هل يحق لنا أن ننعى سوار الذهب؟

سامح عيد



هل يحق لنا أن ننعى سوار الذهب؟



يشكل موقف سوار الذهب مصدرًا للتعجب فى الشرق الأوسط الذى سيطرت عليه الانقلابات العسكرية والقادة العسكريون فى دول الجوار، بعيدًا عن الممالك التى لها شأن آخر ليست أقل استبدادًا ولكن بمعايير وطرق أخرى، فبعد انتفاضة أبريل 85 فى السودان على جعفر النميرى، تسلمت القيادة العسكرية بقيادة سوار الذهب مقاليد السلطة لمدة عام لتجهيز البلاد لانتخابات ديمقراطية تسلمها الصادق المهدى رئيسًا للوزراء بعدها، وأحمد الميرغنى أمينًا لمجلسها، ولم يستمر الوضع كثيرًا، إذ حدث انقلاب عسكرى بقيادة عمر البشير وحسن الترابى، ليستمر حكم البشير حتى الآن.

 

نبذة سريعة عن تاريخ السودان الحديث، فقد احتله محمد علِى بقيادة ابنه إسماعيل عام 1822، وقامت فيه الثورة المهدية عام 1885 تحت مزاعم المهدى المنتظر، ولكن الاحتلال البريطانى لمصر سحق النظام المهدى عام 1898، واستمر الاحتلال الإنجليزى لها حتى عام 1955، وبعد ثلاث سنوات من عدم التوافق بين الأحزاب السياسية المدنية الملتحفة برداء دينى أو حتى المفعمة بروح اليسار، سيطر الفريق إبراهيم عبود على السلطة فى عام 1958 بعد تردى الأحوال الاقتصادية حتى عام 64، إذ قامت احتجاجات ومظاهرات استلم على أثرها السلطة حكم مدنى حتى عام 69، وفى هذه الفترة كان أهم اجتماع قمة عربية فى الخرطوم فى سبتمبر من العام 67 بعد النكسة، واستقبل وقتها إسماعيل الأزهرى عبد الناصر والملك فيصل، واستمر الأمر حتى شهر مايو من عام 69، الذى قام فيه انقلاب عسكرى مرة أخرى بقيادة جعفر نميرى، واستمر حتى عام 85، وبعدها سوار الذهب.
 

وسيظل السؤال الدائم: هل كُتبت على الوطن العربى هذه الأنظمة من الحكم؟ وهل الشعوب غير مؤهلة للديمقراطية بمزاعم المؤيدين لأنظمة حكم عسكرية وقمعية بأشكال ومراتب مختلفة؟ قرنان من الزمن وهذه المنطقة تراوح مكانها، حتى إن المحللين الغرب كتبوا كثيرًا أبحاثًا ودراسات تحت مسمى الاستبداد الشرقى، وتراوحوا بين نظريات مختلفة، من بينها استعداد الشعوب للديمقراطية من غيرها، وإن كانت ماليزيا والهند، اللتان قدمتا نماذج معقولة من أنظمة مدنية، بها أشكال لانتخابات وتبادل نسبى للسلطة يقترب من الأنظمة الغربية، لكن ما زالت المنطقة المتحدثة بالعربية تراوح مكانها، رغم أن الخديوِ إسماعيل كان يرغب فى جعل مصر قطعة من أوروبا، وأنشأ برلمانًا، ولكن ظلت ملامح الاستبداد والعصف بالمعارضين السياسيين قائمة، حتى الخديوِ توفيق الذى تعلَّم ودرس فى أوروبا، كان يمسك الكرباج ولم يحُل تعليمه الأوروبى دون ممارسة الاستبداد الشرقى، ولكنى أعتقد أن حركة الزمن لا تعود للوراء، وأن الاستبداد لن ينتهى بشكل مطلق، ولكن العولمة سيكون لها تأثير كبير فى مجريات الأحداث فى العالم، والرأى العام بات ضاغطًا لأنه لم يصبح رأيًا عاما محليا تستطيع ترويضه كما كان فى السابق، ولن يستطيع أحد ممارسة الاستبداد وأن يأمن عواقبه على الدوام، وستظل التخوفات قائمة، وطاعة أوامر الجلادين لن تكون مستدامة مع تغير الزمن وتغير الظروف.



أقرأ أيضا

البلد

حينما تضحك التراجيديا

نكتة مدينة جوثام الدامية، ضحكة كبيرة مرسومة بالدم، القمامة تملأ الشوارع، السلالم تصعد إلى ما لا نهاية، العنف في الخارج يصل إلى درجة الجنون، والجرذان تهاجم كل شيء. الأغنياء في قصورهم، والإعلامي في الاستوديو الخاص به، بينما الشوارع تضج بالجنون والتنمر والفزع، الضحك اللا إرادي والكوميديا التي هي آخر ما تصل إليه التراجيديا من حدود، ضحكة تفجر الأسى والواقع حينما يلامس الفلسفة، كل ذلك هو فيلم "الجوكر".
البلد

توافق وافتراق في ثورات الجيران

اجتازت إيران ولبنان والعراق في الشهرين الماضيين عتبة التجربة السورية في ثورة شعوبها على أنظمة التسلط والفساد الحاكمة. ورغم ما ظهر في إيران من استيعاب نظام الملالي لهبة الإيرانيين الأولى، وتوجهه المؤكد نحو انتقام عميق من معتقلي وناشطي جمهور الهبة، فإن ذلك لا يعني نهاية الحراك الإيراني المتكرر في العام الماضي...
البلد

الصين وأمريكا.. حرب سياسية

فرحة عارمة اجتاحت مناصري الحراك الاحتجاجي في هونغ كونغ بعد اكتساحهم الهائل لنتائج الانتخابات البلدية وفوز مرشحيهم ضد مرشحي الحكومة المركزية في بكين، ما تسبب في إحراج شديد لكاري لام الحاكم التنفيذي للمقاطعة والمعيّن من قِبل الصين.
البلد

إلى أين يجري العالم؟

عندما انتهى المؤرخ البريطاني العظيم أرنولد توينبي من كتابه الحافل «تاريخ البشرية» والذي درس فيها قرابة ثمانٍ وعشرين حضارة إنسانية لامعة، قال جُملته التي لخّصت أكثر من أربعين عاماً كرّسها لوضع ذلك الكتاب الموسوعي النفيس وبيّنت باختصار أسباب زوال الأمم: «إنّ الحضارات لا تُغتال ولكنها تنتحر طوعاً»!
البلد

عودة العمدة

صفارة العدو نحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية تبدأ عادة مع أول الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري، وهي التي تكون في ولاية «أيوا» في وسط الغرب الأمريكي، وسوف تكون في شهر يناير القادم.
البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...
البلد

أنصتوا إلى الشعب اللبناني

في عام 2012، كتبت مقالاً عن لبنان ما زال ينم عن الواقع حتى الآن، وأنهيت مقالي باقتباس واحدة من أفضل المقالات التي كتبها «جبران خليل جبران»، بعنوان «أنت لديك لبنان الخاص بك، وأنا لدي لبنان الخاص بي»...