المفسرون الذين فضلوا أن تبدأ قصة «يونس» من نهايتها!

عصام الزهيري



المفسرون الذين فضلوا أن تبدأ قصة «يونس» من نهايتها!



«وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى فى الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين»- الأنبياء: 78.

 

ذو النون التى تعنى «صاحب الحوت» هو «يونس بن متى» الذى ينفرد بمسمى سورة من سور القرآن الكريم، وهو كذلك النبى «يونان بن أمتاى» الذى ينفرد بمسمى سِفر من أسفار التوراة المقدسة. وعلى طريقة القص القرآنى الموجز البعيد عن التفصيل والموشح بغلالة من الغموض لا تخبرنا الآية بتفصيل مغاضبة «ذى النون» وذهابه وهو غضبان، وهو أسلوب القص فى القرآن الذى لا يبتغى تقديم تأريخ للأنبياء وأحداث حياتهم على طريقة التوراة فى تأريخ حياة أنبياء وملاحم قبيلة بنى إسرائيل، وإنما يهدف مباشرة إلى تقديم العظة والعبرة وضرب المثل، وهو ما يظهر بصورة أوضح من قوله تعالى مخاطبا نبى الإسلام فى موضع آخر: «فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم»- القلم: 48.
 

الأمثلة على عنصرى الإيجاز والغموض فى القص القرآنى غزيرة، ومن قصة يونس نفسها نذكر قوله تعالى فى سورة الصافات: «وإن يونس لمن المرسلين، إذ أبق إلى الفلك المشحون، فساهم فكان من المدحضين، فالتقمه الحوت وهو مليم، فلولا أنه كان من المسبحين، للبث فى بطنه إلى يوم يبعثون، فنبذناه فى العراء وهو سقيم، وأنبتنا عليه شجرة من يقطين، وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون، فآمنوا فمتعناهم إلى حين»- 139: 148، ولا توضح الآيات لماذا هرب -أبق- يونس أو ذهب مغاضبا كما يرد فى آية سورة الأنبياء؟ ولا معنى لجوئه لسفينة مزدحمة؟ ولا ماهية القرعة -فساهم- التى اشترك فيها؟ ولماذا نبتت عليه شجرة اليقطين؟ ومن الذى أرسل إليهم؟ وهلم جرا.

 

كلها أسئلة تناولتها بكل تأكيد وعالجت إجاباتها التفاسير القرآنية المختلفة، لكن بما زادها غموضا للأسف وبما أضاف إليها عشرات التفاصيل المهولة والإشكاليات المعقدة، بل والأخطر بما أدى إلى قلب أحداث قصة يونس كلها حسب ما وردت فى السياق القرآنى.
 

وقبل أن نطالع ذلك فى التفاسير ينبغى أن نعرّج على «سفر يونان» لنستطلع قصة يونس كما ترد فى التوراة ونستنبط مدى التطابق بينها وبين القص القرآنى فى مفاصله المجملة: فى الإصحاح الأول منه يقول سفر يونان: «وصار قول الرب إلى يونان بن أمتاى قائلا، قم أذهب إلى نينوى المدينة العظيمة وناد عليها لأنه قد صعد شرهم أمامى، فقام يونان كى يهرب إلى ترشيش من وجه الرب فنزل إلى يافا ووجد سفينة ذاهبة إلى ترشيش فدفع أجرتها ونزل فيها»: 1-3، وبعد أن يرسل الرب رياحا شديدة على السفينة يقول نفس الإصحاح: «وقال بعضهم لبعض هلم نلقى قرعا لنعرف بسبب من هذه البلية؟ فألقوا قرعا فوقعت القرعة على يونان، فقالوا له أخبرنا بسبب من هذه المصيبة علينا؟ ما هو عملك؟ ومن أين أتيت؟ ما هى أرضك؟ ومن أى شعب أنت؟ فقال لهم أنا عبرانى وأنا خائف من الرب إله السماء الذى صنع البحر والبر، فخاف الرجال خوفا عظيما وقالوا له: لماذا فعلت هذا؟ فإن الرجال عرفوا أنه هارب من وجه الرب»: 7-10، ثم يلقى بحارة السفينة يونان إلى البحر لتهدأ العاصفة فيلتقمه الحوت، وبعد أن يصلى ويتضرع لله من جوف الحوت يستجيب له الرب ويأمر الحوت فيقذفه إلى اليبس، ويجدد الله أمره ليونس لينذر أهل نينوى بانقلاب الأرض بمدينتهم بعد أربعين يوما، هذه المرة يمتثل النبى ويصدّق أهل نينوى تحذيره ويؤمنون بالله فيرفع عنهم العذاب، لكن يونان يغتم لأن الرب لم يصدق وعيده الذى حمّله وأنذر به أهل المدينة، فيخرج إلى شرقى المدينة ليرى ما سيحدث لها، هنا يقول الإصحاح الرابع: «فأعد الرب الإله يقطينة فارتفعت فوق يونان لتكون ظلا على رأسه لكى يخلصه من غمه ففرح يونان من أجل اليقطينة فرحا عظيما، ثم أعد الله دودة عند طلوع الفجر فى الغد فضربت اليقطينة فيبست، وحدث عند طلوع الشمس أن الله أعد ريحا شرقية حارة فضربت الشمس على رأس يونان فذبل فطلب لنفسه الموت وقال: موتى خير من حياتى، فقال الله ليونان: هل اغتظت بالصواب من أجل اليقطينة؟ فقال: اغتظت بالصواب حتى الموت، فقال الرب: أنت شفقت على اليقطينة التى لم تتعب فيها ولا ربيتها التى بنت ليلة كانت وبنت ليلة هلكت، أفلا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة التى يوجد فيها أكثر من اثنتى عشرة ربوة من الناس الذين لا يعرفون يمينهم من شمالهم وبهائم كثيرة» 6-11.
 

