الفتوى بين التخاصم المذهبى ومستقبل الإرهاب




 الفتوى بين التخاصم المذهبى ومستقبل الإرهاب



نعيب على الغرب اتهامه للإسلام والمسلمين بالتخلف والتطرف وسفك الدماء بغير حق، فى الوقت الذى يحمل تراث المسلمين الدينى ما يثبت صحة هذا الاتهام، ليس بسبب الدين الإسلامى، وإنما بسبب تدين فقهاء المسلمين وتطرفهم المذهبى الذى يشاهده الغرب ليل نهار على وسائل الإعلام المختلفة!
إن أكثر من يحملون «الفقه الجهادى» لا يعلمون شيئا عن الجهاد فى الشريعة القرآنية، ولا شيئا عن مفهوم قوله تعالى: «لَا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَىِّ»، ولا شيئا عن الخلافة فى الأرض:

«أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ»، ولا شيئا عن السلام النفسى، الذى هو القاعدة الأساس للسلام الاجتماعى، المحلى والعالمى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِى السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ».


وإن أكثر من يحملون «الفقه السلمى» لا يعلمون شيئا عن الفقه القرآنى، وخير شاهد على ذلك أمهات كتب الفقه المقارن، التى أظهرت للعالم كيف كان يفكر أئمة الفقه فى القرون الأولى، واقرؤوا كتب الفقه المقارن، وفى مقدمتها «بداية المجتهد ونهاية المقتصد - لابن رشد»، لتقفوا على حجم المأساة التى تعقد هذه المؤتمرات من أجل الدفاع عنها وحمايتها!


إن مسألة مواجهة إشكاليات الفقه فى الحاضر والمستقبل ما هى إلا مجرد صورة لابد من إظهارها على الساحة العالمية لتقول للناس «نحن هنا، والإسلام بخير»!


تعالوا نلقى الضوء على بعض المسائل المتعلقة بأزمة الفتوى، وكيف أنها كانت «وما زالت» سببا رئيسا فى اتهام الإسلام بأنه دين العنف، والإكره فى الدين، وسفك الدماء بغير حق.


أولا: أذكر يوم أن خرج علينا رئيس قسم الحديث وعلومه بكلية أصول الدين جامعة الأزهر، الدكتور عزت عطية، بفتوى «إرضاع المرأة زميلها فى العمل»، فيكون ابنها فى الرضاعة، حتى لا تكون الخلوة بينهما محرمة، قامت الدنيا ولم تقعد، وظهرت الرسوم الكاريكاتيرية فى الصحف والمواقع العالمية تسخر من الفتوى، ومن الرسول، ومن الإسلام!


والسؤال: عندما قرر المجلس الأعلى للأزهر تفويض جامعة الأزهر فى إصدار قرار بوقف الدكتور عزت عطية عن العمل، وإحالته إلى مجلس التأديب للتحقيق معه فى فتواه، التى قال إنه أخذها عن فقهاء أئمة السلف: ابن حزم وابن تيمية وابن القيم والشوكانى، وما استخلصه من كلام ابن حجر.. هل كانت هذه العقوبة لأنه تحدث فى مسألة تتعلق بأصول الفقه، وهو ليس فقيها؟!


ثانيا: لقد عقدت عشرات المؤتمرات، خلال الأعوام السابقة، من أجل بحث قضية الفتوى، منها: «المؤتمر العالمى للفتوى وضوابطها»، «مؤتمر الفتوى واستشراف المستقبل»، «مؤتمر الفتوى وإشكاليات الواقع وآفاق المستقبل»، وإن أهم وأصعب إشكال واجه هذه المؤتمرات، هو قضية «المرجعية» التى يستند إليها المفتى فى فتواه، فانشغل الفقهاء بالفتوى، وأعطوا ظهورهم للمرجعية!


يقول ابن القيم فى «إعلام الموقعين»: «وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذى لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السَّنِيَّات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات… وهو المنصبُ الذى تولاَّه بنفسه ربُّ الأرباب، فقال تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ)، وكفى بما تولاَّه الله تعالى بنفسه شرفًا وجلالة إذ يقول فى كتابه: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلاَلَةِ)»!


