أكذوبة قتل تارك الصلاة فى الفقه الإسلامى

عصام الزهيري



أكذوبة قتل تارك الصلاة فى الفقه الإسلامى



حقيقةً لا توجد عقوبة دنيوية معروفة لتارك الصلاة عند كل من قرأ كتاب الله، فالبديهة أن الصلاة أمر بين الإنسان وربه، يحكم فيها ضمير كل مسلم، ولا رقابة لغير الله عليه فيها، وآيات القرآن الكريم تتواتر بالوعيد الأخرَوى لإثم ترك الصلاة، دون أن تقترب -معنًى أو إشارةً أو سياقًا- من أى تصور عن وجود عقوبة له فى الدنيا.

 

يقول الله تعالى: «فويل للمصلِّين الذين هم عن صلاتهم ساهون». «الماعون: 5».

 

والويل هو التوعد بداهةً بعقوبة يوم القيامة ما لم يوجد نص إلهى على عقوبة دنيوية، واتساقًا مع هذا الفهم قال بعض المفسرين إن «الويل» وادٍ فى جهنم.

 

وفى سورة «القلم: 42»: «يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون»، والآية تشير بوضوح تام إلى أن عقوبة ترك الصلاة فى يوم القيامة «يوم يكشف عن ساق»، والساق شدة يوم القيامة، بل وتؤكد أن تاركيها كانوا يدعون فى الدنيا للصلاة وهم سالمون. وتقدم الآيات «42: 46» من سورة المدثر تأكيدًا جديدًا لعقوبة ترك الصلاة فى الجحيم؛ يقول تعالى: «ما سلككم فى سقر قالوا لم نكُ من المصلِّين ولم نكُ نطعم المسكين وكنّا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين».

 

والآية تجمع بين ترك الصلاة وحرمان المسكين والخوض مع الخائضين والكفر بيوم الدين، ما يعنى أنه ليس لكل هذه الآثام عقوبات دنيَوية أو حدود إلهية تعاقب عليها.

 

وبالمثل لا تقترن كل آيات الحضّ على الصلاة؛ كالآية «43» من سورة البقرة: «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين»، بأى نص على عقوبة أو توعد دنيَوى، بل إن الآية «59» من سورة مريم تتحدث صراحةً عن قوم أضاعوا الصلاة وعن عقوبتهم الأخرَوية؛ يقول تعالى: «فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتَّبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا»، والغى هو العذاب، وقال المفسرون كذلك إنه اسم وادٍ فى جهنم.


ولو انتقلنا إلى نصوص المرويات المنسوبة للنبى -صلى الله عليه وسلم- فلا يختلف الأمر كثيرًا، فكل ما نصت عليه الأحاديث، ما صح منها عند البعض وما لم يصح عند آخرين، لا يذهب إلى أى عقوبة فى الدنيا، فقد جاء عن معاذ بن جبل أن النبى قال له: «لا تترك الصلاة متعمدًا فإن من ترك الصلاة متعمدًا فقد برئت منه ذمة الله»، رواه الطبرانى، وعن جابر أن النبى قال: «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة»، رواه مسلم، وعن بريدة أن النبى قال: «العهد الذى بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر»، رواه الخمسة، بل ونص الحديث الذى أدرجه ابن حنبل فى مسنده يؤكد بالقطع أن ثواب الصلاة كما عقابها لا يكون إلا يوم القيامة، فعن عبد الله بن عمر عن النبى أنه ذكر الصلاة يومًا، فقال: «من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا ولا برهانًا ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبَى بن خلف».


لكن -وكالعادة- كان لفقهاء المسلمين رأى آخر مختلف، يبدأ بعقوبات لترك الصلاة فى الدنيا من طراز معنَوى، ولا ينتهى بعقوبات من صنف دموى، لكن الأغرب من ذلك أنهم قدَّموا لونًا ثالثًا من العقوبة يمكننا أن نسميه تجاوزًا عقوبة ما بعد القتل! أما طراز العقوبات المعنَوية، والتى يمكن التجاوز عنها واعتبارها محض وعيد فقهى، رغم أنه «وعيد مجلوب» وليس منصوصًا عليه فى مصادر الفقه الخمسة المعروفة «الكتاب والسُّنة والإجماع وأقوال الصحابة والقياس»، فمنه ما يورده ابن القيم فى كتاب «الداء والدواء»، إذ يقول: «ومن عقوباتها أنها تزيل النعم الحاضرة وتقطع النعم الواصلة، فتزيل الحاصل وتمنع الواصل، فإن نعم الله ما حفظ موجودها بمثل طاعته، ولا استجلب مفقودها بمثل طاعته، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته. ومن العقوبات التى تلحق تارك الصلاة سوء الخاتمة، والمعيشة الضنك؛ لعموم قوله تعالى: ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى».

