الزواج أو الارتباط، أو من «anuptaphopia» الخوف من البقاء وحيدًا دون علاقة، وإنما تحمل الشعورَين تقريبًا! هى تخشى «جحيم الزواج» وما تعرفه يقينًا بأنه يقتل الحب والشغف، وتشعر بالرعب كلما تصوَّرت أنها يمكن أن تظل إلى الأبد وحيدة بلا رفيق أو سند، لذا اختارت -عمدًا أم كانت مضطرة إلى ذلك؟- أن تبقى فى مساحة «البين بين»، تلك المساحة الرمادية التى تكون فيها المشاعر دافئة دون أن تصل إلى مرحلة السخونة فيجد المرء نفسه مدفوعًا للتعمق فيها، أو باردة فيجد المرء نفسه يبتعد دون إرادة منه.
ظلت هكذا مسكونة بحب من زمن المراهقة جمعها مع «مستر علِى» مدرس الثانوى الذى كاد يفترس روحها بعدما عبث قليلًا بجسدها فى «المقاعد الخلفية» فى أوتوبيسات النقل العام المكيفة «CTA»، وظل يمثل لها رمزًا للحب المستحيل كما يبنغى أن يكون، ثم تحول إلى واحد من الكراكيب البشرية الكثيرة التى تحتفظ بها فى روحها، وهى تظن أن ذلك يجعلها أكثر قدرة على تحمُّل الحياة دون أن تدرك أن الاحتفاظ بالكراكيب ربما يفسد الأرواح، وهذا ما تكتشفه عندما تلتقى «رامى».
رامى أستاذ التاريخ بالجامعة، يفاجئها برأيه فى أول لقاء «هناك أنواع متعددة من الكراكيب.. بعض الأشخاص لا يكتفون بالاحتفاظ بكراكيب فى منزلهم، بل يحتفظون كذلك بعلاقات قديمة بائسة داخل رف فى قلبهم، مجرد شعور كاذب بالأمان بأننا لم نفقد أى شىء»، فتهتز قناعات سارة، ثم تجد نفسها مندفعة وبقوة فى التواصل معه. تبرع المؤلفة هنا فى التعبير عن الصراع النفسى الداخلى الذى يعصف بسارة وهى تقاوم كل القواعد التى وضعتها لنفسها، حتى تظل فى حرم «الحب الآمن»، حتى إنها فى تواصلها اليومى والشغوف مع رامى عبر «فيسبوك» تضع لنفسها دستورًا خاصًّا حتى يظل رامى مجرد «شخص عابر» تحتفظ به فى إطار ما يسمى بـ«الصداقة»، من بين هذه القواعد «يجب أن يبدأ هو الكلام، لا أحاديث فى أمور خاصة، لا يبنغى أن يشغل العابرون الليل كله ويشاركوننا الصباح، ارحلى قبل أن يقول إنه يود الرحيل». طبعًا تنهار كل هذه القواعد دفعة واحدة وتجد نفسها متورطة أكثر فأكثر، حتى يصل الأمر إلى ذروته وقد أعلنت خطبتها على رامى وسط دهشة صديقاتها اللائى يعرفنها جيدًا، قبل أن تعقد هى اتفاقها الخاص مع رامى بعد كَتب الكتاب، سيجربان حياة المتزوجين لستة أشهر، وعلى مَن يشعر بالملل أو سوء الاختيار أن يعلن ذلك بصراحة للطرف الثانى. يبدو الاتفاق فى ظاهره مثاليًّا، لكنه يكشف تدريجيًّا سوءاته، والأزمة الكبرى أنه يعرّى سر سارة الأكبر الذى يواجهها به رامى فى لحظة انفعال كبرى «أنت تطلعين إلى المتعة الدائمة طوال الوقت بأن يكون كل شىء مثاليًّا، لا بوصة واحدة زائدة، لا نقطقة شغف ناقصة، من المستحيل أن يظل الشغف بيننا قائمًا طوال الوقت، الحياة لا تسير على وتيرة واحدة».