فعندما يقول ابن القيم: «فكيف بمنصب التوقيع عن ربِ الأرض والسماوات»، إذن فعلينا أن نسأل: أين هى المرجعية التى تجعل من المفتى نائبا عن الله تعالى؟! لقد اختلفت المذاهب الفقهية فى الفرقة الواحدة اختلافا كبيرا، فى مسائل العقيدة والشريعة، ولم يكن هذا الخلاف من باب التباين الاجتهادى والعلمى الذى كثيرًا ما يقع داخل الفرقة الواحدة، وإنما خلافًا فى أصول العقيدة!


ثالثا: قال مفتى الجمهورية فى مؤتمر الفتوى وإشكاليات الواقع وآفاق المستقبل: «إن الفتوى صنعة أى أنها عملية دقيقة تحتاج من القائم بها أن يكون عالما بالشرع الشريف بإدراك المصادرِ وفهمها»!


والسؤال: ما المصادر التى يجب على المفتى أن يدركها ويفهمها؟! هل هى مصادر الشريعة التى كانت التيارات السلفية تريد أن ينص الدستور المصرى عليها فى المادة «٢١٩»، وهى: «مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية، وقواعدها الأصولية والفقهية، ومصادرها المعتبرة فى مذاهب أهل السنة والجماعة»؟!


فكيف تشمل مبادئ الشريعة الإسلامية المصادر المعتبرة فى مذاهب أهل السنة والجماعة، فهل الشريعة الإسلامية حكر على فرقة أهل السنة والجماعة؟! كيف تشمل الشريعة الإسلامية القواعد الأصولية والفقهية، أى منظومة الفقه السلفى السنى، فقه القرنين الثالث والرابع الهجريين، فقه الصراع بين أتباع المذاهب الفقهية المختلفة؟!


فهل هذا معقول؟! نتحدث عن إشكاليات الواقع وآفاق المستقبل، بمعزل عن الفقه الشيعى، والمعتزلى، والإباضى…وهؤلاء مصنفون جميعا فرقا إسلامية، حسب ما نصت عليه أمهات كتب الملل والنحل؟!


وعندما يوصى المؤتمر فى جلسته الختامية، بـ«الدعوة إلى الالتزام بقراراتِ الهيئاتِ الشرعية والمجامع الفقهيةِ ودُورِ الإفتاءِ الكبرى فى مسائل النوازلِ وفتاوى الأمة؛ لما فيها من جُهد جماعى»، فماذا يقصد بالهيئاتِ الشرعية التى يجب الالتزام بما يصدر عنها من فتاوى لما فيها من جهد جماعى؟! هل يقصد الهيئاتِ الشرعية للأحزاب والجمعيات الدينية، التى تعمل فى مجال الدعوة الإسلامية وفق قوانين الدولة؟!


رابعا: من ضوابط الفتوى، التى توصى بها هذه المؤتمرات، أن لا تكون الفتوى شاذة، ويستندون فى تعريف الشذوذ إلى رواية البخارى، حديث الرجل الذى قاتل قتالا شديدا حتى وصف بأنه لا يدع من المشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها فضربها بسيفه، وقد علق ابن حجر عند شرحه لهذه الرواية بقوله: الشاذ ما انفرد عن الجماعة، والفاذ المنفرد!


وبناء على هذه الرواية خرجوا بتعريف للفتوى الشاذة أنها التى يخرج صاحبها عن الجماعة، ويخالف فيها الإجماع والدليل الشرعى، من كتاب أو سنة أو إجماع، وما استقر عليه أمر الأمة من أحكام الدين، عقيدة وشريعة!


والسؤال: الخروج عن أية جماعة من الجماعات الإسلامية يجعل الفتوى شاذة؟!


الخروج عن إجماع أية فرقة أو مذهب يجعل الفتوى شاذة؟!


وأين هى الأمة التى استقرت أحكامها الدينية عقيدة وشريعة؟!