 

وخطورة هذا اللون من الفبركة العقابية أن ينسب للإسلام على ما فيه من تهافت منطقى لا يصمد للتدقيق الواقعى، فأين هى تلك النعَم المعدودة التى أُزيلت عن غير المسلمين الذين لا يصلُّون أو لدى شعوب أخرى لا تَدين بالإسلام ولا تصلِّى كلها بطبيعة الحال!


أما الصنف الثانى من عقوبة ترك الصلاة التى سَنَّها الفقهاء بالمخالفة للكتاب والسُّنة فعقوبة القتل بعد التعزير، وبدأت من الإمام الشافعى الذى لا يجد ما يستدل به على ابتداع عقوبة القتل لترك الصلاة إلا الحروب التى شنّها الخليفة الأول أبو بكر الصديق، واختلف عليها فى أوانها كما هو معروف، إذ يأتى فى كتاب «الأم»: «قال الشافعى، رحمه الله: من ترك الصلاة المكتوبة ممن دخل فى الإسلام قيل له لمَ لا تصلى؟ فإن ذكر نسيانا قلنا فصلِّ إذا ذكرت، وإن ذكر مرضًا قلنا فصلِّ كيف أطقت قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا أو موميا فإن قال أنا أطيق الصلاة، وأحسنها، ولكن لا أصلى وإن كانت علىَّ فرضًا، قيل له: الصلاة عليك شىء لا يعمله عنك غيرك، ولا تكون إلا بعملك فإن صليت، وإلا استتبناك فإن تبت، وإلا قتلناك فإن الصلاة أعظم من الزكاة، والحجة فيها ما وصفت من أن أبا بكر قال: لو منعونى عقالا مما أعطوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لقاتلتهم عليه لا تفرقوا بين ما جمع الله».


والإمام مالك يضيف إلى عقوبة قتل تارك الصلاة حكمًا غريبًا، وهو تحريم الغسل والوضوء والصلاة فى ثوب أو خف تارك الصلاة! إذ يأتى فى «المدونة المالكية»: «قال مالك: إن كان الثوب لتارك الصلاة يعيد الغسل إن كان اغتسل، والوضوء إن كان توضأ، والصلاة إن كان صلى؛ لأن ثوب تارك الصلاة نجس مبين للنجاسة».

 

وأظن أن هذا الحكم الفقهى العجيب مما يمكن أن يعتبر فى عرف زماننا حكمًا عنصريًّا، فهو يتصور النجاسة المعنوية التى يمكن أن تنسب لتارك الصلاة، أو نجاسة الكافر عموما، على هيئة مادية حقيقية أولا، ثم إنه يرتكز على حكم آخر أشنع: «قال مالك: لا يصلى فى ثياب أهل الذمة التى يلبسونها، قال: وأما ما نسجوا فلا بأس به، قال: مضى الصالحون على هذا. وقال: لا أرى أن يصلى بخفى النصرانى اللذين يلبسهما حتى يغسلا».


أما التناقض الأعجب فيمكن للإنسان أن يلحظه فى فقه الإمام ابن حنبل، الذى ينص اتفاقًا مع مالك والشافعى، على عقوبة قتل تارك الصلاة لكنه يُخرج من حديث قتادة فى «المسند» أنه قال: «جاء رجل منا إلى الرسول، صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يبايعه على أن لا يصلى إلا صلاتين، فبايعه رسول الله على ذلك».

 

وهو نص حديثى واضح فى نفى أى عقوبة فى الإسلام لترك الصلاة، وإلا ما رضى النبى قطعًا بمبايعة مسلم على صلاتين فى اليوم فقط!


أما المذهب الوحيد الذى لم يجهر بحكم كفر وردّة وقتل تارك الصلاة، فهو المذهب الحنفى، فكان من رأى الإمام أبى حنيفة أنه «فاسق بترك الصلاة، ويجب أن يؤدب ويعزر بأن يضرب ضربًا شديدًا حتى يسيل منه الدم، ويحبس حتى يصلى»! وكما هو بيّن بالبديهة فإنه لا القرآن ولا الحديث المنسوب للنبى نصَّا على عقوبتى الضرب المدمى والحبس، كما أن الصلاة لا تجوز على كل حال -ولا تصح- قسرًا.


تبقى أن أحدثك، عزيزى القارئ العاقل الراشد -دون أن يضر ذلك كله بعقولنا ورشدنا فى ما أرجو- عن عقوبة ما بعد القتل لترك الصلاة عند الفقهاء، وهى التى أوردها الشيخ يوسف القرضاوى، تأسيسًا على عقوبة لما بعد القتل أيضًا سنَّها الإمام ابن تيمية، عندما قال فى تارك الصلاة: «لا ينبغى السلام عليه، ولا إجابة دعوته»! هذا لو كان للقتيل أن يلقى سلامًا أو يطلق دعوة طبعًا؛ لذلك جاءت فتوى القرضاوى لتنص على أنه: «لا يجوز للأب أن يزوج ابنته من تارك للصلاة لأنه فى الحقيقة ليس بمسلم وليس أهلا لها، ولا أمينًا عليها، ولا على أولادها، ولا يجوز لصاحب المؤسسة أن يوظف تارك الصلاة لأنه يعينه برزق الله على معصية الله، ومن ضيع حق الله الذى خلقه وسواه فهو لحقوق عباده أكثر تضييعًا وإهمالا».