الربوة هنا جمعها ربوات أى الآلاف وتساوى الربوة الواحدة عشرة آلاف، أى أن نينوى التى تضم 12 ربوة عدد سكانها 120 ألف شخص، وهو ما يتطابق مع الوارد فى قوله تعالى: «وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون» الصافات: 147.

 

وقارئ القصة القرآنية والتوراتية يستطيع أن يلمس الطريقة التى تفسر بها إحداهما الأخرى، وكيف يتجاوز التطابق بينهما المجرى الرئيسى للأحداث إلى الفرعيات والتفاصيل. رغم ذلك تخبط مفسرو القرآن عبر العصور تخبطا مؤسفا بين اضطرارهم قلب أحداث القصة، وبين الأخبار العجيبة التى حرصوا على إدهاش القارئ بها.

 

وبداية فقد اختلفوا كما يذكر الطبرى: «فى معنى ذهاب يونس مغاضبا؟ وعمن كان ذهابه؟ وعلى من كان غضبه؟ فقال بعضهم: كان ذهابه عن قومه وإياهم غاضب.. وقال آخرون: ذهب عن قومه مغاضبا لربه إذ كشف عنهم العذاب بعدما وعدهموه..

 

وقال آخرون: بل إنما غاضب ربه من أجل أنه أمر بالمسير..»، ولا يمكن لقارئ التفسير تفسير اختلاف المفسرين فى وجود سياق ظاهر وجلى بآية سورة الأنبياء، سياق معبر بذاته عن تفسير مغاضبة يونس: «إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه»، وظن يونس السلبى فى قدرة الله عليه هو ذاته ما جعله يهرب فى الفلك المزدحم المشحون، والرياح التى أرسلها الله وإلقاء النبى فى البحر والتقام الحوت له ثم إنقاذه من جوفه، كلها مظاهر لقدرة الله التى أكدت ذاتها وأعادت يونس نادما ومطيعا لأمر الله.
 

سبب اختلاف المفسرين رغم وضوح الآيات لفظا وسياقا، هو أن الذين «وجهوا التأويل» إلى أن يونس ذهب مغاضبا قومه، وبلفظ الطبرى: «زعموا أنهم فعلوا ذلك استنكارا منهم أن يغاضب نبى من الأنبياء ربه واستعظاما له»! وليس للقارئ هنا إلا أن يتساءل عن السبب الذى جعل المفسرين «يستعظمون» ما لم يستعظمه سياق كتاب الله، وما لم تستنكره آيات الوحى الصريحة بذاتها وبلفظها، سواء فى القرآن أو فى التوراة؟!

 

الأغرب من ذلك أن يصبح استعظام طائفة من ثلاث طوائف مختلفة من المفسرين أورد الطبرى اختلافهم هو الرأى السائد فى التفاسير التالية، فابن كثير ليرضى طموح طائفة المفسرين المستعظمين يورد فى تفسيره قصة مبتكرة تعكس ترتيب أحداث قصة يونس كما وردت فى القرآن وفى التوراة معا، لتضع نهاية القصة فى بدايتها، حتى يتمكن من تفسير مغاضبة يونس كما يحب، فيقول: «هذه القصة مذكورة هاهنا -سورة الأنبياء- وفى سورة (الصافات) وفى سورة (ن)، وذلك أن يونس بن متى بعثه الله إلى أهل قرية نينوى، وهى قرية من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله فأبوا عليه وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضبا لهم، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث.

 

فلما تحققوا منه ذلك وعلموا أن النبى لا يكذب خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها، ثم تضرعوا إلى الله عز وجل وجأروا إليه، ورغت الإبل وفصلانها وخارت البقر وأولادها وثغت الغنم وحملانها، فرفع الله عنهم العذاب»! بعد ذلك يبدأ «ابن كثير» فى سرد قصة يونس من بدايتها حتى خروج النبى من بطن الحوت، مما يعنى أنه فضل أن يبدأ قصة يونس من نهايتها!
 

ولا بأس بعد ذكر هذا الانقلاب الذى أحدثه المفسرون فى ترتيب أحداث قصة يونس من ذكر طرف من التفاصيل الخرافية التى أوردتها أخبارهم، إذ ينقل ابن كثير عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما أن يونس سمع فى بطن الحوت تسبيح الحصى، وينقل عن سعيد بن جبير أنه مكث فى بطن الحوت أربعين يوما، وعن عوف أن يونس سجد فى بطن الحوت ثم قال: يا رب اتخذت لك مسجدا فى موضع ما اتخذه أحد، وعن أبى سعيد أن ما نادى به يونس فى بطن الحوت هو اسم الله الأعظم الذى إذا دعى به أجاب! ولا تسألنى من أين أتى هؤلاء الفضلاء بكل هاتيك القصص!



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...