وأية مرجعية للسنة النبوية، عند الفرق والمذاهب المختلفة، هى التى يستقى منها الدليل الشرعى؟!
مثال: إن مسألة عزل الحاكم، لفسقه أو لظلمه أو لفساده، من المسائل الفقهية التى أفرزتها أحداث الفتن الكبرى، والتى بدأت بقتل خليفة المسلمين عثمان بن عفان على أيدى مسلمين. فكان من الطبيعى أن يراعى الفقهاء هذه المسألة، لأنها من المسائل الشائكة جدا، خصوصا أن القاتل مسلم، والمقتول خليفة مسلم، وقُتل مع سبق الإصرار والترصد!


فذهب «الحنابلة»، وهم يمثلون مدرسة أهل الحديث، إلى أنه لا يجب عزل الحاكم، سواء كان فسقه متعلقا بأفعال الجوارح، وهو ارتكاب المحظورات، أو كان متعلقا بالاعتقاد.


وذهب «الأشاعرة»، وهو المذهب العقدى لعلماء الأزهر، إلى أن حدوث الفسق فى الإمام، بعد العقد له، لا يوجب خلعه، وإن كان مما لو حدث عند ابتداء العقد لبطل العقد له.


وذهب «الماتريدية» إلى أن الحاكم لا ينعزل بالفسق: أى بالخروج من طاعة الله تعالى، والجور: أى الظلم على عباد الله تعالى، لأنه قد ظهر الفسق وانتشر الجور من الأئمة والأمراء بعد الخلفاء الراشدين، والسلف كانوا ينقادون لهم ويقيمون الجُمَع والأعياد بإذنهم ولا يرون الخروج عليهم.


وذهب «المعتزلة» إلى أن الشرع أوجب أن لا يُخلع الإمام إلا عن فسق، فقد ثبت بالشرع أن الخلع والإزالة لا تجوز من غير حدث، وأن خلعه لا يجوز من السلامة، لإجماعهم على ذلك.


إلى آخر الآراء والاجتهادات الفقهية التى سودت بها آلاف الصفحات من أمهات كتب الفرق والمذاهب المختلفة، لذلك كان من الطبيعى أن يعيش فقهاء هذه الفرق الإسلامية المختلفة فى حالة تخاصم وانفصام وتناقض فى ظل هذه المنظومة الفقهية السلفية، ثم نأتى نتحدث عن «إشكاليات الواقع، وآفاق المستقبل».


إنه يستحيل أن نواجه إشكاليات الواقع، ونستشرف آفاق المستقبل، ونحن نتحرك داخل هذه المنظومة الفقهية السلفية، التى مضى عليها قرون من الزمن، فى الوقت الذى نحمل فى أيدينا «آية قرآنية» قال الله تعالى فيها: «كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ»!


إن إخراج الناس من الظلمات إلى النور، عمل مؤسسى حضارى، يقوم على:
«منظومة الفقه القرآنى المعاصر»، التى تثبت للعالم أجمع أن هذا القرآن يحمل الآية والمنهج فى نفس الوقت، الآية الدالة على أن محمدا رسول الله، والمنهج الذى يشهد بذاته أن هذا القرآن حقا من عند الله تعالى.


فقه قرآنى «متجدد» يتلاءم مع مقتضيات وتحديات كل عصر.


فقه قرآنى «متحرك» يضمن السلامة والنجاح والرقى والتقدم لأى نظام يقوم عليه فى أى عصر وفى أى مكان.


فقه قرآنى يعمل به جميع المسلمين على كلمة سواء، وهم على يقين أنهم حقا يطيعون الله، ويطبقون شريعته، ويتبعون رسوله محمدا.


إنه عمل يتعلق بمصير أمة تفرقت وتخلفت وتخلت عن مسؤوليتها وشهادتها على الناس، ولا نجاة لعلمائها بتخصصاتهم العلمية المختلفة، وليس فقط علماء المذاهب الدينية، إلا إذا تحملوا جميعا مسؤولياتهم لإقامة هذه المنظومة الفقهية المعاصرة، على الأصول والقواعد القرآنية، التى جاءت بها نصوص «الآية القرآنية» هذه الآية التى هى البرهان الوحيد الذى يحمله المسلمون اليوم، الدال على صدق «نبوة» رسولهم محمد، عليه السلام!


«أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ».



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.