أحبت سارة إذن «حب المقاعد الخلفية» واللحظات المسروقة وقبلات مداخل عمارات الزمالك وقاعات السينما المظلمة الخاطفة، لأنها أكثر إثارة وشغفًا ولا تخلو رغم ذلك من «الأمان» الذى يهتز فور ظهور مؤسسة الزواج، ولأن ذلك الحب هو ذروة «الرغبة المعلقة» التى «كانت وستظل السعادة التى لا تنتهى لأنها لا تقع، السعادة غير المحسوسة»، وهو ما تجلى فى ذلك الحوار القصير الذى دار بينها وبين رامى عقب إعلان عقد قرانهما «لم نتزوج طبعًا/ ماذا أعنى بالنسبة لك/ عشيقتى/ تنهدت (أحب هذه الكلمة كثيرًا)». وفى حبها هذا لم تعكس سارة حالة شخصية نادرة تأثرت بطبيعة العلاقة الباردة والتقليدية بين والديها، أو بحب مراهقين يحدث عادة بين الطالبات المراهقات وبعض المدرسين، وإنما عبرت عن «مخاوف» نسبة لا يستهان بها من هذا الجيل، ولا يقتصر الأمر فقط بطبيعة الحال على النساء وإنما يطول أيضًا الرجال، لكن العديد من المخاوف التى تناثرت على صفحات الرواية بدا أنها «نسائية بحتة».
ما يلفت فى الرواية هو العديد من الحوارات الداخلية التى كلما بدا أن البطلة تكاد فيها تصل إلى حقيقة أزمتها، سرعان ما هربت منها، وكان لافتًا أن هذه «المونولوجات» رغم جرأتها وقسوتها، فإنها كانت مغلفة بحس ساخر خفف من خشونة المواجهة النفسية، فها هى تقول «هل أحبه (رامى) لأنه بعيد مثلما أحببت مستر علِى يومًا، لأنه متزوج ولديه أطفال وليس لى؟ هل أحبه لأنه يبدو أنه لجميع النساء، وليس لى فقط؟ أم لأننى رأيته بملابس الخروج فى المنزل؟.. يا للمصيبة!»، ثم عندما تتأزم علاقتها معه تعلن رأيها فى الزواج الذى لم تجربه بعد بصراحة «زفت، لا تظن أنى أمزح أو أبعد العين عنى، فهو فعلًا زفت، وأكثر ما هو زفت به أن تعرف أنه كذلك قبل أن تقدم عليه، ومع ذلك تقدم عليه لأنك حمار!».
تتنوع بطلات «المقاعد الخلفية»، وكلهن على غرار البطلة الرئيسية، يتطلعن إلى أمان مفتقد، ووسط هؤلاء تبرز شخصية «منة» صديقتها التى تبرع فى إفساد علاقاتها مع الرجال حتى وهى تحبهم، لأنها تخرج دومًا كل مخاوفها من البقاء وحيدة مثل أُمِّها عقب زواج أبيها، أو من تحمل صعوبات الحياة، وتفعل ذلك بصورة منفرة، تجعلها تسقط فى فخ الوحدة الذى تهرب منه دومًا. لم تتعمق الرواية كثيرًا فى عالم صناعة الأفلام الوثائقية وفعلت ذلك بحذر، حتى لا يتقاطع مع الخط الرئيسى للأحداث، ولم يشكل تداخل وقائع الرواية مع نهايات زمن حكم الإخوان فى مصر إضافة أو بُعدًا قويًّا للشخصيات وبدا أنها تفصيلة ثقيلة على الرواية بعض الشىء.
«المقاعد الخلفية» قد تبدو فى صفحاتها الأولى رواية رومانسية، عن الباحثات عن «الحب الرمادى»، إلا أن تمكُّن مؤلفتها وسيطرتها على فكرتها بقوة وقدرتها على بناء عالم روائى أخاذ لا يخلو من خيال متدفق رغم واقعية أبطاله، ينقل الرواية إلى مساحات عميقة من الصراع الداخلى داخل أنفس عديدة تعيش بينا (بل وربما تكون تعيش فينا نحن بالأساس)، وصولًا إلى النهاية التى تعطى ملمحًا بأنه إذا كانت الإثارة والشغف يتجليان فى «المقاعد الخلفية»، فإن الحب لا يسكن -بالضرورة- هناك.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...