ولا أظن أنه يمكن أن يحلو لأحد أن يزوج ابنته بقتيل تارك للصلاة أو أن يوظفه فى مؤسسته على العموم!



أقرأ أيضا

البلد

عرب 2019.. ما الذي يجمع هذه الشخصيات الـ12؟

وجوه جديدة فى السلطة بتونس والسودان، ووجوه أخرى تغادر المسرح فى لبنان والعراق، فى حين ينتظر الجزائريون حسم السباق الرئاسى لخلافة عبد العزيز بوتفليقة. وجوه ثالثة تترك المشهد بالقوة، تمامًا كما دخلته بالقوة، مثل أبى بكر البغدادى.
البلد

عرب 2019.. بين النفوذ الإيرانى والأطماع التركية.. حراك شعبى يفاجئ الجميع

بين سندان النفوذ الإيرانى ومطرقة الأطماع التركية، شهدت شوارع عواصم عربية حراكـًا شعبيًّا فرض كلمته فى نهاية المطاف، وانتخابات رئاسية أفرزت وجوهـًا جديدة، وصراعات سياسية ثقيلة مرشحة لأن تطل برأسها فى عام 2020. كانت رياح التغيير قوية، فى حين وجدت الاضطرابات طريقها إلى مدن وعواصم عربية مختلفة. فى المقابل، أثبتت الاحتجاجات القوية فى العراق ولبنان أن النفوذ الإيرانى فى العواصم التى كان يتباهى بالسيطرة على مفاصل القرار فيها، صار مهددًا إلى حد كبير.  
فن

ضحكات الجوكر فى مواجهة عنف «سكورسيزى»!

خطف جوكر فيلم المخرج «تود فيليبس» الأضواء من أغلب أفلام العام، وهو فيلم تجارى ميزته الأكبر هى أداء «واكين فينكس»، وقد نجح تجاريًّا فى دخول نادى المليارات، وعلى مستوى الدراما يصور الفيلم بدايات شخصية الجوكر، أكبر أعداء «باتمان»، وعلى عكس التوقعات لم تكن أحداث الفيلم مغامرات قاتل ميت القلب، يضع ماكياج مهرج...
يرحمكم الله

الإسلام السياسى فى 2019 وحصاد المر

اتسم عام 2019 بالازدواجية، فهو عام الهزيمة والانتصار للإسلام السياسى، عام الموت لقيادات تاريخية وعام ميلاد قيادات أخرى. حصاد مربك ومرتبك، لا تملك اعتباره عام هزيمة الإسلام السياسى، لأن تنظيم الدولة انهزم ورحل من سوريا والعراق، ففى أسابيع كانت قوات «داعش» تتدفق على مالى وأفغانستان.
البلد

مسلسل العام.. «ثلاثة عشر سببًا» للانتحار.. ما السر وراء أكثر مسلسلات «نتفليكس» مشاهدةً فى مصر والعالم العربى؟

يبدأ هذا المسلسل المثير للجدل ببداية «واقعية» غير مسبوقة ربما فى تاريخ الأعمال الدرامية. إذ يظهر الأبطال من المراهقين بشخصياتهم الحقيقية فى مشهد «تحذيرى» صريح يمتد إلى خمسين ثانية، قائلين إن المسلسل هو «من وحى الخيال»، لكنه يعالج مسائل واقعية صعبة، مثل قضايا الاعتداء الجنسى وتعاطى المخدرات و«الانتحار»، وما هو أكثر من ذلك، متمنين أن يساعد المسلسل المشاهدين بالبدء فى الحديث عن مشكلاتهم.
يرحمكم الله

البخارى يرد البخارى فى أحاديث الغيب

لماذا اختلف البخارى ومسلم فى صحة الرواية عن الخوارج؟ هل كانت السُّنة ستضيع لو لم يقم البخارى وغيره بتدوين الأحاديث؟ هل أحاديث البخارى مسلمٌ بها حتى لو خالفت العقل والمنطق؟ هل مصطلح الحديث الصحيح يفيد اليقين بأنه قول النبوة؟
تأملات

هل يصاب المؤمن بالاكتئاب؟

عبارة وردت على لسان الدكتور مصطفى محمود، رحمه الله، مفادها أن الإنسان المؤمن لا يُصاب بالاكتئاب، لأن إيمانه بالله يحميه من الاكتئاب. وقد تواترت هذه العبارة كثيرًا على ألسنة كثيرين من علماء الدين والدعاة، وانتشرت بين عوام الناس ومثقفيهم، فما مدى صحة هذه العبارة من الناحية العلمية؟